إمساك نظام الأسد بالدولة السورية 3/3

إمساك نظام الأسد بالدولة السورية 3/3

مركز كارنينغي للسلام الدولي: نصّب نظام الأسد نفسه على أنه مُزوِّد الخدمات الأساسية الذي لا غنى عنه في سورية. وحلُّ الأزمة السورية يتطلّب كسر هذه القبضة

خضر خضور

منذ الأيام الأولى للانتفاضة السورية في العام 2011، وضع الرئيس بشار الأسد ضمن أولوياته الحفاظ على سير عمل مؤسسات الدولة، ما سمح له بالادّعاء أن النظام لا غنى عنه لتوفير الخدمات الأساسية. من شأن وضع حدٍّ لاحتكار النظام لهذه الخدمات العامة والسماح للمعارضة المعتدلة بأن تصبح مصدراً بديلاً لتوفير الخدمات، أن يُضعِف النظام، وأن يمنع تنظيم الدولة الإسلامية الجهادي المتطرّف من ملء فراغ السلطة في البلاد.

كيف أحكم النظام قبضته

  • يعتمد السوريّون بشكلٍ كبير على الدولة للحصول على الدخل والسلع والخدمات الأساسية والوثائق الإدارية. وحين رُجِّح بقاؤه مهدَّداً، كثّف النظام جهوده للارتباط بمؤسسات الدولة التي توفّر هذه الخدمات الضرورية.
  • تمّ توطيد السلطات البيروقراطية التي كانت أصلاً مترامية الأطراف، لتصبح مراكز حضرية يمكن الدفاع عنها بقوة وخاضعة إلى سيطرة النظام.
  • دمّر النظام الهياكل البديلة التي أنشأتها المعارضة في المناطق المحرّرة للحفاظ على احتكاره توفير الخدمات الأساسية.
  • عزّز صعود تنظيم الدولة الإسلامية – الذي قمع بشكلٍ وحشي السكان في المناطق الواقعة تحت سيطرته – باعتباره الكيان الآخر الوحيد القادر على توفير قدرٍ من الإدارة العامة، سرديّةَ النظام السوري القائلة بأنه هو الخيار الواقعي الوحيد المُتاح أمام السوريين للحصول على الخدمات الأساسية.

ما يمكن للقوى الدولية فعله لوقف احتكار الأسد

النظر أبعد من الإستراتيجية العسكرية. ينبغي على الدول الغربية والإقليمية الداعمة للمعارضة – ولاسيما تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر – أن تقوم بأكثر من مجرّد تقديم المساعدات العسكرية إلى فصائل المعارضة، وأن تدعم أيضاً عملية إعادة هيكلة الفصائل المتمرّدة المسلحة والمعارضة السياسية لتُشكِّل كياناً موحّداً ومتماسكاً أكثر من شأنه الاضطلاع بأدوار جديدة في سورية.

تمكين سلطة بديلة. في المناطق الخاضعة عسكريّاً إلى سيطرة المعارضة المعتدلة، ينبغي تشجيع مجموعات المعارضة على أداء مهامّ الدولة السورية، كما ينبغي دعمها في هذا المجهود.

حماية مؤسسات الدولة. ينبغي منع النظام من تدمير هذه المؤسسات – ومن تدمير قدرة المعارضة على إدارتها – بعد انسحاب قواته العسكرية من هذه المناطق. لتحقيق ذلك، يتعيّن على الولايات المتحدة وحلفائها توفير الحماية الجوية من هجمات النظام بعد انسحاب القوات التابعة للأسد.

خضر خضور – باحث غير مقيم -مركز كارنيغي للسلام

خضر خضور – باحث غير مقيم -مركز كارنيغي للشرق الأوسط 

الاستقلالية المضبوطة في المناطق الكردية

يعود جزء من قوة النظام في الحفاظ على وظائف الدولة، إلى المقاربة المرنة التي يعتمدها إزاء خصومه. ففي حين جهد النظام للقضاء على جهود المعارضة المعتدلة لتوفير الخدمات، اكتفى بالحفاظ على موطئ قدم عسكري وإداري استراتيجي فقط، في المعاقل الكردية في شمال شرق سورية. هذا الأمر أطلق يد قوات الأسد العسكرية لتُركِّز على مقاتلة المعارضة، كما أتاح للنظام مواصلة توفير الوثائق الرسمية وغير ذلك من الخدمات الإدارية، مُذكِّراً السكان بأنه لايزال يُشكِّل تواجداً مؤثّراً يعتمدون عليه .
لطالما تعرّض أكراد سورية إلى التهميش من النظام السوري. فمئات الآلاف منهم جُرِّدوا من جنسيتهم، والنظام قمع بالقوة انتفاضةً كرديةً في العام 2004. لكن عمليةً بطيئةً للاعتراف بالحقوق الثقافية، كانت بدأت في العام 2010، جرى تسريعُها مع اندلاع الأزمة السورية في العام التالي، برجوع النظام عن سياسة الجنسية التي كان انتهجها.32 وفيما تواصلت الحرب، اتّخذ النظام مزيداً من الخطوات التصالحية تجاه الأكراد .
في تموز/يوليو 2012، سحب النظام معظم قواته من المناطق المأهولة بالأكراد، فيما أبقى على عدد من القواعد الأمنية والعسكرية والمكاتب الإدارية. ومنذ هذا الانسحاب، أنشأ حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الحزب الكردي الرئيس في سورية، وحدات حكم ذاتي سياسية مستقلة في المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال البلاد. لقد نجح حزب الاتحاد الديمقراطي من دون شك في أن يصبح القوة العسكرية والأمنية المُهيمِنة في شمال منطقة الجزيرة قرب الحدود العراقية، كما في المدينتَين الكرديتَين المجاورتَين لحلب الكبرى، عفرين وكوباني. كذلك، نجح الحزب في أن يصبح مزوِّد الحاجات الأساسية – وهو يدعم المحاصيل للمزارعين ويوفّر المياه والكهرباء .
تُعَدّ منطقة الجزيرة معقل حزب الاتحاد الديمقراطي، في حين أن بعض المناطق تبقى تحت سيطرة مُحكَمة من النظام. فعاصمة محافظة الحسكة في أقصى شرق البلاد يمسك بها النظام بشكل تام. ومع أن الشرطة اختفت من شوارع ثاني أكبر مدينة، القامشلي، عند انسحاب النظام، إلا أن القوات الأمنية التابعة لهذا الأخير أبقت على تواجدٍ لها في مجمّع عسكري محلي.33 وهذه المنطقة الأمنية تضمّ أيضاً المستشفى الرئيس للمدينة والبلدات والقرى المجاورة .
لايزال النظام يصدر الأوراق المهمة، مثل جوازات السفر والشهادات المدرسية، في منطقة الجزيرة. كما أنه يدير الرحلات من مطار القامشلي الذي لايزال يعمل (ويسيطر عليه النظام). هذه الازدواجية في الحكم تُذكِّر السكان المحليين بأنه صحيح أن حزب الاتحاد الديمقراطي يحكم المنطقة، إلا أنه عاجز على الاضطلاع ببعضٍ من مهام الدولة الأكثر ضرورية، والتي من شأنها أن تمنح التجربة الكردية في الحكم شبه الذاتي شرعيةً دائمة .
يعكس المزيج الغريب من التواجد العسكري الضئيل للنظام وتواصل توفير الخدمات الإدارية، جموداً بين حزب الاتحاد الديمقراطي والنظام. فصحيح أنه من مصلحة الحزب على الأرجح التخلّص من القوات الأمنية وتوفير الخدمات كافة بنفسه، إلا أن من شأن معركةٍ لإزاحة النظام أن تشلّ مؤسسات الدولة. هذه الوظائف البيروقراطية والإدارية للدولة ضرورية للسكان الأكراد في المنطقة، الذين يعتمد حزب الاتحاد الديمقراطي على دعمهم. يُشار إلى أن نظام الأسد، الذي يدرك هذا الواقع على الأرجح، سمح لهذا التدبير بأن يستمر. لكن لايبدو أن ذلك يؤثّر على السكان المحليين؛ إذ تسري نكتة في القامشلي بأن النظام قد ينسحب غداً من القرداحة (وهي مسقط رأس الأسد، وتُعَدّ صلب الدعم الشعبي للنظام)، ولكن حتى لو فعل ذلك فلن ينسحب من القامشلي .
تنظيم الدولة الإسلامية: السعي وراء بديل بغيض
ثمة مجموعة واحدة تركها النظام نسبياً لتُنشِئ إدارتها المستقلة، وهي تنظيم الدولة الإسلامية. فتمدُّد هذا الأخير أفاد النظام من خلال تقويض مجموعات المعارضة الأخرى، وفي الوقت نفسه، عزّز الفكرة القائلة بأن النظام هو وحده القادر على إنقاذ سورية والسوريين من هذا البديل المتعصّب .
برز تنظيم الدولة الإسلامية على الساحة الدولية في العام 2013، وتدريجياً حقّق مكاسب على الأرض – كان معظمها على حساب مجموعات المعارضة الأخرى – من دون أن يواجه مقاومة من النظام. حتى عملية الاستيلاء المذهلة للتنظيم على الرقة، وهي عاصمة محافظةٍ ومعقل للمعارضة، في العام 2014 لم تُحفِّز النظام على القيام بردّ عسكري. ومالبث تنظيم الدولة الإسلامية أن استولى على المدينة من المعارضة المسلحة، وروّج للرقة على أنها رمز لنفوذه وبرهان على مشروعه لإقامة دولة الخلافة. وهذا أكّد مخاوف العديد من السوريين من أن التنظيم كان ينوي إقامة دولة بنسخة استبدادية خاصة به .
تمدُّد الدولة الإسلامية أفاد النظام من خلال تقويض مجموعات المعارضة الأخرى، وفي الوقت نفسه، عزّز الفكرة القائلة بأن النظام هو وحده القادر على إنقاذ سورية والسوريين من هذا البديل المتعصّب .
وقد سارع هذا التنظيم، الذي لم تُعِقْه البراميل المتفجّرة وعمليات الحصار التي أهلكت منظمات شعبية في حلب والغوطة الشرقية، إلى تنفيذ وعوده بتوفير البديل الإداري. وربما الأهم بالنسبة إلى السكان المحليين قبل ذلك كان إقامة نظام المحاكم وفرض القوانين. وعلى سبيل المثال، بدأت “شرطة الحسبة” بمراقبة القيود على الأسعار بهدف إبقاء كلفة كل شيء، من المواد الغذائية إلى العمليات الطبية، ضمن مستويات أسعار معقولة. وهكذا، خلقت الجماعة حسّاً حقيقياً لدى السكان بوجود سلطة حكومية. في أواخر 2014، أُطلِق على الرقة اسم عاصمة الدولة الإسلامية، وهو نعت لم تطلقه المعارضة المعتدلة البتة على أي من المدن التي تسيطر عليها، هذا ناهيك عن أنها لم تكن قادرة على خلق الحس نفسه لدى السكان حيال وجود معقل عسكري وإداري .
بيد أن بديل تنظيم الدولة الإسلامية هذا المتمثّل في العاصمة (الرقة) كان أيضاً المكان الذي شهد الإعدامات العلنية وتعليق الأجساد في الشوارع. ومثل هذه الوحشية التي لاتُقارَع صبّت في خانة النظام، من خلال تسليطها الضوء على مايعنيه البديل عن نظام الأسد لكلٍّ من السوريين والأسرة الدولية .
في حين أنه ليس ثمة دليل محدّد على أن لدى النظام خطة مدروسة بدقة منذ أمد لتمكين تنظيم الدولة الإسلامية من التوسُّع، إلا أن العديد من الأحداث تشي بأن الأسد أفاد على الأقل من الفرصة التي خلقها هذا الأخير. فالنظام لم يُخضِع الرقة البتة إلى الوتيرة نفسها من الغارات الجوية التي محقت المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. ومع أن هذه المدينة كانت أولاً في أيدي جماعات أخرى، إلا أنه كان هناك دوماً وجود إسلامي، وسَرَت شبهات دوماً بأن النظام يشجّع هذا الوجود لتقويض المعارضة السياسية المعتدلة. وهذا ربما كان واضحاً بشكل ساطع في المراحل الأولى للانتفاضة، حين أفرج النظام عن عشرات المقاتلين الإسلاميين من السجون، الذين سرعان ما انضمّوا إلى المعارضة المسلحة الأكثر تطرفاً وأصبحوا قادة بعض فصائلها . 34
علاوة على ذلك، تُظهِر أحداث الرقة أهمية المراكز الإدارية في استراتيجية النظام القاضية بالتمسك بمؤسسات الدولة. فبعد خسارته السيطرة على المدينة في ربيع العام 2013، انسحب النظام في صيف العام 2014 من قاعدة الطبقة الجوية المجاورة، ومن مركز قيادة الفرقة السابعة عشرة. ومع أن الطبقة كانت قاعدة مهمة تنطلق منها الغارات الجوية في شرق سورية، إلا أنه عمد مباشرة بعد خسارته لهذه العاصمة الإقليمية وعدم قدرته على فرض نفوذه الإداري في المحافظة، إلى سحب قواته من منشآت هذه القاعدة .
في المقابل، كان النظام صامداً ويقاتل بشدة للحفاظ على قاعدة دير الزور الجوية منذ العام 2011، حتى بعد أن حقّق تنظيم الدولة الإسلامية السيطرة على كل الأراضي المحيطة بالمدينة في العام 2014. وحتى شباط/فبراير 2015، مكّنت السيطرة على وسط المدينة النظام من الحفاظ على هيمنته الإدارية، وهو واصل دفع الرواتب لموظّفي الدولة في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية. لكن منذ ذلك الحين، منع حصار تنظيم الدولة الإسلامية لدير الزور موظّفي الدولة خارج المدنية من الوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام لتقاضي رواتبهم .
في الرقة، ربما تسمح قوات الأسد للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية بالقيام بعمل النظام. فبالطريقة نفسها التي أضعفت فيها حملات القصف التي قام بها النظام فعالية حكم المتمردين، فرضت غارات التحالف الدولي ضغوطاً عسكرية واقتصادية على تنظيم الدولة الإسلامية، وقيّدت قدرته على ممارسة الحكم. وقد أعدّ النظام نفسه للتحرّك، ليس فقط عسكرياً بل أيضاً إدارياً، في حال أصاب الوهن تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كافٍ. والواقع أن ثمة دلائل على الأرض لوجود مثل هذا الوهن. فقبل نهاية العام 2013، أقامت قوات الدفاع الوطني شبه العسكرية التابعة للنظام مجموعة خارج الرقة في أثريا، وهي مدينة صغيرة تقع على الطريق المؤدّية إلى حمص، ربما انتظاراً لشنّ هجوم على الرقة في حال سنحت الفرصة لذلك. وبالتوازي مع ذلك، أقام النظام نوعاً من الإدارة المؤقّتة التي تستضيف معظم الشيوخ القبَليين البارزين في العاصمة. وهذه التحضيرات تشي بمدى الأهمية التي يعلّقها النظام، ليس فقط على توكيد سيطرته العسكرية، في حال هُزِم تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة، بل أيضاً على إعادة أهميته الإدارية . 35
نظام الأسد يتشبّث بالسلطة
الدولة السورية هي أعظم موارد النظام. إذ أن احتكاره السيطرة على مؤسسات الدولة منحه الفرصة للزعم بأنه الكيان الوحيد الذي يخدم المواطنين السوريين، وأيضاً لحرمان المعارضة المعتدلة من إسباغ الشرعية على نفسها. وعلى الرغم من أربع سنوات من الحرب، لاتزال قبضة النظام على الدولة تُمكِّنه من إجبار السوريين والمجتمع الدولي على حدّ سواء، على التعاطي معه على أنه السلطة السياسية الشرعية في البلاد، وعلى تقبُّل الفكرة بأن نظام الأسد هو بالفعل الدولة السورية. بكلمات أخرى، أدّى وجود الخدمات التي توفّرها الدولة فقط في المناطق التي يسيطر عليها النظام، إلى تعزيز اعتقاد السوريين بأن الدولة موجودة وحسب حيث يوجد النظام. وفي الوقت نفسه، يخشى المجتمع الدولي من أن انهيار نظام الأسد قد يستتبع تقوُّض الدولة برمّتها، لابل حتى ماهو أسوأ: تمكين تنظيم الدولة الإسلامية من التوسُّع .
في هذه الأثناء، تبدو المعارضة السياسية السورية اليوم مجرد خليط مفكّك، ويتواجد معظمها خارج البلاد، من دون أن تكون لها إلى حدّ كبير شرعية ما على الأرض داخل سورية، بما في ذلك حتى في تلك الحفنة من المناطق حيث لاتزال تنشط مجموعات المعارضة المسلحة المعتدلة. وقد بات المجتمع الدولي والسوريون أنفسهم يتحدثون باطراد وكأن النزاع سيكون في نهاية المطاف خياراً بين أحد أمرَين: بقاء نظام مقيت كالنظام السوري، يكون مستقبل سورية في ظلّه مُفضَّل على تنظيم الدولة الإسلامية، مع إديولوجيته الجهادية المتطرفة التي تتربّع على عرش خلافة فعّالة في قلب الشرق الأوسط .
تبدو المعارضة السياسية السورية اليوم مجرد خليط مفكّك، ويتواجد معظمها خارج البلاد، من دون أن تكون لها إلى حدّ كبير شرعية ما على الأرض داخل سورية .
بيد أن هذه وجهة نظر مشوّهة للوضع . فنظام الأسد لن يُنقِذ الدولة السورية . إذ منذ أن اندلع النزاع ، واصل النظام حماية المنشآت العامة أو توفير الخدمات فقط حين يساعده ذلك على الحفاظ على مصالحه . وحالما بدأت المعارضة تحقّق مكاسب ، و تستولي على المنشآت العامة ، و تحاول القيام بالدور الخدماتي نفسه ، كان النظام يردّ بقصف هذه المنشآت نفسها التي جهد للغاية لحمايتها .
ففي شرق حلب، على سبيل المثال، قصف النظام المدارس والمستشفيات، إضافة إلى الهيئات التي أقامتها المعارضة لإدارة المناطق التي تسيطر عليها وتوفير الخدمات للسوريين الذين يعيشون خارج سيطرة النظام . 36
ومؤخراً، وبعد أن استولت قوات المتمردين على محافظة إدلب الشمالية وعاصمتها في نيسان/ابريل وأيار/مايو 2015، استخدم النظام البراميل المتفجرة لتدمير المستشفى الوطني ومبنى المحافظة، وكذلك مكاتب الهلال الأحمر، مانعاً بذلك أي كيان بديل من القدرة على إدارة مؤسسات الدولة . 37  ويمكن أن يبرز السيناريو نفسه في درعا، التي تسيطر المعارضة على ضواحيها، والتي لايُهيمِن النظام سوى على وسط المدينة فيها .
بهذه الطريقة، لاتؤدّي خسارة النظام للأراضي أمام المعارضة إلا إلى تعزيز قبضته الاحتكارية على الدولة، وربط السكان أكثر بحكمه، وتقلُّص قدرة مؤسسات الدولة على القيام بالخدمات المنوطة بها .
علاوة على ذلك، وفيما يفتقد النظام إلى الموارد، سيعمد بشكل مطّرد إلى ربط المداخل إلى خدمات الدولة بمسألة الولاء للنظام، ويسمح فقط لأولئك المنخرطين في شبكات فساده أن يفيدوا من توفير الخدمات. وهذا سيزيد في نهاية المطاف من ربط المزيد من المواطنين السوريين به، فيما هو يقذف جانباً قسماً كبيراً من السكان إلى خارج الدولة أو يرميهم إلى أحضان تنظيم الدولة الإسلامية .
ثمة مثال واضح على هذا المنحى برز في أيار/مايو 2015، حين أصدر النظام مرسوماً جديداً يسمح للسوريين الذين يعيشون خارج البلاد بتجديد جوازات سفرهم في مكاتب قنصلية خارجية مقابل 400 دولار لكل جواز، مايؤدّي إلى تغذية الخزينة الحكومية. ويتعيّن على السوريين الذين يريدون الحصول على جواز سفر جديد، إضافة إلى دفع رسوم مُكلِفة لايستطيع الكثير منهم تحمُّل عبئها، أن يتّخذوا إجراءات بيروقراطية لانهاية لها. لكن يمكن تسريع هذه الإجراءات فقط عبر رشوة موظّفي القنصلية . 38
بالإجمال، النظام جاهز دوماً للتلاعب بالمداخل إلى خدمات الدولة، مُجبِراً السوريين على الامتثال إلى حكمه إذا ما أرادوا تلقّي التعليم، والمساعدة الصحية، ووثائق السفر، أو أي من الخدمات الأكثر أساسية .
إنقاذ الدولة السورية
إذا ما أُريد منع نظام الأسد من إحكام قبضته أكثر، يتعيّن تمكين كيان بديل من إدارة الدولة السورية. وفي المناطق التي سيطرت عليها المعارضة المعتدلة عسكرياً، يجب تشجيع مجموعات المعارضة على القيام بهذه الوظائف ودعمها في هذا المسعى. وفي الوقت نفسه، يجب منع النظام من تدمير هذه المؤسسات، وتعزيز قدرة المعارضة على إدارتها حالما تنسحب القوات العسكرية الموالية للأسد منها. هاتان الخطوتان يجب أن تُنفَّذا بشكل متزامن .
الخطوة الأولى تتطلّب أن ينتهج داعمو المعارضة من الدول الغربية و الإقليمية ( خاصة تركيا والسعودية وقطر ) ، استراتيجيةً تتجاوز مجرد توفير المساعدة العسكرية لفصائل المعارضة ، وتدعم عملية الانتقال وإعادة هيكلة هذه الفصائل والمعارضة السياسية كي يتحوّل هؤلاء إلى كيان موحّد ومتّسق . مثل هذه المقاربة يجب أن تشمل مساعدة المعارضة السياسية على إعادة تشكيل مؤسسات الدولة في الأراضي الواقعة خارج سيطرة النظام . وهذا قد يساعد على تعزيز روابط المعارضة السياسية مع المجموعات المسلحة ، حيث أن كلا هذين الطرفين لهما مصلحة في إعادة توفير هذه الخدمات وترقية شرعيتهما في أعين السكان المحليين .
إذا ما أُريد منع نظام الأسد من إحكام قبضته أكثر، يتعيّن تمكين كيان بديل من إدارة الدولة السورية .
بيد أن كل هذا لن يتحقق إلا إذا اتُّخِذَت الخطوة الثانية، وإلا إذا مُنِحَت هذه المناطق درجة ما من الحماية ضد سلاح الجو التابع للنظام القادر على مسح هذه المناطق من الوجود. لتحقيق ذلك، يتعيّن على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين توفير الغطاء الجوي لحماية المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة من هجمات النظام .
إذا ماقاربنا هذه السياسات كرُزمةٍ واحدة، فسنجد أنها قد تُسفِر عن تنسيق تشتد الحاجة إليه بين المعارضتين السوريتين المسلحة والسياسية، وتُمكِّن المعارضة من وضع حدّ لاحتكار النظام لعملية توفير خدمات الدولة. كما أنها تفكّ عُرى النظام مع الدولة، مايسمح بدعم الأخيرة وتعزيزها حتى حين ينسحب والنظام يتراجع، مانعةً بالتالي بروز حالة فراغ قد يستغلّها تنظيم الدولة الإسلامية أو أي جماعات متطرفة أخرى .
كل هذا قد يساعد على توفير الظروف لتحقيق تسوية سياسية للنزاع. فبروز بديل قابل للحياة عن نظام الأسد كمُقدِّمٍ للخدمات الأساسية، من شأنه إضعاف الزعم الرئيس للنظام بأنه حائز على الشرعية في عيون السوريين في كلٍّ من المناطق التي يسيطر عليها وتلك الواقعة في قبضة المعارضة، وأيضاً لدى المجتمع الدولي. ومن هذا الموقع التفاوضي الضعيف، سيكون النظام أكثر استعداداً بكثير لتقديم تنازلات على طاولة المفاوضات. وهذا مايرفضه حتى الآن .
في حين أن العديد من السوريين والقوى الأجنبية المهتمة يودّ أن ترى نهاية لنظام الأسد، إلا أن قلّة منهم (سواء أكانت من داعميه أم من معارضيه) تريد أن تشهد انهيار الدولة السورية. بيد أن مثل هذا الانهيار سيكون مؤكّداً إذا ماسُمِحَ للنظام بمواصلة إحكام قبضته على مؤسسات الدولة.

  • Social Links:

Leave a Reply