كفى كفى تدعوا إلى خلاص مشرف يخدم الجميع ويخلص الجميع

كفى كفى تدعوا إلى خلاص مشرف يخدم الجميع ويخلص الجميع

 

د. عاصم قبطان – دمشق

إن قراءة المعطيات تشير إلى أن ما كان ممكناً في النصف الثاني من القرن العشرين لم يعد ممكنا في بدايات القرن الواحد و العشرين ، هذه المنطقة من كوكبنا لا تستحق فقط و إنما هو مطلوب من مكوناتها البشرية أن تدرك أهميتها الجغرافية ، وهو ما جعلها دائماً قبلةً للطامعين ، إن قراءة التاريخ القديم و الحديث تؤكد أن المكونات البشرية على الامتداد الجغرافي من المحيط إلى الخليج و على مدى ثلاثة عشر ألفاً من السنين التي سبقت ظهور السيد المسيح ، تبين أنها كانت على مر العصور موطئاً للقادمين من كل الجهات الفرس و الروم و العرب و الفرنجة و الشعوب القديمة و لذلك فإن المكونات البشرية لهذه المنطقة من العالم عبارة عن خليط كان حتى عقودٍ قريبة متجانساً و متآلفاً ، و يمكننا أن نسمي النصف الثاني من القرن العشرين قرن الموائمة و التجانس و الولاء حيث تركزت مشاعر الجماهير حول الكاريزما و المصداقية و الأمانة و النظرة الثاقبة التي تميزت بها القيادات الوطنية لتلك المرحلة في قرائتها السليمة لمتطلبات المرحلة و التي تتوافق مع مستقبلها المنشود ، لقد أمضينا العقود الخمسة الماضية في العالم العربي تحت مطرقة التآمر الخارجي و سندان الاستبداد الذي اعتمد سياسة فرق تسد من قبل غالبية الأنظمة التي تحكمت في مستقبل هذه الأمة ، و لا بد من القبول بأن الثقافة المجتمعية كانت ضحلةً إلى الحدود التي جعلت من الممكن استغلال الطبقات الفقيرة و الغير مثقفة كوقود للمحرقة التي انتشرت في غالبية الأقطار في هذه الرقعة من العالم ، في نفس الوقت الذي أثبتت فيه جميع التنظيمات السياسية الحزبية الوطنية و القومية عقمها و تخلفها و سقطت في غالبيتها دون إمكانية مواكبة الأحداث الجسيمة ، ناهيك عن المحاولات المستمرة التي مارستها الأنظمة القمعية لتفتيت كل القوى الوطنية في هذه المنطقة ، و تحول العديد من القيادات السياسية في هذه المنطقة إلى سلعة تتقاذفها المصالح المختلفة للكيانات المحلية و القوى الإقليمية و القوى العالمية ، و التي لا يمكن أن نلومُها عندما تضع مصالحها الذاتية فوق مصالح شعوب المنطقة المقهورة ، لقد أصبح من مصلحة أصحاب القرار في غالبية الدول العربية الزيادة في تفتيت و تجزئة القوى الوطنية المختلفة و ضربها ببعضها ، حتى باتت المهزلة الكبرى في تشكيل الأحزاب و التيارات بالعشرات لا قل بالمئات في كافة جمهوريات و ممالك و إمارات المنطقة . و باتت الحريات الشكلية تتجلى بإعلان التيارات الحزبية المختلفة كل يوم عن نوياتٍ جديدة تسبح بحمد الحاكم في كلِ صباح و ضاع الحابل بالنابل .

 

أمام هذا الضياع كان لا بد من وقفة جدية و تأملٍ عميق فيما آلت إليه الأمور و كان لا بد للمثقفين و الغيورين من أن ينتفضوا و أن يقفوا عند مسؤولياتهم الوطنية للمساهمة في تخفيف المصاب الذي ألم بهذه الأمة والعمل على الخروج بفكرٍ متميز يمكن فيما إذا استوعبته الجماهير الوطنية المخلصة أن تصل إلى نهايةٍ مُرضية بعد كل هذا القتل و التهجير و الضياع و تقسيم البلاد ما بين مكونات مختلفة و تدمير البنى التحتية لكلِ الأوطان ، ناهيك عن تخريب العقول و تغيير البوصلة بتحييد العداء مع إسرائيل و خلق الأعداء الجدد الذين كانوا حتى سنواتٍ قليلةٍ ماضية في وئامٍ و محبة و تآلف ، و تستمر المأساة بعد أن تشكلت طبقةٌ طفيلية من أغنياء الحروب التي تعيش على آلام و حاجات الفقراء و المشردين و المقهورين .

 

كان لا بد من إعادة النظر ففي الوقت الذي لم تكن هناك أي عداوات حقيقية ما بين المكونات البشرية للمجتمعات العربية و غيرها في كافة أقطارها ، فقد عملت القوى العالمية و الإقليمية و أصحاب المصلحة من الذين فقدوا حس الإنتماء و الولاء لهذه الأمة و هذه الجغرافية على تفعيل الحقد ما بين هذه المكونات ، في هذه اللحظات نحنُ جميعاً كمواطنين ننتمي إلى هذه الرقعة الجغرافية من هذا الكوكب ، و كمثقفين نهتم بواقع الأمة و مستقبلها ، و كوطنيين لا نطمح للوصول لأيِة مواقعٍ هنا أو هناك ، كان علينا انتهاج العمل السلمي التوعوي للوصول إلى خلاص مشرف يخدم الجميع و يُخلص الجميع ، و كان لا بد من الإصرار على تفعيل مبدأ المواطنة الحقيقية التي تجتمع تحت مظلتها كافة المكونات البشرية لهذه الأمة من المعارضين و الموالين و التي تعي و تهدف إلى المساواة ما بين الجميع بالحقوق و الواجبات ، و بهذا تتحقق العدالة و الحرية و الكرامة للجميع ، إنها دعوةٌ لكل المكونات البشرية لهذه الأمة للوقوف خلف هذه المطالبة و الإرتفاع فوق الجراحات فالكل مكلومٌ إلا ما رحم ربي ، و انطلاقاً من اليقين بأن هذه المنطقة الجغرافية من العالم تتمتع بكل المقومات التي تجعلها قوةً مرهوبة الجانب و مسموعة الكلمة و صاحبة قرار على المستوى الإقليمي و الدولي فيما إذا قامت دولتها القوية في هذه المنطقة من العالم موحدةً و قوية تؤكد المبادئ الحقيقية التي آمنا بهالإقامة دولتنا الكبرى في هذا الشرق، هذه الدولة ليست دخيلة فيه، ولا غاصبة، ليست عادية عليه ولا مستعدية، دولة تحمي ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تقوي ولا تضعف، توحد ولا تفرق، تسالم ولا تفرط ، تشد أزر الصديق، ترد كيد العدو، لا تتحزب ولا تتعصب، لا تنحرف ولا تنحاز، تؤكد العدل، تدعم السلام، توفر الرخاء لها ولمن حولها وللبشرجميعا، بقدر ما تتحمل وتطيق.

 

ليس في هذا افتئات على الفكر القومي و إنما هو تطور إنساني يعطي جميع مكونات هذه الدولة البشرية حقوقها و يطالبها بواجباتها ضمن مفهوم المواطنة و يبقى الفضاء العربي مظللاً و تبقى اللغة العربية لغة التواصل ، و يبقى للجميع الحقوق الكاملة في ممارسة شعائرهم و عاداتهم و مفاهيمهم و لغاتهم التي تشكل اللغة العربية جزءاً كبيرأ جداً من مفرداتها ، و بذلك يتم قطع الطريق على المغرضين و العملاء و ضعفاء النفوس .

  • Social Links:

Leave a Reply