الصراع الطبقي في سياق أزمة امبريالية متعددة الأطراف (1/2) ..

الصراع الطبقي في سياق أزمة امبريالية متعددة الأطراف (1/2) ..

عبد السلام أديب
2016 / 12 / 20

 

سيرورة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية 2008 – 2014

في مقال سابق حول الأزمة العامة للنظام الامبريالي العالمي، حاولت أن أبرز حجم التناقض الذي بلغته السياسة الدولية في ظل التعددية القطبية وبروز قوى امبريالية جديدة أخذ تطلعها نحو مناطق نفوذ جديدة عبر اختلاق النزاعات والحروب يهدد بنشوب حرب امبريالية عالمية. ونظرا لاقتصار المقال المذكور على وصف مقتضب لتطور مكونات النظام الامبريالي العالمي مع الحاح بعض الرفاق بربط سيرورة الاقتصاد العالمي بالصراع الطبقي بمعنى التطرق الى وضع الحركة العمالية العالمية وصراعها الطبقي مع البرجوازية المهيمنة عالميا في افق تحررها، فقد ارأيت مراجعة الورقة السابقة مع اضافة بعض الأفكار الجديدة حول الصراع الطبقي في سياق امبريالية متعددة الأطراف والتي لا يمكنها ان تكون ناجحة من دون تبلور الأداة السياسية الطبقية المنظمة. وكل هذه الأشياء تتطلب تأصيلا نظريا ونقاشا جماعيا ماركسيا لينينيا معمقا.
إن سيرورة الانتقال الى الامبريالية متعدد الأطراف الحالية انطلقت مع سقوط جدار برلين سنة 1989 وانهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991، وما رافق ذلك من هجوم إيديولوجي برجوازي ركز على فكرة نهاية التاريخ ووحدة الطبقات بدلا من تناحرها وأوهام انفتاح آفاق تنموية دون صراع طبقي. وقد أخلى انهيار التوازن السياسي السابق الذي كان قائما على الثنائية القطبية بين الامبرياليتين الرأسمالية الغربية والاجتماعية الشرقية، المكان أمام التعددية القطبية حيث انفتح المجال أمام مختلف القوى الامبريالية لتوسيع نفوذها على حساب مناطق نفوذ المعسكر الاشتراكي السابق. كما انتقلت الحسابات السياسية السابقة التي كانت تتمركز من جهة في الحلف الأطلسي ووحدة القوى الامبريالية الغربية في مواجهة المعسكر الشرقي ومن جهة أخرى في مركزة القرار السياسي الدولي في مجموعة الكوميكون الى تشتت هذا التمركز واعتماد كل قوة امبريالية على استراتيجيتها الخاصة المستقلة عن باقي استراتيجيات الامبرياليات الأخرى في تحديد سياساتها وقراراتها.

من بين الانعكاسات الأولى لهذه التعددية القطبية انفجار الصراع داخل الدول التابعة للاستعمار الجديد بين القوى والفصائل التابعة بإيعاز من هذه القوة أو تلك، ولعل أبرز مثال ساطع عن هذا الوضع الجديد ما يحدث في الكونغو منذ عقد التسعينات والى اليوم، والذي طبع الوضع السياسي الداخلي للكونغو بعدم استقرار متواصل. ان كافة الفتن والنزاعات التي اندلعت في العالم منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين كانت وليدة سيرورة الانتقال الى التعددية القطبية وتعبير سياسي عن تناقض استراتيجيات القوى الامبريالية. وغالبا ما تقوم على قاعدة بسط النفود الاقتصادي والسياسي على المناطق المتنازع عليها خاصة تلك المناطق التي تزخر بالموارد الأولية أو تشكل ممرات اقتصادية استراتيجية لمد قنوات البترول مثلا كما هو الشأن بالنسبة للوضع الجغرافي لكل من أفغانستان وسوريا، والذي شكل موضوعا لتنافس الامبرياليات القديمة والجديدة من أجل الهيمنة عليها وتحويل الأنظمة السياسية القائمة بها الى أنظمة تابعة بعد تدمير كامل للمجتمعات القائمة بها.

تابع الجميع حدث انفجار الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأمريكية أولا في شهر شتنبر 2008 والتي انتقلت بسرعة الى جميع أنحاء العالم، وقد تمثلت أشكال هذه الأزمة خاصة في:

أ – أزمة أبناك عالمية : فمنذ انهيار بنك ليمان برادرز في 12 شتنبر 2008 بلغ عدد الأبناك التي تم الإعلان عن إفلاسها في فترة وجيزة حوالي 150 بنك ويمكن الرجوع الى هذه الاحصائيات الى موقع FIDIKK الأمريكية؛

ب – أزمة بورصات وأوراق مالية عالمية: انهارت أسعار الأسهم بنسب عالية تبخرت معها قيم الأوراق المالية التي تقدر بالملايير والتي أدت  الى خسارات لدى أشخاص ودول عانى منها حتى المغرب؛

ج – أزمة تمويل الأنشطة الاقتصادية العالمية: فانهيار الثقة بين الأبناك أدى الى صعوبة توفير قروض للتمويل الدولي للأنشطة الاستثمارية

د – بلغ حجم تدمير رؤوس الأموال على مستوى الأبناك ومؤسسات التأمين وشركات الاستثمار وتبخر الأوراق المالية حوالي 50 بليون دولار وذلك حتى نهاية دجنبر 2008 وهو مبلغ يزيد بألف مرة عن المبلغ الذي تم تدميره خلال أزمة 1929 والذي لم يتجاوز 500 مليار دولار.

ثم تولدت عن الأزمة المالية أزمة اقتصادية عميقة شملت مجموع دول العالم بشكل متزامن ويمكن الإشارة إلى أهم مظاهرها فيما يلي:

أ – تراجعت مبيعات السيارات بالولايات المتحدة وأوروبا واليابان بالثلث أي حوالي 33 %

ب – إفلاس جنرال موتورز ووقوف طويوطا عند حالة الإفلاس، فقد بلغ مجموع خسارة طويوطا 1,5 مليار أورو

ج – تراجع مبيعات الشاحنات في العالم ب 30 %

د – تراجع انتاج سيارات فولزفاكن في العالم ب 20 %

ه – تراجعت صناعات التعدين والصناعات الكميائية والمناجم في العالم بحوالي 50 %

و – تراجعت نسبة استهلاك البترول بكميات هائلة لم يشهدها العالم منذ 26 سنة

ز – بقيت حوالي 50 % من حاويات البواخر مخزنة لعدم استعمالها في نقل البضائع

ح – انهارت التجارة الخارجية خلال أربعة أشهر الأولى للأزمة ب 20 %

ط – انخفض الإنتاج العالمي ب 30 %

ي – تراجع الطلب العالمي خلال أربعة أشهر الأولى للأزمة الى نحو الصفر

ص – انخفضت الملاحة التجارية ب 50 %

ع – وحسب دراسة للبنك الدولي، فإن النمو الاقتصادي انهار سريعا بسبب الأزمة في 94 من اصل 116 دولة من دول العالم الثالث، خصوصا  عقب الانخفاض الدرامي للطلب على المواد الأولية وانهيار أسعارها.

ف – فقدان المهاجرون القادمون من الدول الخاضعة للاستعمار الجديد لعملهم، على الخصوص في اليابان والولايات المتحدة وأوروبا. كما  تناقصت تحويلاتهم والتي تعد بالملايير في ميزانيات دولهم الأصلية.

ض – تفاقم جديد لأزمة المديونية الدولية ،سيكون لها انعكاسات غير منتظرة على ظروف العيش والعمل لعدة ملايين من الناس.

ق – في الولايات المتحدة تم تسريح أربعة ملايين عاملة وعامل، حيث بلغت التسريحات شهريا حوالي نصف مليون نسمة؛
ر – في الصين تم تسريح حوالي 200 مليون عاملة وعامل؛

س – بلغ عدد التسريحات حتى نهاية سنة 2009 حوالي 60 مليون نسمة.

لم يسلم المغرب أيضا من انعكاسات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية حيث تمثلت فيما يلي:

1 – انعكاس الأزمة على قيمة الأسهم في بورصة الدار البيضاء والتي عرفت تدهورا شاملا، علما أن جزء هام من تميل الشركات المغربية  الكبرى يتم عن طريق البورصة؛

2 – انخفضت تحويلات المغاربة العاملين بالخارج بنسبة عالية تجاوزت 14 مليار درهم، علما أن تناقص هذه التحويلات يؤثر بشكل قوي في ميزان  الأداءات مع الخارج؛

3 – انخفضت صادرات المغرب نحو الخارج بنسب عالية أحدثت عجزا خطيرا في الميزان التجاري مما يؤثر أيضا على حجم المخزون الوطني من النقد  الأجنبي؛

4 – من بين القطاعات الاقتصادية التي تأثرت بقوة قطاع النسيج والجلد حيث توالت اقفالات شركات النسيج متسببة في تسريحات واسعة للعاملات والعمال بلغت حسب الاحصائيات الرسمية سنة 2009 حوالي 50 ألف عاملة وعامل كما تجاوزت سنة 2010 حوالي 144 ألف عاملة وعامل؛

5 – تأثر قطاع السياحة بدوره بشكل كبير نتيجة تراجع وفود السواح الأجانب على المغرب مما كان له تأثير على مخزون النقد الأجنبي وأيضا  على قطاع الفنادق حيث تم تسريح العديد من العاملين في هذا القطاع؛

6 – تأثر أيضا قطاع تركيب السيارات حيث توقف الانتاج وتم تقليص ساعات العمل وأجور العمال نتيجة لذلك؛

7 – تأثر أيضا قطاع البناء بنسبة الثلت الشيء الذي أدى الى تسريح واسع لعمال البناء؛

8 – كما تأثر قطاع الصناعة التقليدية نتيجة لارتباط هذا القطاع بالتصدير وبوفود السواح الأجانب.

وتنقسم تفسيرات اسباب انفجار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية 2008 – 2014 الى نوعين من التفسيرات، فهناك التفسير البرجوازية المثالي ثم التفسير الماركسي اللينيني.

فالتفسير البرجوازي المثالي للأزمة يقتصر على الأسباب المباشرة السطحية حيث يربطها أولا بالظرفية الاقتصادية وبالدورات الاقتصادية المعروفة عموما، كما يركز بالنسبة لازمة 2008 على مبالغة الشركات والابناك والمؤسسات المالية في عدم الاحتياط في تعاملاتها المالية وفي الائتمان والمضاربات في البورصة. ثم انعكاس المشتقات البنكية التي تم ابداعها منذ بداية عقد الثمانينات والتي تتسم بالمرونة والمخاطر المرتفعة. وأيضا التراجع الخطير في ادخار العائلات وتفاقم مديونيتها بالمقابل. ثم على الخصوص أزمة السوبرايم العقارية، أي العقارات المشترات بواسطة قروض ذات فوائد متغيرة.

ثم لن ننسى هنا تفسيرات بعض المتمركسين الذين يستندون على أطروحة اختفاء النظام الرأسمالي منذ سنة 1975 بموجب قرار لمجموعة السبعة الكبار في مؤتمر رامبويه، وان أزمة 2008 هي ازمة نقص في الإنتاج الرأسمالي الصناعي. وخطورة هذا النوع من التفسيرات انه يلتقي بتفسيرات البرجوازية ويشوه الوعي الطبقي البروليتاري.

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply