أطفال الليل ..

أطفال الليل ..

تقرير/ سلام أبو شالة

14875069_1210713095675088_162634552_nإنه عبد الرحمن وأخيه محمد، تجدهما كل يوم بعد الثانية عشرة ليلاً في منطقة الفاتح في الشارع الممتد من فندق زاده حتى أكسراي، وتبدأ الحكاية غالباً بجمع المال من بيع المحارم الورقية وبعض القطع من البسكويت لتنتهي فيما بعد بالتسوّل مع الأسف .

يحلم محمد بأن يذهب إلى المدرسة بعد أن كان في الصف الرابع وغادرها إثر نزوحه وأهله عن سوريا قبل ثلاث سنوات، محمد الذي يقف طويلاً أمام المكتبات ناظراً إلى الأقلام والدفاتر متحسراً، كوقفته في الشارع البارد لساعات طوال، يتمنى أن يعود إلى مدرسته في منطقة إعزاز في الشمال السوري ولوّ لساعة واحدة، ويردف وهو ينظر إليّ بألم ” كنت شاطر كتير بالمدرسة لا تفكريني كنت كسلان” ويخفي دمعة حزينة في عينيه الصغيرتين .

 

14914846_1210712892341775_87533447_nأما وعد وهي الفتاة الذكية التي لا تتجاوز العاشرة بعمر الورد، فتتجول بعد الواحدة ليلاً في المنطقة المذكورة بعد أن تم تسجيلها في المدرسة لكنها تعمل بالتسول في الليل .. وتقول بأنها مجبرة على ذلك من قبل والدها الذي لا يعمل مطلقاً ومتزوج من امرأة أخرى أنجبت له حديثاً طفلة، فهم أسرة واحدة تتألف من أحد عشر فرداً يعيشون في بدروم من غرفة واحدة لا ترى الشمس في منطقة تقسيم بإيجار 700 ليرة تركية وعليها جمع المال من أجل ذلك .. إذ لا تستطيع العودة إلى منزلها قبل أن يكون بحوذتها مبلغ خمسون ليرة تركية يومياً عداً ونقداً .

وضع آية لا يختلف أبداً عن وضع بقية الأطفال ذكوراً أم إناثاً ، فالمعاناة ذاتها مع الحسرة على عدم الدراسة ، فآية أكبر سناً وأنضج وتعي جيداً بأنها بدون مدرسة لن تتعلم وستبقى دون مستقبل ، وتقول بأن زميلاتها لسن بأفضل منها وهي تحسدهن على المدرسة ، وتعوّل مأساتها على والدتها التي تعلق على الموضوع بأنها امرأة من الغوطة بدمشق ودون معيل ومسؤولة عن ثلاثة أطفال من بينهم آية إذ فقد زوجها في سوريا منذ بداية الثورة وحال المرض دون عملها ، وعلى آية أن تساعدها على العيش وسد الرمق ضمن الحد الأدنى ، فالحياة في استنبول غالية .

وتقول السيدة إيمان الرفاعي وهي ناشطة مدنية من حمص بأن هنالك مشكلة في ذوي هؤلاء الأطفال الذين يتم تسجيلهم في المدارس التركية المجانية أو في مدارس خاصة ذات أجر من قبل فاعلي الخير، كما وحصل من قبل متبرعة من باكستان وتم تسجيل ثلاثة أطفال من قبل، وتم تسجيل طفلتين أيضاً بعد إقناع والدتهم، لكن المشكلة التي تواجهنا بأن أكثرهم يغادرون فيما بعد مقاعد الدراسة ويعودون إلى التسول ليلاً بأمر من ذويهم، ولا أحد يستطيع إعادتهم إلى المدرسة ثانية .

وتروي إيمان قصة مؤلمة حدثت أمامها من طفلة تتسول ليلاً في الفاتح، حيث أعطاها أحد الشباب ليرة تركية واحدة ثمن علبة محارم للجيب وتركها لتبيعها ثانية، فلم تعجبها الليرة لتبدأ بالبكاء بصوت عالٍ، وخاطبها الشاب بأنه لا يملك غيرها مع 10 دولارات أظهرها لها، فأخذتها من يده وركضت بعيداً وسط ذهولنا، فأي مستقبل ينتظر هؤلاء الأطفال متى دخلوا مرحلة المراهقة الفعلية في الشوارع حيث التشرد والتيه في فصول الحياة الأشد قتامة .

هذا ما يحصل ليلاً في شوارع استنبول، وفي بيروت وفي القاهرة.. وحيث يوجد طفل سوري لاجئ. مأساة تراوح مكانها وسط غياب قانون يلزم الأهل المنهمكين بتأمين لقمة عيشهم مقابل دراسة أبناءهم وفي تغييب حق الطفولة الذي هو من أهم الحقوق لدى الأمم المتحضرة .

  • Social Links:

Leave a Reply