صورة القدس في الضمير المسيحي – ميخائيل سعد

صورة القدس في الضمير المسيحي – ميخائيل سعد

صورة القدس في الضمير المسيحي
ميخائيل سعد

في ذاكرتي المبكرة كانت ثلاثية: كنيسة القيامة وبيت لحم والمسيح شيئا واحدا، وقد يكون السبب هو تلقيننا، منذ الأيام الأولى للوعي أن الآب والابن والروح القدس، ثلاثة أقانيم في واحد، للدلالة على الله. وكما كان كل أقنوم من الاقانيم المسيحة الثلاث يدل علي الاقنومين الآخرين، كان ورود اسم القدس في أي سياق، يعني بالنسبة لي، بيت لحم أو كنيسة القيامة وبالتالي المسيح.

كان الثلاثي الآخر؛ المزود، مكان إقامة المسيح الأولي بعد الولادة مباشرة، والنجم، الذي كان دليل المجوس للوصول الى المسيح، والجلجلة، طريق التضحية بالذات من أجل خلاص الانسان، كان كل واحد من هؤلاء يعني بالنسبة لي القدس، مملكة الله على الارض.

كانت مسيحيتنا، في تلك القرية الجبلية المنعزلة عن العالم، تعني أننا جزء من مملكة المسيح على الارض، يعني ببساطة أننا جزء من عاصمة تلك المملكة، القدس.

كان الحاج نقولا، وكل حاج مسيحي الى القدس، هو نقولا، يمر بقريتنا، وكنا نقلد الكبار الذين يلمسون ثياب الحاج اثناء مروره للتبرك به، راسمين بعد ذلك علامة الصليب على وجوهنا، ألا يكفي انه زار أحد الايام القدس، كي يكون مبجلا في عيون أهلنا وعيوننا المفتوحة على دهشة القداسة؟

عندما ذهبنا مع والدي الشرطي الى العاصمة دمشق، عرفنا أن القدس ليست عاصمة قريتنا، ولكنها مع ذلك بقيت في عقلنا عاصمة مملكة الله على الارض، يعزز هذه القناعة مرور بعض الناس على بيتنا أثناء ذهابهم وعودتهم من القدس وحديثهم عن المعجزات والزيوت المقدسة والسبحات وقطع الخشب التي كانوا يدعون أنها من خشب الصليب.

بعد أن خسرنا القدس اثر هزيمة العرب الكبرى، ارتبط حضورها في يومياتنا المراهقة ببندقية المقاومة والأغنية الثورية والثياب المبرقعة والكوفية الفلسطينية، وحلت صورة قبة مسجد الصخرة الذهبية مكان الاماكن المسيحية في ذاكرتنا دون أن تلغيها، فقد كنت أرى أن الوصول الى هذه القبة يشبه الوصول الى كنيسة القيامة، ولا بد من عبور طريق المقاومة للوصول الى المكانين.

استسهل الناس مسألة تحرير القدس وتحرير فلسطين نتيجة ادعاءات الانظمة العربية ووعود المقاومة التي استطاعت أستقطاب الناس للتطوع في صفوفها وفي التبرع ماليا لها. ولا زلت أذكر حفلا للتبرعات نقله التلفزيون السوري من حلب، التي يدمرها نظام الاسد الآن مباشرة، عام ١٩٦٨ أو ١٩٦٩، حيث صعدت الى المسرح شابة طويلة الشعر، قالت إنها لا تملك مالا للتبرع به، ولكنها تملك شعرها هذا، وهي تشير إليه، وستتبرع به لمن يدفع أعلى سعر فيه، ثم طلبت مقصا وقامت بقصه ورفعته بيدها، فرسا المزاد على تاجر حلبي أرمني الذي دفع مقابله ١٧ الف ليرة سورية، وكان هذا المبلغ يشكل ثروة حقيقية في ذلك الوقت.

في عام ١٩٦٩ تم إرسالي كمعلم ابتدائي إلى قرية في ريف حلب، وكان ذلك أول عام تعليمي لي بعد التخرج في دار المعلمين، فاصطحبت معي، إلى جانب ثيابي وكتبي، ملصقات حركة فتح، التي كانت تنشط في حمص، وكانت الملصقات جميلة ومعبرة رغم كونها بالاسود والابيض فقط، وقمت بتعليقها على جميع حيطان القرية الطينية، آملا أن تكون محرضا كافيا للناس لدعم الثورة، ولكن للاسف، فقد غادرت القرية الأمّية بعد أشهر دون أن تقوم الثورة فيها.

هذه الصورة الكاريكاتورية، رغم حقيقية عناصرها، لم تكن في رأسي فقط، وإنما في كل عقول من كان يحلم بثورة تحدث وتنتصر بالكلام والصور والقصائد، وخاصة بعد الصمود الفلسطيني البطولي في مواجهة الاسرائيليين 

في معركة الكرامة عام ١٩٦٨.

مع تقدمنا في العمر، وزيادة وعينا ومشاكلنا المعقدة التي بدت أن لا حلول لها، تراجعت صورة القدس من ذاكرتنا، أمام همومنا اليومية، وخاصة بعد أن أصبحت قضية فلسطين، بما فيها القدس، تجارة يومية للانظمة العربية والاقليمية، تبرر بها نهب شعوبها واضطهادها، بحجة أن لا كلام يعلو على كلام المعركة، وخير مثال على ذلك أنظمة الممانعة والمقاومة وعلى رأسها النظام السوري والايراني وحزب الله الذين يقتلون الشعب السوري منذ ما يزيد عن خمس سنوات، بحجة مقاومة المؤامرة الدولية التي تستهدف فكرة ”المقاومة“

أخيرا، لا بدّ من التذكير بأن قضية القدس كانت مادة للتجارة منذ القرن الحادي عشر مع الحملات الصليبية التي رفعت شعارات حماية قبر المسيح، ولكنها في الواقع كانت حروب استيطانية تمت تحت شعارات دينية.

في فيلم مملكة السماء (Kingdom of Heaven) وهو من بطولة أورلاندو بلوم (باليان)، الحداد الاوروبي الصليبي، الذي تولى الدفاع عن القدس في مواجهة جيش المسلمين، يسأل غسان مسعود (صلاح الدين الايوبي): ماذا تعني لك القدس؟ فيرد صلاح الدين: لا شيء وكل شيء!

القدس الآن تعني بالنسبة لي، كما كانت تعني بالنسبة لصلاح الدين: لا شيء وكل شيء، في الوقت نفسه، بانتظار أن تقوم شعوب المنطقة باستعادتها من المحتلين الصهاينة!؟

  • Social Links:

Leave a Reply