الحزب القومي السوري وطبيعة النزاع الدائر في سوريا (2/2) ..

الحزب القومي السوري وطبيعة النزاع الدائر في سوريا (2/2) ..

 Yonadam Yonadam 

بعد قيام الاتحاد السوفييتي من جهة، وما قابله من استلام القوى الفاشية والنازية للسلطة في كل من إيطاليا وألمانيا من جهة ثانية، ظهرت حركات فاشية مهمتها الوحيدة محاربة أي توجه ديمقراطي في دول المنطقة العربية ومصادرة حقوق شعوبها في التطور السلمي الحر كما جرى في سوريا والعراق اذ تحولت الدولة الى أداة قمع واستبداد لإنهاء الحياة الدستورية الديمقراطية في المجتمع. اصبحت الأيديولوجيا القومية في تلك الفترة (وما زالت)  الى جانب شقيقاتها من الأيديولوجيات الدينية ، سواء كانت سنية سلفية تعشعش تحت راية الخلافة السلفية السنية أم تحت راية ولاية الفقيه الشيعية فكلاهما يلاحقان هدفهما السياسي الوحيد المتعلق بالانفراد بالسلطة الدنيوية، وهذا الهدف (السامي) يجعل كل أصحاب العمامات يتشابهون سواء كانت العمامة تنتمي الى الخليفة (أبو بكر البغدادي) أو الى الفقيه الشيخ (حسن نصرالله) فهي تتشابه من حيث الجوهر ويضاف اليها في سياق هذا التشابه ربطة عنق العلماني المزيف من طراز المنتمين الى الحزب (القومي السوري) أو (الشبيح )المعاصر، فهؤلاء يتماثلون وان قاتلوا بعضهم البعض للاستئثار بالسلطة التي تشكل في المحصلة الأخيرة نعيم الدنيا والآخرة والغاية التي يتشاركون في الالتقاء عندها، فمهما تناحروا فيما بينهم أكانوا من أصحاب الأصول الدينية ام الأصول العلمانية (هتلر و أنطون سعادة يدعيان العلمانية أيضاً)  فهم متفقون جميعاً في كونهم أعداء شرسون لمبدأ الديمقراطية من الناحيتين الأيديولوجية والسياسية، وعدو الديمقراطية هو في نفس الوقت عدو للشعب ايضاً، وحين يخوض حرباً ضد الشعب فهو يفعل ذلك من أجل القضاء على الجانب الملازم له وهو الديمقراطية، فيجتمع الجناة وهم يتراقصون حول نعش الديمقراطية الذي يشبه في هذه الحالة “سرير” (بروكروست) كما جاء ذكره في الاسطورة اليونانية التي تدور أحداثها حول قاطع طريق وضع سريره الحديدي على الطريق المؤدي الى مدينة (أثينا) حيث كان يطالب كل شخص يسير في ذلك المكان بان يستلقي على سريره، ويقوم (بروكروست)  بعدها بشدّ جسمه لإطالة قامته او يقوم بقطع ساقيه لتقصيره حتى يصبح طول قامته بنفس طول السرير الذي تحول بفضل قاطع الطريق (بروكروست) الى مقياس نموذجي ووحيد لتوفير العدالة لجميع الناس وجعلهم يتساوون ويتطابقون ويتشابهون ، شاءوا ذلك ام أبوا، بفضل المعيار المثالي الذي يملكه (بروكروست) أو الأداة التي تتطلب في نهاية المطاف ارغام كل جوانب واوجه الحياة السياسية والاجتماعية ان تخضع لوجهة النظر الوحيدة الجانب للمستبد او الطاغية  وهذا هو المبدأ الذي يعبر عن جوهر الايديولوجية الاصولية الدينية والأيديولوجية العصبية القومية اذ ان كلاهما (الديني الأصولي والمتعصب القومي ) يسعيان سياسياً الى إقامة كيان يخضع فيه المجتمع المقهور عن طريق الاستبداد  والعنف الى حالة نمطية تريد ان تلغي قسراً كل ما يخالف او يختلف عن ثوابتهما العقائدية والأبدية، ان العصبية الدينية أو القومية تجاهد لإلغاء كل ما هو مغايرأو مختلف عنها لأنه يشكل خطراً وجوديا على هويتها الخاصة المعادية للديمقراطية وللتنوع في دولة المؤسسات الدستورية، فلا فرق بين الأصولي الديني أو القومي، وان اختلفا من حيث المقدمات العقائدية التي ينطلقان منها ولكنهما يتطابقان في الجوهر حين يتعلق الأمر بإلغاء الديمقراطية عن طريق العنف (الرشيد!) . ان مثل تلك الحركات السياسية التي تطلق شعارات ذات أهداف توسعية وتتستر بتوجهات شعبية، كالحركة الناصرية التي حظرت نشاط كل الأحزاب السياسية في مصر أولاً ثم في سورية لاحقاً بعد قيام الوحدة بين البلدين حيث استأثر الحزب الحاكم في مصر بالسلطة وفرض نمطه الخاص من سرير (بروكروست) لينهي به الحياة السياسية في سوريا ويخضعها لنفس الأجهزة القمعية طوال فترة الوحدة المصرية السورية (1961-1958 ) وشملت تلك الرعاية الأخوية العربية التي كانت تقودها مصر دولة (اليمن) الذي توقف بعدها عن كونه سعيداً ، ان الآثار البعيدة لفرض الهيمنة السياسية تحت شعارات (الأمة السورية) او (القومية العربية)  هو القضاء على مبدأ ديمقراطية الدولة والغائها من تاريخ وذاكرة المنطقة عن طريق العنف وتحويلها الى سجن يتسع لشعوبها المقهورة فتتسارع السلالات الحاكمة القومية ( التي لا تختلف عن تلك التي تحدث عنها ابن خلدون ) لانجاب سلسة نماذج معاصرة من الطغاة تستنسخ نفسها كحافظ الأسد وابنه ووريثه بشار، والعقيد (القذافي) ذلك البدوي النرجسي المريض الذي كان يزهو في كل مرّة يقوم فيها بنصب خيمته في ساحات المدن الأوروبية اعلاناً منه عن انتصار المواهب البدوية والقدرة الفذة لتلك المواهب على تشويه جمال الساحات المذكورة تعبيراً عن هيام الفارس العربي المبتذل بميراثه الحضاري. ويبقى الحزب القومي السوري الذي اسسه (أنطون سعادة) عام 1932  في أول قائمة تلك الحركات السياسية ذات التوجه الأيديولوجي القومي مقتفياً في الشكل والمضمون خطوات النازية الألمانية الصاعدة في أوروبا مستعيراً ومستلهماً الكثير من رموزها وحركاتها الصورية وإعادة انتاج تلك الصور والرموز والشعارات المتكررة البليدة التي تريد ان توحي بالصرامة النازية الفولاذية، في تشرين الثاني من ذلك العام وضع (سعادة) هيئة سرية من خمسة أفراد التزمت بقسم الولاء له وسماه ب(الحزب القومي السوري) وأرفق ايديولوجيته القومية بأشكال مختلفة من الغيبيات فكتب عن “الإرادة العامة للأمة السورية” الباحثة عن الحرية والواجب والنظام والقوة، كما بشر ” بالارتباط العضوي بين الأمة وحدودها الجغرافية وبالوحدة العضوية للمجتمع السوري نتيجة “التاريخ الطويل لكل الناس الذين استقروا في هذه الأرض … وانصهروا في شعب واحد، ولقد بدأت هذه العملية بشعوب العصر الحجري واستمرت مع الأكاديين والكنعانيين والكلدانيين والآشوريين والآراميين والعموريين والحيثيين” وشرح رؤيته بالتفصيل في كتابه (نشوء الأمم) فيتحدث عما سماه فكرة الإرادة الجماعية للأمة مستبعداً اللغة والعرق والدين كعناصر في تكوين القومية، مؤكداً ان “الأرض هي الأمة” ومستشهداً بكتابات غامضة في علم الاجتماع وكان يدعي معرفته بحقائق يجهلها الآخرون جعلته يقف موقفا متصلباً وعنيفاً اتجاه معارضيه كتب يقول في ( مبادئ الحزب القومي السوري ) ” ان الذين ينكرون بأن سورية للسوريين وأن السوريين أمة تامة بحد ذاتها، هم مذنبون بجريمة تجريد السوريين من حقهم في السيادة على وطنهم ويعلن الحزب …. ان هؤلاء هم مجرمون”   ولقد تبنى الحزب مبدأ العنف منذ تأسيسه ولهذا قام بتنظيم نفسه على أساس تشكيل شبه عسكري يخضع لنظام صارم والمفهوم الفاشي لدور القائد ( الزعيم)، لقد اصبح التنظيم صورة محلية عن تشكيلات النازية والفاشية التي انتشرت في المانيا وإيطاليا في ثلاثينيات القرن الماضي يبشر بفضيلة التضحية والانضباط العسكري والكفاح، وفي نهاية عام 1938 غادر (سعادة) لبنان ووصل الى أمريكا الجنوبية قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية وزار في طريقه (إيطاليا و المانيا) واتهمه الفرنسيون بالإدلاء بحديث من راديو برلين واستلام رشوات مالية ولكن هذه التهمة بقيت بلا دليل، ثم عاد من البرازيل الى بيروت في الثالث من آذار عام 1947 وبعد المزيد من البحث في التاريخ القديم اقتنع ان كل من (قبرص و العراق) يجب ان يشملهما الوطن الافتراضي او (سوريا الطبيعية) ونتيجة لذلك قام بتعديل المبدأ الخامس للحزب والتركيز على نظرته القومية الضيقة  فالمنظمات القومية المصممة على عسكرة  المجتمع تصرّ كثيراً على استخدام الرموز النمطية وتوظيف الإيحاء الملهم، ولكي يتم تثبيت الصورة أو الحركة الرمزية لا بد من تكرارها باستمرار واعادة صياغتها الشكلية بجهود متواصلة لتسهيل عملية ايهام الجماهير وتلقينها الدائم الذي من شأنه ان يقود الى النجاح وفقاً للمبدأ المعروف (التكرار يعلم  الحمار) فيتحول الرمز الى جوهر ويصبح هو محتوى ومضمون الحركة القومية، يصير الرمز هو النفَسْ الحقيقي الذي ينفخ رئتي الأمة. لقد وصف (ألبرت اينشتاين) الأيديولوجية القومية بأنها ” مرض الطفولة، انها داء الحصبة الذي يصيب الجنس البشري.”. من المناسب هنا الإشارة  الى البحث المنهجي الذي قام به المفكر الاجتماعي الايرلندي (بندكت اندرسون) حول موضوع القومية في كتابه ( المجتمعات المتخيلة) والذي حاول السيد (حسام طوقان) في اطروحته الجامعية عام 2010  تطبيق استنتاجات (أندرسون) المنهجية حول نشوء الأمم والقوميات، على عملية انبجاس سوريا الكبرى داخل مخيلة ( أنطون سعادة) ومدى ملاءمتها مع استنتاجات (اندرسون) ،  لست أدري كيف سيعيد القوميون السوريون توحيد جزيرة (قبرص) بالاعتماد على خيالهم المبهم ، لاسيما ان “سوريا الكبرى” لا يمكن ان تكتمل مقوماتها بدون جزيرة قبرص حسب مزاعم الزعيم الأبدي سعادة، فهي أي (سوريا الكبرى ) تعتبر احدى المكونات المقدسة والمركزية في العقيدة التي بشّر بها أنطون سعادة، وربما يمكن الملائمة بينها وبين (سوريا المفيدة) التي يبشر بها اليوم بشار الأسد،  لقد استعار أنطون سعادة لقب “الزعيم” تيمناً بلقب (الزعيم) الذي كان يطلق على(هتلر)  بعد ان تأثر ببريق الحزب النازي في الثلاثينيات من القرن الماضي فأخذ عنها تحيتها العسكرية، ثم حول وبخجل صبياني الصليب المعقوف الى زوبعة صارت بمثابة وسام الأمة السورية الموهومة الذي يشاهد اليوم معلقاً على صدور “اسود الزوبعة” أو الشبيحة العلمانيون الذين يقتلون الشعب السوري بمساعدة شبيحة (حزب الله) الذين لا يقلون (علمانية!) عنهم. لقد كانت النازية والفاشية من قبلهم حركات تدّعي لنفسها العلمانية ايضاً، واليوم يبدو ان هناك ولع لاهوتي من قبل اتباع الحزب القومي السوري لإطلاق تسمية “العقيدة” بدلاً من “الأيديولوجيا” على الحركة التي يدورون في فلكها لأن كلمة “العقيدة” تشير الى كون الأفكار الواردة فيها تنبع من تعبير محلّي (سوريا الكبرى) التي أخذت تصغر وتقل مساحتها على يدي (بشار)، العقيدة اذن وعلى خلاف كلمة الأيديولوجية تتوهج منبثقة من صلب الهلال الخصيب الحاضن للأمة السورية التي تقبع باسترخاء في مخيلة أنطون سعادة المولع برمزية تعيد تكرار نفس الصور والصيغ والأشكال المحنطة.  ان عقيدة أنطون سعادة هي باختصار لاهوت ديني يريد ان يوحي بالعلمانية، والنازية كانت تفصل فكرة وجود الزعيم عن مجتمعه وزمنه وتمزج عبقرية الزعيم بالوعد الإلهي وتظهره على شكل  نبي هبط على أمة ضائعة، وبحسب (هتلر) فان الزعيم لا يظهر نتيجة التنشئة والتربية، بل من عبقرية الهية يصفها (هتلر) بأنها تنمو من ذاتها خلال العزلة، فالزعيم هو نتاج ذاته، انه هبة الهية، وهو يتعلم من نفسه. كتب (توماس مان) الأديب الألماني الحائز على جائزة (نوبل) لعام 1929 قصته القصيرة (ماريو والساحر) في نفس تلك السنة، محذراً فيها من النازية القادمة المصممة على القيام بدور المنوم المغناطيسي والقادر على ان ينوّم كل من في القاعة عن طريق إصداره إشارات مكررة واطلاقه جملا وعبارات تهويميه، وتعرض القصة للصراع بين الشعوذة اللاعقلانية والوعي الإنساني الذي يرفض الإذعان لسيطرة الساحر، غير انه في النهاية يتعب الفتى العقلاني من عناده الشخصي ومحولاته مقاومة الساحر فيسلَمْ للسحر الذي غيب الجماعة  .  لقد غزت المشاريع القومية المنطقة العربية عن طريق أحزاب أيديولوجية عنصرية هدفها استلام السلطة واحتكارها الى الأبد (اذا أمكن ذلك) على غرار النازية الألمانية والفاشية الايطالية لهذا يطلق شبيحة الحزب القومي السوري على المعارضة السورية تسمية (يهود الداخل) وهي تدل على تمسك الحزب القومي السوري (المبدئي) بالمواقف العنصرية للنازية وان صراع الأمة السورية (الموهومة) مع اليهود هو (صراع وجود) . ان الأيديولوجية القومية تفترض تقسيم المجتمع افقياً اي انشاء كيانات عرقية وقومية ، وفي سبيل تحقيق أهدافها تتحول الايديولوجية القومية الى اداة جاهزة في خدمة الجماعة السياسية الطامحة لقيادة تلك الدولة عن طريق استلام السلطة السياسية ، وهذا هو الهدف الحقيقي الذي تسعى اليه الأيديولوجيا القومية. في البلدان العربية المستقلة حديثاً بعد الحرب العالمية الثانية  جاءت المشاريع القومية لتغزو المنطقة عن طريق حركات سياسية تبنت ايديولوجيات  قومية هدفها وهمّها الوحيد هو السيطرة السياسية على الدولة واحتكارها الى الأبد وبالتالي حرمان مجتمعات تلك الدول الحديثة من تحقيق أهدافها في بناء الدولة الوطنية لصالح أهداف متخيلة لها صفة القداسة يرافق ذلك اتهام أي نقد موجه لهذه القدسية بالخيانة وهو تعبير وموقف شاع استخدامه من قبل كل السلطات الحاكمة في المنطقة العربية وغير العربية للانقضاض على كل معارضة محتملة للنخب والسلالات الحاكمة. هكذا استخدمت الحركة السياسية في ألمانيا وبالتحالف مع الفاشية الايطالية الايديولوجيا القومية واوهام التفوق العرقي من أجل استلام السلطة ومن ثم التخطيط العسكري لابتلاع اوروبا عن طريق الحرب نجم عنه أكبر دمار عالمي راح ضحيته 73 مليون من العسكريين والمدنيين من كلا الطرفين . ثم أن الروابط الطائفية تبدو في ظاهرها متماسكة ومقبولة من قبل افراد الجماعة التي تنتمي الى تلك الطائفة أكثر من روابط تمليها مؤسسات الدولة الوطنية المبهمة والمتغيرة، كما ان النماذج السياسية القائمة على التقسيمات الاثنية والطائفية ساهمت في ايجاد حل للعنف الطائفي رغم عدم الاستقرار في لبنان وبوسنيا والعراق بعد الحرب .

من المؤكد ان الدولة ككيان سياسي لها تركيب أكثر تعقيدا من الكيان الطائفي وقبل الاندفاع والوصول الى حل طائفي يقود الى اختزال الدولة لا بد من التدقيق في عملية تكوّن الدولة السورية والهويات الطائفية فيها والتي بدورها قد تزودنا بفهم أفضل للحرب التي استعرت فيها. كما يجب ان لا تحجب المقاربة الطائفية عن أنظارنا رغم ضعفها كأداة تحليلية كل تلك الجرائم البشرية والاعتداءات الجنسية وعمليات الاختطاف والتطهير العرقي واللغة التحريضية التي تمت ممارستها على اساس طائفي .

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply