السواح : غير مسموح لنا أن نمتلك حرية اتخاذ القرار إطلاقاً.
لو أصبحنا سادة أنفسنا فلن تبقى إسرائيل دولة في المنطقة ، ولطالبنا برحيلها ، وهذا غير مسموح به إطلاقاً .
حوار زكي الدروبي
صوت قوي وجريء، إعتاد على عدم الخوف، إعتاد على الصوت العالي، ولم يعتد على الهمس، صوت خالف المنطق السائد (امشي الحيط الحيط)، كان مغامرا ، وما زالت آراؤه صادمة ، وخارجة عن محور التوقع .
سحبان السواح قاص ، وكاتب سوري، تخرج من قسم اللغة العربية في جامعة دمشق عام 1974 ، وأصبح عضواً بإتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 1976، وعضو إتحاد الصحفيين العرب في دمشق عام 1980. ساهم في تأسيس مجلة الحياة المسرحية مع سعد الله ونوس، وأسس مجلة كتب عربية، ومجلة ألف ، التي يرأس تحريرها. نادى دوماً دوما بالحرية ونبذ التعصب، له أربع مجموعات قصصية ” الموت بفرح ” عن اتحاد الكتاب العرب 1976، ” طعم الملوحة ” عن دار الكلمة للنشر والتوزيع بيروت 1980، ” حب في الستين ” عن دار المنارة دمشق 1989، صباح الخير أيها الحزن ” عن دار مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر في بيروت 1991. إضافة إلى عدد من المسلسلات السورية منها ” الوصية ، مع الأسف “.
الرافد التقت معه وكان هذا الحوار الشفاف والجرئ جدا
_ يؤكد الناقد صالح الرزوق أن سحبان السواح كقاص لم يكرر نفسه، وكان حريصاً على أن يبدأ في الطور اللاحق من حيث انتهى به الشوط الفني ، أو مقام ، ومعراج الكلمة في الطور السابق، والسؤال الآن : ماذا في جعبة سحبان السواح من جديد ؟
تابعني الصديق صالح متابعة جادة ، وكان دقيقاً في ملاحظاته ، وقد وصفني وصفاً دقيقاً فيما قال ، فأنا كنت دائم التطور في كتابة القصة ، وكنت أهتم في إيجاد شكلاً للقصة ، وسرداً خاصاً بي ، ولم أتأثر بأحد ، بل إنني في كل ما كتبته كنت مجدداً ،ولا أشبه سوى نفسي .
ولكن في الحقيقة أنني ، ومنذ حوالي العشر سنوات توقفت عن كتابة القصة، استهوتني فكرة أن المنطقة العربية ، ومنها سورية تحتاج إلى مشاريع تهتم بالمبدعين الشباب ، وتشجعهم على الكتابة. إن الثقافة الجديدة وما يقدمونه من أفكار حداثية في القصة ، والشعر، والنقد يجب متابعتها ، والإهتمام بها وهذا يحيلنا إلى سؤالك الثاني :
_ أسست مجلة شهرية ببلوغرافيا الكتاب العربي ،واستمرت لسنة تقاوم ثم كان الضعف المادي سبباً في توقفها، لماذا لم تتلق أي دعم لمثل هذا المشروع الثقافي المهم ؟ ما الأسباب التي تدعو رجال الأعمال مثلاً لعدم دعم الأنشطة الثقافية بشكل عام ؟
في فترة الثمانينات، وهي فترة ازدهر فيها ما يسمى بالكتاب التقدمي، وجدت أن فكرة تسويق الكتاب اللبناني في سورية أمر مهم، فقمت بالإتصال بدور النشر التي كنا نطلق عليها صفة التقدمية، وعرضت عليهم أن أكون الموزع الحصري لهم في سورية، فوافق معظمهم، وهنا بدأت بالتفكير في أحسن وسيلة لنشر، وتوزيع تلك الكتب بين القراء في سورية، ووجدت أن أفضل طريقة ، هي إصدار مجلة تعنى بالإصدارات الجديدة، وأنه يجب أن يترافق ذلك بدراسات للكتب، تدل القارئ على أهم الكتب الصادرة في حينه، وتوجهه إلى الكتب الهامة، وتقدم له فكرة عنها، من هنا جاءت فكرة إصدار مجلة تهتم بالكتب الصادرة حديثاً، والتعريف بها، وكان مشروع ” كتب عربية “.
في تلك الفترة قدمت ” كتب عربية ” كثيراً من الدراسات النقدية ،والببلوغارفيا عن الكتب الصادرة حديثاً، وكانت مرجعاً للقارئ السوري ومن بعدها العربي، لتلك الكتب التي ما كان ليعرف عنها ، لولا أننا قدمناها له، وشرحنا مضمونها، وأصبح من السهل عليه إختيار ما يلائم ذوقه ، وثقافته ، وسهلت عليه الإختيار .
اتبعنا في كتب عربية طريقة جديدة ، وهي الإشتراكات السنوية في المجلة ، بحيث تصل المجلة إلى القارئ المشترك فور صدورها لتكون دليله للكتاب المناسب ، وتروي تطلعاته، وما يحبه من منشورات .
في تلك الفترة كان الإشتراك 25 ليرة سورية ، ولم نكن نقصد الربح منها ، بل كانت رغبتنا أن نوصلها إلى أكبر عدد ممكن من القراء ، ليستطيعوا إختيار ما يلائم تفكيرهم ، وتوجهاتهم ، وأمزجتهم .
حققت كتب عربية نجاحاً كبيراً ، ولكن كأي مشروع ثقافي لا يراد منه تحقيق الكسب المادي ،اضطررت إلى توقيفها بعد أن خسرت كمشروع تجاري ، ولكنها نجحت كمشروع ثقافي ، ولأنني كنت أراهن على إيجاد تمويل لها من دور النشر التي اعتقدت حينها أنها ستهتم بهكذا مشروع ، لأنه يحقق لها إزدياداً في مبيع الكتاب، ولكنها بدورها لم تستوعب الفكرة ، ولأكتشف متأخراً أن الناشرين ليسوا أكثر من دكاكين صغيرة ، ويتعاملون بعقلية صاحب الدكان ، وهكذا فشل المشروع .
_ أسست دار للنشر، ووضعت لها شخصية (إصدار الكتاب التقدمي) ، ثم أغلقت ،وخسرت مبالغ ضخمة، وكل هذا بسبب عشرة نسخ أضافية من مذكرات محمود رياض، هل تعتقد فعلاً أن السبب هو عشرة نسخ إضافية وزعتها على أصدقائك ،أم هناك سبب آخر يتعداه ؟
العشر نسخ التي تحدثت عنها سببت إنتهاء عملي في النشر، وفي توزيع الكتاب، فمذكرات محمود رياض كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فالكتاب كان ممنوعا في سورية ،وأدخلت عدداً من النسخ تهريباً إلى سورية ، بناء على طلب بعض المهتمين .. فقد كان الأمن السياسي يتابع عملي ، ويراقبني ويراقب عملي.. واستطاع أن يعرف أنني أدخلت تلك النسخ ، فطلبني للتحقيق ، وبعد تحقيق طويل طلب مني العودة في اليوم التالي,, واليوم التالي استمر شهراً، ونيف ،كنت أذهب إلى الأمن السياسي في ركن الدين صباحاً ، لأخرج منه ظهراً دون أن يحقق معي أحد، كان نوعاً من السجن غير المعلن لي.. هذا الأمر سبب لي قلقاً ، وكان قلقي في مكانه، فقد أرسل الأمن رجاله ليشمعوا مكتبي في شارع الحمراء بالشمع الأحمر .. وخوفاً من بطشهم قررت ترك دمشق ، وسورية ، وسافرت إلى قبرص .
_ بعد خسارتك في دار النشر سافرت لقبرص لتعيش ثلاث سنوات ثم عدت لتبدأ بدار نشر جديدة ،وأصدرت مجلة ” ألف “، التي تحولت فيما بعد لموقع إلكتروني، ما الذي جعلك تعود بعد ما تعرضت له من ملاحقات ، ومضايقات من قبل الأمن السياسي ؟
في قبرص نقلت هوسي بالكتاب معي إلى هناك حيث أسست مكتبة عربية ، وجاليري للفن السوري وصالة تسلية للزائرين .. معتمداً على معرفة شبه مؤكدة أن منظمة التحرير الفلسطينية ، وعرفات سينقلون نشاطهم إلى قبرص ، وهذا يعني حركة في نيقوسيا تحتاج إلى مكتبة عربية ،وصالة عرض فنون تشكيلية (جاليري) ، ولكن تقديراتي كانت خاطئة ، فياسر عرفات توجه مع منظمة التحرير إلى تونس ، وعدد العرب المقيمين في نيقوسا لم يكن كبيراً .. وبعد إقامة عدة معارض للفن السوري ، وتأسيس مكتبة عربية حديثة ، لم ينجح المشروع ، ولم يكن أمامي سوى العودة للوطن .
_ رغم حرصك على عدم تكرار نفسك في القصة ، إلا أنك كررت تجاربك في الصحافة ، والنشر، وفشلت جميعها ،لماذا تابعت، وأنت تعلم طبيعة هذا النظام ؟
هو نوع من الإدمان، لا أستطيع أن أكون موظفاً لدى الدولة ، ولا أستطيع أن أكون عنصر أمن، وعلي أن أكسب رزقي ، وكانت فكرة توزيع الكتاب اللبناني فكرة جيدة، ففي أول معرض للكتاب العربي في مطلع الثمانينات كان لدور النشر التي كنت أمثلها حينها ، نصف أجنحة المعرض ، وكان معرضاً ناجحاً بكل المقاييس ، ولكنهم لم يتركوني وشأني .. وكان ما كان .
_ هل مارس سحبان السواح الرقيب الذاتي في كتاباته، ولماذا حجب النظام موقع ألف ؟
بتركيبتي الثقافية أنا ضد الرقابة ،ومع الفكر الحر، وعشت حياتي منذ بداياتي حر التفكير، والعقيدة ، وبالتالي كان من المستحيل أن أضع رقيباً في عقلي أستمع إلى توجيهاته، وهنا أود أن أذكر قصة أحبها، فحين كنت في الصف الحادي عشر ثانوي، وفي ثانوية الزهراوي، أصدرت مع مجموعة مختارة من أصدقائي مجلة صدر منها عدد واحد فقط، نشرت فيها قصصاً وشعراً لطلاب الثانوية حينها، ولبعض الأساتذة، وكتبت حينها قصيدة عنوانها( أماه لقد مات آذار) وكنت أقصد موت شهر آذار الذي يحتفل فيه البعثيون بنجاح ثورتهم ، مما أثار حفيظة رجال الأمن ، ودخلوا إلى صفوف المرحلة الثانوية ، وأخذوا يفتشون حقائب ، ودروج الطلاب بحثاً عن المجلة، وصادروا كل ما وجدوه ، وعاقبوا حينها صاحب المطبعة التي طبعت فيها المجلة .
بالنسبة لمجلة ألف ، ومن ثم الموقع الإلكتروني ألف، نشرت كل ما يمكن أن يكون أدب معارضة إلى جانب كون ذلك الأدب ينتمي للحداثة ، في ألف الموقع نشرت كل المقالات التي كانت تتحدث عن النظام ، وعن ممارسات النظام ، لم أخف ، ولم أترك شيئاً ، والموقع موجود لمن يرغب بالإطلاع عليه ، وطبعاً كل ذلك كان سبباً لتركي سورية ، فقد كتبت بالقلم العريض ضد النظام ، وممارساته .
_ في مقالة لسحبان السواح بصحيفة مستقبلنا بأيدينا في عام 2013 ، قلت أن بشار الأسد لن يرحل عن سورية قبل تدميرها، فمهمته هي تدمير سورية، ثم الرحيل فيما بعد، ألم تنته مهمته ؟
هذا كان في ال 2013 أما اليوم فأقول هذا النظام صنيعة اسرائيل ،والصهيوينة العالمية ، وهذا يعني أنهم لن يسمحوا بسقوطه قبل أن يضمنوا نظاما مثله ، لا يحرك ساكنا ضدهم ، وأنا متأكد من أنهم يدربون اليوم بديلاً ، سيكون جاهزاً بعد إنتهاء الأحداث. لم أعد أسميها ثورة ، لأن ما تبقى من الثوار الحقيقيين نادرالوجود ،ومن يعمل على الأرض له أجنداته الخاصة ،وليس من بينها بناء دولة ديمقراطية في سورية .
_ هل تعتقد أنه بعد كل ما حصل، نحن قادرون على العودة للحياة الطبيعية ؟ وهل تعتقد أن التغيير، حتى ولوكان جزئياً ، حتى لو لم نسقط النظام كاملاً بالضربة القاضية ، وتشاركنا مع جزء منه ، كما هو أقصى آمالنا ضمن الواقع المتاح حالياً، هل يمكن أن يحقق أساساً لبناء سورية الجديدة ؟
لن تسمح الصهيونية العالمية لنا بذلك ، وأعتقد أننا مرهونون للسياسات العالمية، وغير مسموح لنا كدول نامية ، أن نمتلك حرية إتخاذ القرار إطلاقاً، وذلك من قبل الصهيونية العالمية التي تسيطر على القرار الدولي، وعلى قرارات الأمم المتحدة ، أن نكون سادة أنفسنا ، لأننا لو قدرنا على ذلك فلن تبقى إسرائيل دولة في المنطقة ، ولطالبنا برحيلها وهذا غير مسموح به إطلاقاً .
_ بعد إنطلاق الثورة السورية ، أنشأت العديد من الفضائيات ، والصحف، والمواقع الإلكترونية ، بالإضافة لصفحات الفيسبوك ، وباقي وسائل التواصل الإجتماعي ، يرى البعض في هذا شيء حسن ، لكن البعض الآخر يرى أنها لم تستطع أن تقدم الوجه الحقيقي للثورة السورية ، وساهمت ببعثرة جهود الثوار والتشويش على أفكارهم، في أي الاتجاهين يقف سحبان السواح ؟
أعتقد أن وجهة النظر الثانية هي الأصح ، فكما قلت منذ قليل نحن غير مسموح لنا بدولة ديمقراطية، إلا إذا اعترفنا بحق العيش لدولة إسرائيل ، ولحكامها الصهاينة، وأقمنا سلاماً دائماً معها ، واعترفنا بوجودها كدولة مستقلة لا علاقة لها بفلسطين ، وبالتالي فستختصر فلسطين بالدولة المسخ التي منحوها للمقاومة ، وسيعيش الجميع بسلام ، ولكنه سلام الأقوياء .
_ لم تنتسب لأي حزب خلال مشوارك الطويل، لماذا بقيت أسير الفكر النظري، ولم تتعداه لتعمل بالسياسة ، والأحزاب مباشرة محاولاً تطبيق ما تحمل من أفكار عبرالعمل السياسي الحزبي المباشر،وهل ترى أنه لا ضرورة للعمل الحزبي ، أم أنك تريد التفريق بين ممارسة الفكر، والأدب ، وبين العمل السياسي البحث ؟
ليس من حزب يتقبل أفكاري، كما أنني بطبيعتي لا أقدر على قبول الأفكار المقدمة لي من الخارج ، ولي وجهة نظري التي تخالف وجهات نظر كل الأحزاب .. أنا ضد العبودية ، والتحزب ، وعبودية فكرة واحدة ممنوع عليك تجاوزها .
_ ماذا تحتاج الثورة السورية لكي تنتصر برأيك ؟
لن تنصر الثورة السورية ، ولن ينتصر الشعب السوري ، من سينتصر هو من سيوقع على إتفاقات سرية مع الصهيونية العالمية ، ومع الدول الكبرى على عدم التعرض لدولة إسرائيل ، وهذا بالتأكيد لن يكون إنتصاراً ، وستكون تكون الدماء والأرواح التي هدرت ، قد هدرت مجاناً ، ودون أي جدوى.

Social Links: