الدكتور عبد الكريم المويل
سورية كما عرفناها , والتي رسمت حدودها الجغرافية الاتفاقات والمعاهدات الدولية, هي عربية القلب واللسان منذ فجر التاريخ , وانتصار شلمنصر الثالث على العرب في معركة قرقر قرب حماة وهي وسط سورية الآن , في القرن التاسع قبل الميلاد , كما ورد في الوثائق الآشورية , هو دليل قاطع على أن العرب كانوا يعيشون في هذه البقعة من الأرض قبل الآشوريين بالبديهة , وهذا ما أكده هيرودوت أبو التاريخ , حين حدد المنطقة العربية بأنها المنطقة الممتدة من جزيرة العرب إلى شاطئ المتوسط ومن الرافدين إلى شرق النيل , وهي المنطقة التي تنتشر فيها القبائل العربية أيام الرومان , وكانت آلهة العرب قبل الإسلام ( اللات و العزى و مناة وذو الشرى ) تنتشر في كل بقعة من بقاع هذه المنطقة من وادي عربة جنوب البحر الميت وحتى نهر الفرات ومن بصرى الشام إلى تدمر .
ولئن كان قدر سورية , بحكم موقعها الجغرافي وبالحس الإنساني للعرب عامة ولعرب سورية خاصة أن تستقبل على أرضها جميع المهجرين والمهاجرين إليها بكل ترحاب وأن تحتضن على ترابها كافة ضحايا الاستبداد والعنف والاضطهاد , من أرمن وأكراد وشراكسة وغيرهم , مما لون بساطها الأخضر النقي بأقحوانة حمراء هنا وبقعة صفراء هناك و بوردة بنفسجية حينا ومساحة زرقاء أحيانا أخرى , مما أضاف إلى جمالها جمالا , وجعل من تنوعها الثقافي ولا أروع لأنها تحمل عبق التاريخ ولها من كل عبير نسمة , ولهذا فالعمل على المحاصصة فيها تحت عنوان حكم ذاتي حينا وديمقراطية مزيفة شوهاء حينا آخر , هو تمزيق لهذا النسيج الرائع إلى أشلاء , وهذا ما لم ولن يكون , لأن السوريين على اختلاف انتماءاتهم العرقية والدينية والمذهبية تواقون لبناء دولة مدنية ديمقراطية بصورة حضارية معاصرة , دولة المواطنة التي يتساوى فيها جميع أبنائها بالحقوق والواجبات , جميع من فيها متساوون أمام القانون , لا فرق بين أقلية عددية أو أكثرية إلا في نتائج صندوق الانتخاب .
والعرب عبر التاريخ لم يعرف عنهم أنهم اضطهدوا شعبا من الشعوب أو اقتلعوا أحدا من أرضه وهجروه من بلده , سواء في البلاد التي هاجروا إليها في حقب ما قبل التاريخ أو في البلاد التي فتحوها بعد الإسلام , بل كانوا يمتزجون مع شعوب تلك الأمم وساكني تلك البقاع , يعطونهم ما عندهم ويأخذوا منهم ما لديهم ويمتزج الكل بالكل ليصبحوا نسيجا واحدا متكاملا ومتناغما , والعرب ليس لديهم عقدة الآخر إلا إذا اعتدى عليهم وعلى حقوقهم , والدليل أن سورية التي يقارب ال 80% من مواطنيها عربا , قد كان أربعة من حكامها من أصول كردية وهم , محمد علي العابد [ 1932 – 1936 ] و حسني الزعيم [ 20 / آذار – 14 / آب من عام 1949 ] و فوزي سلو [ 1951 – 1953 ] وأخيرا أديب الشيشكلي [ 1953 – 1954 ] , ولم يشعر السوريون أن هؤلاء غرباء عنهم أو من طينة أخرى غير طينتهم , وإذا كان هناك من يختلف معهم ففي الفكر والسياسة وليس بدوافع عرقية , وفي النهاية أريد أن أسأل أصحاب الدعوات الانفصالية على حساب وحدة سورية ووحدة النسيج السوري , هل من حق السوريين الذين هجرتهم الحروب والقمع وتدمير الطائرات والمدافع والدبابات والبراميل المتفجرة , وقد أصبحوا في أصقاع العالم بالملايين , أن يطالبوا بالانفصال عن تلك الدول التي استضافتهم وغمرتهم بحنانها ورعايتها , أو حتى أن يطالبوا بحكم ذاتي لهم فيها ؟؟؟؟؟ عجبي !!!!!!
ملاحظة المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي الصفحة أو رأي الحزب إنما يعبر عن رأي كاتبه

Social Links: