صحيح أن أكفُّ السوريات والسوريين التي التهبت في أذار 2011 وصدحت حناجرهم عالياً بشعارات الحرية والديمقراطية، لم تصل إلى نهايتها المرجوة بدحر الديكتاتورية والاستبداد وإقامة الدولة الوطنية والديمقراطية التي تساوي بين بناتها وأبنائها وتحترم حرياتهم وحقوقهم، لأسباب كثيرة ومتعددة، أهمها تلك الجموع التي لا حصر لها من القوى المحلية والإقليمية والدولية التي سارعت جميعها إلى تكبيل أيادي السوريين وكم أفواههم وحالت بينهم وبين تحقيق الانتصار، ومع ذلك استطاعت تلك الأكفّ وتلك الحناجر أن تحقق بعض الانجازات المهمة يأتي في مقدمها إسقاط الأقنعة عن الكثير من الأفراد والقوى داخل سورية وخارجها، وكشفت بوضوح عن الطبيعة الإجرامية لنظام الاستبداد وحلفائه في دمشق ومعه إجرام القوى التي اتخذت من الدين ستاراً لها، كما فضحت وعرّت مواقف الكثير من دول العالم لاسيما تلك الدول الداعمة للاستبداد أو الداعمة للتطرف الديني.
ما همنّي الآن في هذه العجالة، ليس تعرية المُعرّى من إجرام نظام الأسد ولا من الحركات الإسلامية ولا من المعارضة البائسة ولا من الموقف الدولي المخزي، فقد كُتب وسيكتب الكثير عن ذلك، بل همّني الوقوف على ذلك العفن الذي بدأت تفوح رائحته النتنة، وأخذ يطفو على السطح تباعاً ليظهر وكأنه جاء كنتيجة طبيعية لمطالبة جزء كبير من السوريين بالحرّية ورحيل نظام الاستبداد ..الخ كما يحلو لبعض السوريين وغيرهم أن يروّجوا ذلك أمام الناس، بهدف التغطية على جرائم نظام الأسد وشركائه في القتل والتدمير في الجهة المقابلة.
ولولا تلك الأكفّ والحناجر لما تمكنا من معرفة أننا كّنا نعيش والعفن سوية، وظهوره فجأة بيننا لا يعني بأي حال أنه وليد هذه الأيام قطعاً، بل كان يتشكل بيننا وتحتنا وحولنا منذ زمن بعيد بعلم ورعاية النظام القائم، وكل ما فعلته تلك الأكف والحناجر أنها ببساطة أزالت عن أعيننا تلك الغشاوة كي نرى الأمور على حقيقتها بدون تزييف ولا أقنعة.
ومن ذلك العفن أنني لم أتصور أبداً أن يشي زوج بزوجته لعناصر الأمن كي يعتقلوها، لأنها تهتف وتطالب بالحرّية، وشاء القدر أن أتولى الدفاع عن تلك الزوجة التي لم تتجاوز العشرين من عمرها، وكان أسمها وصورتها يزنان الكثير من صفحات الفيس نظراً لنشاطها البارز في التظاهرات المناهضة لنظام الأسد التي شهدتها دمشق، ولما التقيت بها في قاعة المحامين بدمشق بعد إطلاق سراحها فاجأتني بأنها متزوجة ولديها طفلة عمرها سنتان، وطلبتْ منّي أن أقوم بتطليقها من زوجها، وعندما سألتها عن السبب أجابت أن زوجها هو من تسبب في دخولها المعتقل بعد أن وشى بها ، ولما أعلمتني باسم زوجها، اكتشفتُ أيضاً أنه هو نفس الشخص الذي كان يراسلني على الخاص ويحثني على بذل جهدي لإخراجها من السجن دون أن يعرّفني على أنه زوجها. وعندما أعلمتها بذلك، قالت لي : ” لا تصدقه، فهو يفعل ذلك من أجل أن تساعده في اقناعي بالعودة إليه، وهو الذي لم يسأل عن ابنته طيلة الستة أشهر التي قضيتها في الاعتقال”.
وفي صورة مشابهة ومعاكسة للمشهد السابق توليت الدفاع عن شاب في الأربعين من عمره ولديه من الأولاد ثلاثة، يعمل سائق سرفيس على خط جرمانا البرامكة، أحيل إلى محكمة الارهاب بتهمة تمويل الإرهاب، وعندما سأله قاضي التحقيق عن السلاح الذي كان يقوم بتهريبه إلى المسلحين في محيط جرمانا، أنكر الشاب التهمة، مؤكداً أن لا علاقة له بأي مسلح، وانما كان بين الفترة والأخرى يقوم بتأمين بعض المساعدات الغذائية إلى أقاربه النازحين في جرمانا، لكن القاضي قال له: “أن هناك امرأة تدعى “ف، أ” شاهدتك وأنت تنقل السلاح إلى المسلحين في منطقة المليحة”، إلا أن الشاب أنكر قطعياً أن يكون قد فعل ذلك، وأكد للقاضي أن تلك المرأة هي زوجته التي كانت ترفض مساعدة أقربائه الذين تركوا بيوتهم والتجؤوا إلى مدينة جرمانا هرباً من المعارك. وأنها وضعته أمام خيارين إما الطلاق أو الكف عن مساعدتهم، لكنه لم يتصور أن تصل بها الأمور للوشاية به وتسلميه للأمن.
ثمة صور اخرى كثيرة من ذلك العفن منها على سبيل المثال من نسى قريبه في غياهب السجن، واستمر في ممارسة حياته وكأن شيئاً لم يكن. حقيقة لم استطع أن أفهم كيف ينسى أحدنا أباه أوأمه، أبنه أو ابنته، زوجه أو زوجته في غياب السجون وجحيم الزنازين دون أن يكلّف خاطره بالمطالبة بهم أو حتى السؤال عنهم؟ وكيف يهنأ بعيشه وحياته بينما شريكه أو شريكته أو فلذة كبده يموتون في اليوم ألف موته؟
كما لم أتصور أبداً أن محامياً حلف يمنين الدفاع عن حقوق الناس، يعمل بعكس يمينه ويستغل مآسي الناس أبشع استغلال دون أي وازع أخلاقي، وأطباء تحولوا إلى جزارين، ومثقفين وفنانين.. أصبحوا خدماً وجنوداً يدافعون عن الاستبداد والقائمة تطول.
ما لم أتصور حدوثه، حدث أمامي، وربما يكون قد حدث الكثير من تلك الصور العفنة بصورة أشد وأقسى إيلاماً مما سمعته وشاهدته، إلا أنها مازالت طي الكتمان، نأمل أن يتم الكشف عنها وتعريتها مستقبلا.
فكما كشفت تلك الأكفُّ وتلك الحناجر عن تلك الصور العفنة، فقد كشفت معها أيضاً عن صور رائعة من حياة السوريين خلال السنوات السبع الماضية، صور يمكن أن يُبنى عليها في بناء مستقبل سورية من جديد، مستقبل خال من العنف والكراهية والاستبداد والتطرف. هي صور لا يجب أن تبقى طي الكتمان، بل يجب أن تأخذ طريقها للنشر في المستقبل القريب.
Social Links: