الواقع السياسي والعسكري في مناطق الإدارة الذاتية خلال شهر أب 2016 (1/3)

الواقع السياسي والعسكري في مناطق الإدارة الذاتية خلال شهر أب 2016 (1/3)

تقرير رصد خاص : مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

شهد شهر آب/أغسطس 2016 تطوراتٍ أمنية وعسكرية حاصرت خيارات “الإدارة الذاتية”، وتتمثل في مواجهات الحسكة التي استعمل فيها النظام الطائرات الحربية والمدفعية الثقيلة لأول مرة مهدداً بشل الحياة الإدارية في المحافظة، كما أحدثت عملية “درع الفرات واقعاً عسكرياً ساهم في تعقيد تنفيذ مشروع “الإدارة الذاتية” المتعلق بوصل “الكانتونات الثلاث”. أما على المستوى السياسي فلعل الحدث الأبرز هو الدفع الأمريكي لأطراف المعارضة السورية لتتعامل وتعترف بالإدارة الذاتية في سبيل تسهيل دخولها للعملية السياسية .

الحركية السياسية “للإدارة الذاتية”

يتحكم في الحركية السياسية “للإدارة الذاتية” عاملان أساسيان، هما : 1) سير الأحداث العسكرية، 2) سير عملية التفاوض . وبينما حصلت الإدارة الذاتية على شبه اعتراف عسكري بها من خلال العلاقة الحاكمة بين قوات YPG والتحالف الدولي، إلا أنها -سياسياً-لا تزال محكومةً وفق بوصلة طرفٍ واحد. ولم تحصل على أي شكل يضمن لها الشرعية السياسية، وهذا ما بدى واضحاً في مواجهات الحسكة، حيث اتضح أنه على الرغم من ضعف النظام عسكرياً في المدينة لم يقدم على أية خطوة نحو الاعتراف “بالإدارة الذاتية” بل هدد بسحب كافة إداراته من المحافظة، وقام بقطع شبكة المصرف المركزي عن المحافظة .

أما على الصعيد الدولي فيُلحظ توجه الإدارة الأمريكية نحو دفع مؤسسات المعارضة الرسمية للتعامل مع “الإدارة الذاتية”، وقد تجلى هذا في حديث المبعوث الأميركي إلى سورية، مايكل راتني في لقائه مع الائتلاف، حيث نفى وجود علاقة لبلاده مع PYD بينما أكد وجود علاقة عسكريّة مع وحدات الحماية الشعبية-YPG وحصرها بشراكة “عسكريّة لقتال داعش”. أما بخصوص تفضيل بلاده للعلاقة مع وحدات الحماية الشعبية فقد صرح ” كنّا نرغب أن يكون لنا شركاء من الجيش الحر، لكن الجيش الحر يريد قتال الأسد بالتزامن مع قتال داعش، والمشكلة أنّ قتال الأسد عسكرياً ليس ضمن خطّتنا حالياً”، مضيفاً : “نحن نريد شريكاً قويّاً على الأرض، والـ YPG شريك قوي”. كما نصح راتني الائتلاف بالتحدث مع PYD، وحسب تقييمه فإن الأخير مكوّن سوري ولن يختفي من الساحة السّوريّة، وشدد على انعدام أية علاقة سياسية بين بلاده و”الإدارة الذاتية” قائلاً” نحن لا نعترف بمصطلح “روج آفا” ولا ندعمه سياسيّا”. وفي تناغم مع هذه النصائح صرح رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم أنه «ليس قلقاً» من تقارب موسكو وأنقرة إذ أن “الجميع سيتعاملون مع الوقائع على الأرض، وهناك تعاون عسكري بين الأميركيين وقوات قسد” الكردية -العربية. وتوقّع قيام واشنطن بـ “تطبيع سياسي”، مستشهداً بحديث راتني مع الائتلاف قائلاً: ننصح الائتلاف بالتواصل مع الاتحاد الديمقراطي ومع صالح مسلم شخصياً .

في المجال السياسي أيضاً، أعلن مستشار رئاسة حزب الاتحاد الديمقراطي سيهانوك ديبوا عن عزم “افتتاح الإدارة الذاتية” مكتب ممثلية له في العاصمة الأمريكية واشنطن في الفترة القريبة، بالإضافة لعواصم أوربية أخرى . كما قام وفدٌ من “الإدارة الذاتية” بزيارة دولة جنوب إفريقيا برئاسة صالح مسلم والقيادية في وحدات حماية المرأة “شاها عبدو” والرئيس المشترك للمؤتمر الوطني الكردستاني ريبوار رشيد وعضو لجنة العلاقات الخارجية في المؤتمر يلماز أوركان. وقد عقد الوفد خلال الزيارة لقاءات مع مساعد وزير خارجية جنوب إفريقيا، ووزير البيئة ومسؤول العلاقات الخارجية، والمستشار الأول لرئيس جنوب إفريقيا ووزير الدولة، طالبوا خلالها جنوب إفريقيا بالاعتراف بالإدارة الذاتية .

من جهة أخرى ومع استمرار التوتر بين المجلس الوطني الكُردي وPYD، فند الأخير اتهامات المجلس له بالقيام بأعمال ترهيبية ضد السكان المدنيين وقيامه بوضع قنبلة أمام مكتب “الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا” في بلدة كركي لكي/ معبدة بمحافظة الحسكة، وقام بترهيب السكان في ناحية راجو بعفرين في محافظة حلب شمالي البلاد. واتهم بالمقابل الاتحاد الديمقراطي المجلس الوطني الكردي بمحاولة إشعال الفتنة بين المكونات المختلفة، كما طالب “الإدارة الذاتية” بمحاكمة المجلس الكردي .

تجاوزات “الإدارة الذاتية”

يعتبر شهر آب/أغسطس أعلى الأشهر من حيث عدد ونوعية الانتهاكات والاعتقالات من قبل “الإدارة الذاتية” ومناصريها بحق المجلس الوطني الكُردي والمواطنين المعارضين لها، حتى أنها دفعت بالشارع الكُردي لحالة شديدة من الاحتقان. وكانت البداية في 31/07/2016، مع قيام “مجهولين” بتفجير قنبلة في مكتب الحزب الديمقراطي الكُردستاني – سوريا في بلدة كركي لكي/ معبدة بمحافظة الحسكة ، لتتبعها مدينة عفرين التي أدانت منظمة الحزب الديمقراطي الكُردستاني فيها قيام قوات الأسايش في المدينة وريفها بحملة اعتقالات واسعة لسحب الشباب للتجنيد الإجباري ، لترتفع حدة التوتر لاحقاً وبتاريخ 11/8/2016 مع قيام أنصار حزب الاتحاد الديمقراطي PYD باقتحام مكاتب كل من حزبي PDK-S ويكيتي، وإقدامهم على إنزال العلم الكُردي وإهانته بكتابة عبارات تخوينيه للمجلس ورئاسة إقليم كُردستان عليه . استمرت الأسايش بحملات الاعتقال حتى شملت رئيس المجلس الوطني الكُردي إبراهيم برو في 13/8/2016 ، لتقوم بنفي رئيس المجلس لاحقاً إلى إقليم كُردستان العراق مع توجيه التهديد له في حالة العودة لمناطق “الإدارة الذاتية” 2016/08/14 ، الأمر الذي أدانه رئيس إقليم كُردستان العراق . وعلى إثر هذه الاعتقالات دعت منظمات حقوقية ““الإدارة الذاتية”” للإفراج عن المعتقلين وعلى رأسهم الأستاذ إبراهيم منها: الشبكة السورية لحقوق الإنسان، المرصد السوري لحقوق الإنسان، مركز العدالة السوري لحقوق الإنسان، فيما دعا المجلس الوطني الكُردي أنصاره للتظاهر ضد القمع الذي تمارسه “الإدارة الذاتية” .

لم تهتم “الإدارة الذاتية” بالاعتراضات والدعوات والإدانات الموجهة لها للتوقف عن الاعتقالات والاقتحامات التي تعتبر العامل الرئيسي في هجرة السكان واحتقان السكان المقيمين في المنطقة وفق بيان من KDP_S ، وهذا ما يظهر من قيام أنصار PYD باقتحام مكتب حزب يكيتي مجدداً في الحي الشرقي لمدينة القامشلي وإهانة العلم الكُردي مرةً أخرى في 13/08/2016 ، أتبعتها الأسايش باعتقال خمسة قياديين من حزب KDP-S وهم: سكرتير المكتب السياسي للحزب، محمد اسماعيل، وعضو المكتب السياسي للحزب، نشأت ظاظا، وأعضاء اللجنة المركزية الثلاثة نافع عبد الله، عبد الكريم حاجي، صالح جميل في 15/8/2016 ، وفي ذات اليوم طال الاعتقال نائب سكرتير حزب يكيتي الكُردي حسن صالح، عضو اللجنة المركزية في ذات الحزب، عبد الله كدو .

وفي مدينة تربه سبي/القحطانية طال الاعتقال عضوي المجلس المنطقي للديمقراطي الكُردستاني عبد الرحيم علي محمود ومحسن خلف، بالإضافة لصلاح بيرو عضو الهيئة الاستشارية للحزب نفسه ، بينما تعرض أنصار حزب PYD لجنازة عنصر من قوات “بيشمركة روج آفا” والذي فقد حياته في إقليم كُردستان العراق، بصورة استفزازية وقامت بخطف الجنازة لساعات عدة وتم تحويل سير المشيعين لعدة مرات على مداخل المدن التي مر بها المشيعون. في مواجهة هذه الحملة الشرسة من قبل “الإدارة الذاتية” والتنظيمات المنضوية ضمنها، دعا المجلس الكُردي جماهيره لالتزام الهدوء والاستمرار في الاعتصامات والتظاهرات في كافة المناطق الكُردية ، وأعلنت الأمانة العامة للمجلس عن إصرارها على عودة رئيس المجلس الكُردي في أقرب وقت .

أما “الإدارة الذاتية” فقد بررت الاعتقالات العشوائية على لسان القيادي في حركة المجتمع الديمقراطي (تف دم) عبد السلام أحمد قائلاً بأن التوقيف طال أناساً خالفوا “قوانين “الإدارة الذاتية” الديمقراطية” “وهذا لا يعتبر اعتقالاً، حيث لم يتم توقيفهم بناءً على إبداء رأي مخالف، بل هم مخالفون للقوانين وعلى رأسها عدم حصول المجلس الكُردي على “الترخيص القانوني الناظم لعمل الأحزاب السياسية” . جاء التبرير ذاته من سكرتير الحزب الديمقراطي الكُردي في السوري “جمال شيخ باقي” معللاً الاعتقالات بأنها أمنية وليس لها علاقة بالسياسة، فالأسايش تنفذ مهامها فقط ولا يهمها الخلفية السياسية لأي إجراء تتخذه وبحسب تعبيره فإن الأسايش عندما تعتقل فإنها تؤدي مهمة أمنية وفي نظر الأسايش كان هناك مسألة تتعلق بالشغب في الشارع على حد قوله .

وفي ذات السياق وفي محاولة للتغطية على حجم الانتهاكات الحاصلة بحق المعارضين للإدارة الذاتية قامت الأسايش بتوقيف عدد من أنصار حزب الاتحاد الديمقراطيPYD ومؤيديه ، ونشرت بياناً بالحادثة ورد فيه “تم توقيف بعض من أنصار حزب الاتحاد وبعض أفراد عوائل الشهداء، أثناء استغلالهم مراسيم تشييع أحد عناصر البيشمركة، ومحاولة التهجم على المشيعين لتتدخل قواتنا في الوقت المناسب وتسيطر على الموقف”، بينما دعا رئيس قوات الأسايش جوان إبراهيم لتفهم قيام عناصره بعمليات التوقيف، مشيراً إلى عدم صوابية جعل الشعب ضحية الخلافات الحزبية بين السيّد مسعود البارزاني والـ (PYD) أو الـ (PYD) والـ (ENKS) حسب قوله .

التفجيرات المستهدفة لمناطق “الإدارة الذاتية”

تشهد المدن الواقعة تحت سيطرة “الإدارة الذاتية” بين الحين والآخر اختراقات أمنية من طرف “تنظيم الدولة” الذي يشن هجماتٍ لا تُميز بين أهداف أمنية أو مدنية مما يوضح هدف التنظيم في نشر الرعب والفوضى في المنطقة كلها. وكان آخر هذه العمليات تفجير انتحاري استهدف حاجزاً للأسايش في الحي الغربي من مدينة قامشلو/القامشلي يوم الأربعاء 27/7/2016، وقد نجم عن التفجير دمار هائل في الأبنية ووصل عدد الضحايا إلى 54 بينهم 9 مفقودين لم يعثر لهم على أثر .

تُعاني مدينة القامشلي من نقص حاد في الدواء نتيجة قلة الشحن إليها من باقي المحافظات ، وخصوصاً مع استمرار إغلاق الحدود السورية التركية منذ عدة سنوات وتأثر المعبر مع إقليم كردستان بالتجاذبات السياسية بين طرفي المعبر، لذا قامت حكومة إقليم كردستان العراق وبإيعازٍ من رئيس الإقليم مسعود البرزاني بتجهيز مستشفيات محافظة “دهوك” وإرسال حاجات مستشفيات القامشلي من الأدوية . واعترض المجلس الوطني الكُردي على استلام هيئات “الإدارة الذاتية” لشحنة الأدوية باعتبارها قادمة من طرفٍ داعم للمجلس ، في حين أعلنت رئيسة الهيئة الصحية المشتركة عبير حصاف استلام الهيئة فقط لطن واحد، داعية الإقليم للاستمرار في إرسال الأدوية حتى لا يحدث نقصٌ مشابه في المستقبل . ومع قدوم شحنة الأدوية استطاعت مستشفيات المدينة تخريج غالب الجرحى المستقرة حالتهم خلال 3 أيامٍ عقب التفجير .

  • Social Links:

Leave a Reply