Yonadam Yonadam
ان نشوب العنف المفاجئ ضمن دول متعددة الطوائف والاعراق والتي كان يخيم عليها السلم في السابق قد أصبح موضوعاً للبحث الأكاديمي، وبعض الاستفهامات التي تتبادر حول هذا الموضوع: من أين جاءت كل تلك الكيانات او الهويات الفرعية حتى صارت جزءاً من مكونات الدولة، ولماذا اندفعت فجأة نحو مواجهات عنيفة مع بعضها البعض؟ لنبحث اولاً عن مدى طائفية الحرب قبل ان ننظر الى هذا العنف في سياق التحليل التاريخي والنظري، حيث سيتبين لنا ان الهوية السياسية السورية بالغة التعقيد تحكمت في تكوينها ظروف متحولة ومتشابكة وان التقسيمات السياسية المبنية على أسس طائفية وعرقية ترجع الى اسباب معاصرة نتجت عن صعود وبروز قوى اجتماعية حديثة بعد تفكك وانهيار البنى القديمة التي كانت سائدة قبل الحرب العالمية الأولى وليس لأسباب ترجع الى العالم القديم والتاريخ القديم، والتي حاولت بعض تلك القوى الصاعدة حديثاً نفسها كالحزب القومي السوري وحزب البعث بكل أطرافه ببذل جهودهم الحثيثة لصياغة ايديولوجية قومية تستخدمها بعض تلك القوى السياسية المذكورة لفرض واقع سياسي، فاشي الممارسة والنهج، تستند فيه السلطة السياسية الى الأجهزة القمعية وتجعل من ارهاب وترويع الشعب السياسة اليومية الوحيدة للدولة التي تلجأ اليها السلطة في فرض علاقتها مع الشعب. ان تحريك هذه المكونات وتعبئتها مؤخراً هو نتاج مركب معقد من عوامل بنيوية واقتصادية واجتماعية وسياسية، واهمها طبعاً هي التحولات البنيوية وكيفية استجابة النخب السياسية والاجتماعية لتلك التحولات، والدور الذي يلعبه احتمال سقوط الدولة في تقوية وتشديد الفوضى الطائفية .
الطابع الطائفي للنزاع في سوريا ..
قبل ان نتابع لا بد من توضيح المصطلحين (الحرب الأهلية) و (الطائفية)، ومتى تحولت الانتفاضة في سوريا والتي بدأت كحركة سلمية في اذار من عام 2011 الى حرب أهلية؟ إذا اخذنا التعريف المقبول السائد في (العلوم السياسية) والذي يتحدد بوصول مستوى القتلى من الجهات المتحاربة الى ألف قتيل سنوياً، فان تحول الانتفاضة السلمية الى حرب أهلية في سوريا حصل بين آب 2011 وكانون الثاني 2012، رغم ان العنف كان مستمراً قبل ذلك التاريخ وكذلك ايضاً بقيت الاحتجاجات السلمية مستمرة بعد ذلك التاريخ بوقت طويل .
لقد ساهم الرد العنيف الذي مارسه النظام ضد الانتفاضة السلمية في آذار من عام 2011 في نشوب الحرب الأهلية التي اتسمت احقاً بطابع طائفي ولا بد هنا من توضيح تعبير او مصطلح (طائفي) وتعني وجود طوائف متعددة في الدولة التي قد تتعايش متآلفة مع بعضها البعض، او تكون متنافرة ومتعارضة الى درجة ممارسة التمييز والحقد والتوتر المبنية على الاختلافات والفروقات بين تلك الطوائف اي بالمعنى السلبي لتعبير (الطائفية). التشديد على وجود طوائف متعددة في الدولة لا يقود بشكل حتمي الى الطائفية بالمعنى السلبي او الصراع الطائفي. وفي الحالة السورية سيتم التركيز على كيفية تم تحويل الكيانات او الهويات الطائفية الى ادوات سياسية لتوظيفها وتحريكها لخدمة مصالح واهداف السياسة .
لقد برزت المعارضة السلمية في آذار من عام 2011 كحركة محلية وغير مركزية ولكن ذات أهداف وطنية. فالهتافات المعبرة عنها كانت تنادي ب (الشعب) و (سوريا الوطن) ولم تتطرق الى اية طائفة او جماعة قومية رغم ان أغلب هؤلاء المحتجين كانوا من العرب السنة، وكان الرد المقابل من قبل النظام هو التأكيد على مآثره القومية، ثم قام الطرفان بإطلاق الشعارات والرموز الشمولية بما فيها راية تميز كل طرف منهما .
ومع قدوم الجماعات المسلحة وحلولها تدريجياً محل المعارضة السلمية، بحيث أ خذت تطلق على نفسها اسماء تتصف بالشمول مثل (الجيش السوري الحر) في صيف عام 2011 وكذلك الأمر قام النظام بتشكيل مؤسسات عسكرية ذات صفة شمولية مثل (قوات الدفاع الوطني). رغم الشعارات والتعابير الوطنية فقد جذب النزاع أطراف لها اهداف قومية وطائفية، اذ تحرك الأكراد السوريون بعد عقود طويلة من التمييز وانضم الشباب الأكراد الى الاحتجاجات المعارضة العربية، غير ان اتساع دائرة العنف عزز الأطراف القومية المسلحة مثل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD). كما يتمسك (حزب الله) وميليشيات شيعية عراقية بإعلان اهدافهم الطائفية لتبرير مساندتهم من قبل اتباعهم داخل بلدانهم ضد الجماعات السنية المتطرفة مثل (جبهة النصرة). رغم هذا فقد تواجد داخل اوساط النظام وحتى داخل اوساط المعارضة المعتدلة تطلعات اثنية وطائفية رغم كونهم ينكرون ذلك بشكل علني، ففي مجرى السياسة السورية كان كل طرف يصف الآخر بالطائفي من أجل تشويه سمعته، فاتّهم النظام خصومه بأنهم من الاسلاميين السنّة الساعين الى اضطهاد الأقليات الطائفية والفئة العلمانية، بينما اتهمت المعارضة ان ميليشيات النظام من قطاع الطرق وجماعات الشبيحة كانت تتعمد في تأجيج الطائفية لكي يستطيع الأسد تقديم نفسه كحامٍ للتعددية .
لقد اظهر النزاع في سوريا مظاهر متعددة من الطائفية، رغم انه ليس من السهل الفصل بين الدوافع السياسية والدوافع الإثنية والطائفية التي تقف خلف الأعمال والجرائم المرتكبة، فقد وجهت أصابع الاتهام نحو النظام بأنه وراء ارتكاب الشبيحة لجريمة قتل ما بين 5 – 40 سنّياً منذ 27 نيسان عام 2011 في تلكلخ، ثم تتالت الجرائم في أغلب المدن والبلدات السورية وكان معظم الضحايا من ابناء الطائفة العلوية والمسيحية وألقت الجماعات المعارضة حينها بالمسؤولية على النظام وشبيحته في ارتكاب تلك الجرائم او اختلاقها لتبرير توجهات النظام باعتباره حاميها، وليس حراميها كما يشاع، او ان المسؤولية كانت تقع على الجهاديين الأصوليين .
كذلك جرى ارتكاب جرائم تتعلق بالعنف الجنسي على النساء بدافع الانتقام الطائفي مثلما حصل في محافظة حمص من قبل شبيحة النظام، بالإضافة الى عمليات الخطف من قبل كلا الطرفين، وكذلك اعمال نهب المنازل في نفس تلك المحافظة حيث كانت المواد المنهوبة من منازل الطائفة السنية تباع داخل أحياء الطائفة العلوية والتي كان يطلق عليها بوقاحة اسم” الأسواق السنية”. وفي (ادلب) جرى توزيع مقتنيات وممتلكات المنازل التي كانت تعود للطائفة العلوية بين العائلات السنية، كما تمت مهاجمة الكنائس والمساجد الشيعية .
ولم تنجو العديد من تلك المناطق من عمليات التطهير العرقي أكانت موجهة ضد ابناء الطائفة العلوية الهاربين من المناطق التي احتلها الثوار ام كانوا من ابناء الطائفة السنية ممن حاولوا الفرار خارج دائرة الموجهات مثلما حصل في حمص، وكذلك حين تدفق العلويون باتجاه (المزّة 82) المنطقة ذات الغالبية العلوية في دمشق. لقد تكررت واشتدت هذه الحوادث مع مرور الزمن، بل انه ومنذ بداية الانتفاضة خيّم شبح الطائفية، فخلال شهري أذار ونيسان من عام 2011 وفي مدينة بانياس كانت جموع المحتجين من المعارضة يصرخون بعبارة ” المسيحيون الى بيروت والعلويون الى المقابر”، وحرّف المحتجون في حمص شعار “واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد” الى شعار “دمْ السنّة واحد”، غير ان قادة من المعارضة المعتدلة أصرّوا على ان عملاء النظام هم من أطلق تلك الهتافات أو ادّعوا بحصولها. رغم كل هذا فلا أحد يستطيع الادعاء ان النظام هو الذي قام فجأة بافتعال بعض أشكال التوتر في عام 2011، لكن وجود الاستعداد المسبق لدى مؤيدي الأسد لتصديق الادعاءات التي تقول ان المعارضة تخفي أهدافاً طائفية هو دليل على ان الهتافات والشعارات التي كان يجري اطلاقها تستند في الأصل على المخاوف المترسخة بين الناس. ان اندفاع الاطراف المتنازعة للإعلان وبشكل صريح وواضح عن التزامهم بأهداف وطنية وغير طائفية يدل على عمق تلك المخاوف، رغم ان النظام والمعارضة كانا قد تقبلا في السابق وعند الحاجة مساعدات من لاعبين اقليميين ممن يتمسكون بأهداف طائفية، من الواضح هنا وجود كيانات طائفية تقودها أهداف سياسية حتى قبل نشوب النزاع الحالي، فالنظام والمعارضة كانا يدركان هذا الأمر تماماً وكانا على استعداد لاستخدام الهوية الطائفية وما يرتبط بها من مخاوف لتحقيق أغراضهم .
رغم ذلك، فلم تكن الطائفية هو الخط الوحيد الفاصل او المحرك الوحيد للأحداث. اذ ان بعض العلويين والمسيحيين والأكراد انضموا الى صفوف المعارضة مدفوعين بتأثير ايديولوجية سياسية في عام 2011 بالإضافة الى عامل آخر يتعلق بوجود كيانات فرعية في الدولة تتجاوز الطائفة. فهناك قبائل سنّية ساندت اما المعارضة او النظام مدفوعة بما ستحققه من مكاسب اقتصادية. فالقبائل التقليدية مثل العقيدات والحدادين وبني خالد الذين جرى تهميشهم من قبل الأسد وقفوا كلهم الى جانب المعارضة بينما ساندت قبيلة البكارة التي انتعشت وازدهرت اوضاعها خلال حكم الأسد وبقيت على ولائها لراعيها. كما لعبت الدوافع الاقتصادية دورا هاماً في مواقع اخرى ايضاً، فالمعارضة التي نهضت اساساً من داخل الأحياء الفقيرة والتي استقدمت الجموع الوافدة من الأرياف كانت أغلبها من السنّة ولم تحصل مثل تلك الاحتجاجات في المناطق السنية الأكثر ثراء. وكذلك فان قيام الثوار بعمليات نهب منازل الأثرياء في المناطق التي تم احتلالها، وبغض النظر عن الطائفة التي ينتمي لها أصحابها، يدل على سلوك مبني على الانتهازية الاقتصادية وليس على حماس يستمد زخمه من قناعات طائفية. اما من ناحية النظام فان العديد من البيروقراطيين السنّة والذين اعتمدوا على مدخولهم من المدفوعات الحكومية استمروا في ولائهم للنظام مثلما فعل الكثير من شرائح الطبقات الوسطى بما فيهم الفئات المحافظة من التجار السنّة في دمشق وحلب رغم ان بعضهم كان يقدم المساعدات السرّية لأطراف من المعارضة. مع ان مواقف هؤلاء من الموالاة او ممن يقفون على الحياد كان يرجع الى التهديد والتهويل الذي يمارسه النظام كما حدث عندما توعد بعض التجار بالقيام بالإضراب فلجأ النظام الى استخدام القوة لمنعهم من اغلاق محلاتهم التجارية. وبعد قيام الثوار بهاجمة مدينة حلب عام 2012 فانقسمت المدينة ذات الأغلبية السنّية استناداً الى خطوط اقتصادية وليس طائفية، فبقي القسم الغربي الثري في الجهة الموالية للنظام بينما وجد الثوار قاعدة لهم في القسم الشرقي من المدينة والفقير نسبياً .
ومما يدعو الى التشكيك في حكاية “الحرب الطائفية” هو اختلاف التجربة وعدم اتساقها بالنسبة للسوريين الذين عاشوا هذه التجربة بدرجات متفاوتة بحسب المنطقة الجغرافية، فالأجزاء الشمالية والشرقية من البلاد عاشت هذا النزاع لمدة 3 الى 4 سنوات بينما بقيت الأوضاع هادئة نسبياً في منطقة الساحل وجبل الدروز، اذ استطاع النظام، حين وضع هذا التقرير، التمسك بكلّ من محافظات طرطوس واللاذقية والسويداء والتي قدّمت كل واحدة منها أقل من 1000 حالة وفاة بين المدنيين منذ عام 2011 في الوقت الذي وصلت فيه اعداد الضحايا في كل من حلب وضواحي دمشق الى أكثر من 40,000، وبعيداً عن خطوط المواجهة، اجتذبت طرطوس واللاذقية لاجئين من كل الطوائف برغم الهيمنة السياسية للعلويين فيها، وعلى عكس ما حصل في مدينة حمص ذات التركيبة السكانية المختلطة ولكن الوقعة على خط المواجهة فقد عاشت اعمال عنف طائفية حادة. هناك عوامل تساعد على تفسير هذا التفاوت والاختلاف وأول هذه العوامل يتعلق بمستوى العنف والفوضى النجمة عنه ومدى انتشارها على الصعيد المحلي، فانهيار مواقع مؤسسات الدولة في حمص شدّد من حدة الصراع الطائفي فيها. أما العامل الآخر المؤثر فهو السياق التاريخي، حيث ان الطائفة العلوية التي هاجرت حديثاً الى مدينة حمص وعانت من استياء السكان السنّة، بينما في مدينة طرطوس تعايشت الطائفتان فترة تاريخية طويلة، وهناك عامل آخر متعلق بموقع حمص كمدينة مواجهة رئيسية مما جعلها مركز يجذب الأدوات الطائفية كالشبيحة والمتطرفين السنّة، لقد تكرر هذا المشهد عبر كل المناطق السورية، فأدت تجربة الحرب الى معاناة منطقة الساحل من آثار نقص المواد الغذائية وعمليات التجنيد الإجباري واعداد الوفيات من الأقارب في المناطق الداخلية. اما في مناطق حلب الشرقية فقد كانت معركة من أجل البقاء ضد البراميل المتفجرة التي استمر النظام في القائها.، في حين كانت المناطق الكردية تمرّ في حالة من احكم الذاتي، فهل يمكن الحديث حرب أهلية اختبرها المجتمع بنفس الطريقة في جميع المناطق السورية؟ الاحتمال الأكبر هو ان ضحايا العنف الطائفي هم أقرب الفئات التي ستنظر الى الصراع من خلال عدسة الطائفية مقارنة بالفئات الأخرى .
من الواضح ان الطائفية بالنسبة لبعض الأطراف المشاركة في الساحة هي مسألة هامة، وربما يعتبرها هؤلاء الدافع الرئيسي بالنسبة لهم. وإذا أخذنا بعين الاعتبار تجارب كل الفئات المنخرطة في توجيه الصراع والمشاركة فيه من حيث اتساعه في الزمان والمكان بالإضافة الى تواجد العوامل الأخرى المحركة والمحرضة للنزاع، سيكون تشخيص النزاع او وصفه على انه (حرب طائفية) غير دقيق ويصبح إطلاق تسمية (شبه طائفي) مناسبا وأكثر اتفاقاً مع الحالة الفعلية .
يتبع ..

Social Links: