كراكوز وعيواظ ( 4 ) أطفالاً نخرج للدنيا ..

كراكوز وعيواظ ( 4 ) أطفالاً نخرج للدنيا ..

رنــدة عـــوض

بعد حادثة المئة جلدة والألف مجيدية أغلقت القضية وسيق صديقانا(كراكوز وعيواظ) إلى سيارة العسكر مع زميل لهما من العنبر بقلوب تنفطر ألماً ودموعا ًوأمعاء خاوية تتقطع جوعاً ، لم يذوقوا طعم النوم ولم يعرفوا ليلهم من نهارهم أو كم لبثوا سنين أم أياماً. فأصابت كراكوز نوبات قلق وانتابه الأرق و بدأ يتخيل أشياء غريبة ليس لها صلة بالواقع .

عيواظ : لا تحزن ياصديقي سيتحسن الحال، مؤكد أنه مفعول أقبية التعذيب من صعق كهربائي ، ودواليب، وفلقة، وبساط الريح، وشبح، ومنفردة ، وتنقيط الماء ، كل هذه الهلوسات والخيالات ستزول بعد أن تنعم بقليل من النوم وراحة البال .

على بعد آلاف الأميال قذفتهما سيارة الدرك بعد أن فكت عن أقدامهم الأغلال والأقفال بجانب طريق مقطوع، لاشيء سوى سواد الليل يلفه نور القمر الباهت اتخذوه لحافاً والأرض سريراً وغرقوا بالنوم .

أدرك عيواظ الصباح أيقظ كراكوز وبدأ بالكلام المباح، إلا أن زميلهما الثالث استمر في نومه، حاولا إيقاظه دون فائدة، أدركه الموت أخذه لمكان ينشد به راحته، لم يعرفا عنه سوى رقمه كسجين، وإكرام الشهيد دفنه بثيابه، تملكتهما وحشة مقيتة وخيل لهما أن الكون كله دفن الشهيد معهما، انتحبا حزناً على فراقه. كان الجوع والعطش يعتصرهما لكن ألمهما على زميلهما أشعرهما بالشبع. الشبع من الذل والإهانة .

سارا مسافة طويلة حتى وصلا قرية شبه خاوية سكانها أطفال صغار، بدأت التهيؤات تغزو رأس كراكوز .

كراكوز : من هؤلاء الصغار .. ربما أرسلونا برحلة غوليفر المتجهة للشرق .. نجونا ثانية ياعيواظ نجونا .

عيواظ : أنها الهلوسات ياصديقي، هؤلاء الأطفال يبيعون الخضار ويعتلون الأحمال، ويعبؤون المياه يفعلون ما يعجز عنه الرجال .

على عربة خشبية جلست بائعة تفاح، فتاة صغيرة كالقمر ابتسمت لهما وناولتهما تفاحتين وما إن قضما التفاحتين حتى دبت الحياة بهما .

عيواظ : كيف تحول أطفال سوريا لشخصيات خيالية كما لو أنهم خرجوا من كتاب قصص غير مكتشفة، لو صادف الكاتب هانس أندرسن بائعة التفاح لكتب عنها بدل بائعة الكبريت ولاستبدل بودج ويلسون قصة الفتاة ذات الشعر الأحمر بقصة الفتاة ذات الرأس المقطوع، وقصة الحذاء الأحمر بقصة الطفل السوري بلا حذاء .

أغرورقت عينا كراكوز بالدموع وبدا شاحباً جداً ومتعباً جداً، شعر أنه مذنب وأراد أن يكون أباً لكل هؤلاء الأطفال، ضربت مخيلته أغنية الطفولة ” أطفالاً نخرج للدنيا وتمر الأيام فنكبر … وبدون حنان الأبوين لا ينمو طفل أو يكبر ”

ثم أردف قائلاً : لِمَ لا نذهب لتفقد الأشجار التي زرعناها أيام الدراسة في معسكر الصف العاشر مؤكد أنها أثمرت، دعنا نجني قطافها ونجلب الغلة للسوق لنساعد هؤلاء الأطفال .

ذهب الصديقان لجني قطاف الماضي، طوال الطريق كان كراكوز يقص على عيواظ ذكريات المدرسة والدروس والحكم التي مازالت بالبال : أتعلم يا عيواظ ما قاله نجيب محفوظ عن النباتات : “النباتات لا تملك العقل، لو غطيتها بصندوق فيه ثقب لخرجت من هذا الثقب متتبعة الضوء فما بالنا لا نتتبع النور ونحن نملك العقول ”

لكن أصدقاءنا لم يجدوا نباتات، فتشتوا ولم يعثروا على أخضر أو على يابس، كل ما وجدوه أشلاء بشرية مزروعة بالأرض، قدم هنا ورأس هناك، يد، جسد ، وخصلة شعر لطفلة كانت تعربش على الحائط كالبلابة .

في الوقت الذي تتطور فيه الدول وتعمل على زراعة الأعضاء البشرية لإنقاذ أكبر قدر من مواطنيها كنا نزرع الأعضاء مباشرة في قلب الوطن .

كراكوز : ماهذه الرؤوس البشرية التي تنمو بدل النباتات أهكذا يكون التطبيق العملي للتطور والتكنولوجيا، أم أنها هلوسات ورؤى ليس لها أساس بالوجود .

عيواظ : أتعلم ما قاله الكاتب التركي ناظم حكمت: ” لا يمكنك اقتلاع رأس إنسان كما يقتلع رأس اللفت”.

كراكوز : هل سيعود هذا الوطن للحياة؟ هل سينهض برأس طفلة وذراع ولد وقدمي امرأة وقلب رجل ورئتي عجوز، وطن معجون من كلِّ هؤلاء؟ يا عيواظ هل ستدب به الحياة ؟!

أدار عيواظ ظهره وهو يردد كلمات نزار قباني :

” كل جرح فيها حديقة ورد وربيع ولؤلؤ مكنون

يا دمشق البسي دموعي سواراً

وتمني فكل شيء يهون

كل ليمونة ستنجب طفلاً

ومحالا أن ينتهي الليمون ”

كراكوز : أعد ما قلت ياعيواظ فأنا لا أفهم الألغاز ..

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply