أوابد وإبداعات حضارية من سوريا التـلال الأثريـة فـي سـوريـة ..

أوابد وإبداعات حضارية من سوريا التـلال الأثريـة فـي سـوريـة ..

بقلم : خالد عواد الأحمد

اهتم علماء الآثاروالباحثون في حضارات سورية القديمة منذ مطلع القرن الماضي بالبحث عن أوابد المدن والممالك والتلال التي ازدهرت عبر التاريخ الحضاري وغابت بعدها عن مسرح التاريخ، وأضحت أطلالاً أو خرائب أثرية تذروها الرياح، وقد أضاف اكتشاف هذه الممالك والتلال القديمة الكثير إلى المعرفة الإنسانية وغيّر معطيات التاريخ وطريقة فهمه وقراءته، وفي الوقت ذاته قدم الشاهد تلو الشاهد على أن مهد الحضارة كان على هذه الأرض السورية، في حقبة بعيدة كان العالم خلالها يعيش ظلمات ما قبل التاريخ، الأمر الذي دعا رئيس البعثة الأثرية الأميركية (جورجيو بوتسيلاني) وهي البعثة التي كانت تعمل في الكشف عن مملكة خانا القديمة التي ازدهرت في الألف الثانية قبل الميلاد قرب التقاء الفرات والخابور ليقول وهو يفرك بأصابعه حفنة من تراب المنطقة : عندما نكون في سورية نجدنا نمتزج مع التاريخ ذاته، فكل ذرة من ترابها هي حرف مضيء في سفر الإنسانية الخالد .

اوغاريت رأس شمرا

                                       اوغاريت رأس شمرا

ومن ينتقل عبر الطرق بين دمشق وحماة وحلب والرقة ودير الزور يلاحظ بسهولة انتشار عدد كبير من التلال القابعة فوق الأراضي السهلية المنبسطة وهذه التلال أثرية في معظمها تبعاً لشكلها المخروطي الدقيق وسطوحها الملساء التي تنحدر انحداراً منتظماً ويغلب الظن بأنها بعيدة عن أن تكون تلالاً طبيعية. وأنها تلال أثرية تنطوي على بقايا مشيدة من صنع الإنسان حتى إن عدد هذه التلال كثير في تلك البقاع السهلية كثرة بالغة، لم يتم حصرها إلى الآن، وقد يتجاوز عددها الألف برأي بعض الآثاريين، وعلى الرغم من أن التنقيب لم يشمل إلا جزءاً يسيراً من هذه التلال الأثرية فقد أدى إلى اكتشاف حضارات مذهلة كحضارة ايبلا وماري واوغاريت وقطنة وقادش.. على أنه ما من تل من بين هذه التلال استطاع أن يحظى بشهرة (تل مرديخ) ولا يعرف على وجه التحديد أصل تسمية هذا التل وقد يكون منحدراً من كلمة (مردوخ) اسم أحد آلهة البابليين القدامى، كما يقول الباحث د. عمر الدقاق، وتل مرديخ عبارة عن تل تحاذيه قرية تحمل هذا الاسم في شمال سورية ويبعد عن مدينة حلب 55 كم إلى الجنوب الغربي منها، أما التل نفسه فيحتل مساحة 65 هكتاراً تقريباً ويرتفع عن سطح الأرض هناك قرابة 17 مترا والتل بيضوي الشكل بعداه 900 * 700 متر .

حقبة غامضة من الزمن ! 

في عام  1955 عثر فلاح سوري كان يحرث حقله بتل مرديخ على حوض حجري قديم العهد لعله كان يملأ بماء التطهير وقد زينت جوانبه بنقوش وصور على إفريزين يمثل أحدهما من الأعلى نفراً من أناس ملتحين لعلهم بعض الحكام وفي الثاني من الأدنى صوراً أخرى تمثل طائفة من السباع فاغرة أفواهها .

وتوالت الاكتشافات في ايبلا عام 1964 على يد البروفيسور الإيطالي باولو ماتييه ولكن دون أن تُعرف هوية المدينة حتى تم اكتشاف تمثال نصفي بازلتي لرجل ضاع رأسه وقسم من كتفه عليه كتابة أكادية سومرية مسمارية، وهذه الكتابة – كما هو معروف – أقدم لغة استعملت في الألف الثالث والثاني قبل الميلاد وقد جاء في هذه الكتابة أن التمثال هو هبة من ملك ايبلا لمعبد عشتار في المدينة وبذلك عرف اسم ايبلا، وبين عامي 1973 و 1975 اكتشفت مكتبة القصر الملكي التي كانت قد احترقت عندما غزاها الملك الأكادي نارام سن، والنار التي دمرت المدينة شوت رقم ايبلا الطينية وأصبحت مقاومة لعوامل الطبيعة وبفضلها تعرفنا على حقبة غامضة من الزمن بين عامي 2500 و 2400 ق.م وكانت الرقم مكتوبة بالأحرف المسمارية وخاصة في ايبلا، وأتضح أنها أقدم من رقم مملكة ماري بأربعمئة سنة ومن رقم مملكة أوغاريت بألف سنة وهكذا تكاد تكون لغة ايبلا الأقدم بين لغات المنطقة، وانجلت تنقيبات تل مرديخ أيضاً عن مدينة كبيرة كانت قد بلغت أوج ازدهارها حوالى سنة 2200 قبل الميلاد . أي خلال العصر المعروف بعصر الملوك العموريين الذين ينتمي إليهم حمورابي المشهور ملك بابل .

تل المشرفة

                                                         تل المشرفة

 تل المشرفة

وإذ انتقلنا إلى وسط سورية يقابلنا العديد من التلال منها ما كان تلالاً لم تفصح عن مخزوناتها إلى الآن ، ومنها ما عثر فيها على ممالك قديمة ومدن كاملة العمران ومن هذه التلال (تل قطنة القديمة) الذي يبعد 15 كم إلى الشمال الشرقي من مدينة حمص، ويقع في البلدة المعروفة حالياً باسم (المشرفة) وقد ازدهرت قطنة وبلغت عصرها الذهبي مع مملكة كركميش – جرابلس – وايبلا وقادش وحل في الألف الثاني قبل الميلاد. وتشير الوثائق المكتشفة والتنقيبات الأثرية التي أجراها عالم الآثار الفرنسي (الكونت دي منيل دي بويسون) في الأعوام ما بين 1924 – 1929 – إلى أن قطنة كانت عاصمة المنطقة خلال الألف الثاني قبل الميلاد، بل كانت من أكبر المواقع الأثرية القديمة في سورية، ورغم الأهمية التاريخية والحضارية إلا أن التنقيبات الأثرية التي أجريت في موقعها كانت محدودة إلى وقت قريب بسبب اشغالها بالبيوت السكنية الحديثة التي انتشرت فوقها فأعاقت التوسع في أعمال التنقيب وبالتالي ظلت هذه المملكة الذهبية بكراً وعصية على الاكتشاف إلى أن ارتأت مديرية الآثار والمتاحف نقل سكان المشرفة من داخل السور إلى منطقة سكنية مستقلة غربي الموقع الأثري عام 1982 ، وبوشر بإجراء التنقيبات الحثيثة من أجل كشف معالم حضارة سادت في المكان قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام .

مائدة الموت 

أول من قام بالتنقيب الأثري في العشرينيات من القرن الماضي هو الباحث الفرنسي (الكونت دي منيل دي بويسون) وقد أسفر عمله عن كشف سبع مناطق موزعة في اجزاء مختلفة من الموقع ونقب عن المجمع المعماري الواسع للقصر وتوصل إلى نتائج تشير إلى وجود مجمع معماري كامل يتضمن منشآت ونشاطات سكنية ودينية كما تم العثور على سجلات معبد (الرب نين غال) التي أثبتت بجلاء أن (تل المشرفة) هو مدينة قطنة القديمة وقد كتب اسمها في هذه الوثائق ووثائق ماري والآلآخ ورسائل تل العمارنة (قطنة) أو بلفظة Qatana في أرشيف (بوغاز سكوي)، أما في الوثائق المصرية فقد كتب (ق.د.ن) أي قطنة، و«أوردته الوثائق الحثية بثلاثة أشكال (قطنة – جتما – كنتفا) وليس لهذا الاختلاف البائن في كتابة الاسم أي مغزى فالمعول عليه هو كيف وردت في الوثائق المحلية ، كما يقول الباحث ( علي القيم) وقد أعانت هذه التنقيبات الأثرية الباحثين في التحقق من موقع قطنة، وأثبتت في الوقت عينه أن الموقع قد استوطن منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وكان على صلات وثيقة مع بلاد الشام الأخرى وبلاد ما بين النهرين، وقد عثر في بيوت وقبور سكان قطنة على جرار فخارية من صنع بلاد سومر نقلت فيها سلع تجارية من هنا وهناك، ونحن وإن كنا لا نعرف على الأقل نوع تلك المواد فإننا نعرف على الأقل أن الجرار تعود إلى عصر سلالة أور الثالثة (2150 – 1950 ق.م) وأور – كما هو معروف – هي مدينة الكلدانيين القدماء التي خرج منها النبي إبراهيم الخليل عليه السلام، ويبدو من كسر تمثال إيتا ابنة الفرعون – أمنحوتب الثالث – (1929 – 1898) ق.م التي عثر عليها في قطنة أن هذه المملكة كانت ترتبط أيضاً مع مصربعلاقات تجارية جديدة فاستحقت هذه الهدية الثمينة .

تل قادش

                                      تل قادش

رعمسيس في قادش !

وفي وسط سورية أيضاً تل قادش الذي يقع إلى الجنوب من بحيرة حمص في زاوية تتألف من نهر العاصي الذي يجري في اتجاه الشمال ونهر فرعي يرفده ويصب فيه من الجنوب الغربي، في قرية تل النبي (مند) أو ما يعرف تاريخياً بقادش، وهي المكان الذي جرت فيه أكبر معركة في التاريخ القديم بين أقوى قوتين في ذلك العصر هما الحثيون والفراعنة التي أخذت اسم التل. وقادش بلدة كنعانية فينيقية كانت مبنية من الطوب يحيط بها سور له عدة أبواب، ورد اسمها في المصادر الحثية بلفظة KINZA ووردت في أرشيف قطنا باسم (كي ايدشي) (ID – IS – I – K) وورد اسمها مراراً في النصوص القديمة ولاسيما في وثائق معركة قادش ما بين (خاتوسي) ملك الحثيين و (رعمسيس) الثاني فرعون مصر عام 1272 ق.م. غير أن قادش غابت عن مسرح التاريخ خلال النصف الأول من الألف الأولى ق.م وغاب معها اسمها من المصادر التاريخية ثم عاد السكن إلى الموقع في العصر الروماني حيث أطلق عليها اسم (لاوديسيا ادليبانوم) أي اللاذقية المحاذية لجبل لبنان وأيضاً (لاوديسيا سكابيوزا) ولم تظهر أية صعوبة في التحقق من أن (لاوديسيا سكابيوزا) هي (تل النبي مند) وذلك إثر اكتشاف خمسة ألواح طينية منقوش على أحدها رسالة موجهة إلى (ايتاغاما) حاكم (قادش) المعروف في أرشيف (تل العمارنة) ووثائق أخرى تشير إلى ازدهار هذه المملكة بسبب وقوعها على طرق الجيوش والقوافل التجارية بين (أميسا) حمص و (هيليو بوليس – بعلبك) عن طريق (ماورويكو بولس – جوسيه الخراب). وأول من تعرف على موقع (تل قادش) المعروف في المصادر المصرية هو عالم الآثار الأميركي (تومبسون) وذلك في عام 1840وقد اعتمد في شرح فرضيته على المشهد الطبوغرافي المصور بشكل لوحة تذكارية يخلد انتصار (رعمسيس) الثاني على الحثيين بقيادة (خاتوسيل) ذلك الانتصار الذي لولاه – كما يقول الباحث في شؤون التاريخ (كينيث كيتشين) – ما ذكر اسم رعمسيس في التاريخ .

معبد إله الشمس

                             معبد إله الشمس

معبد إله الشمس 

ومن التلال الأثرية المعروفة في سورية أيضاً (تل حمص) الذي تتوضع بقايا القلعة عليه الآن ويعتقد الكثير من المؤرخين وعلماء الأنثربولوجيا أن هذا التل هو أقدم موقع نشأ للسكن في مدينة حمص إذ أثبتت الدراسات التي أجريت على اللقى الفخارية السطحية المكتشفة في الطبقات الدنيا من التل، أن الموقع كان مأهولاً في النصف الثاني من الألف الثالثة قبل الميلاد، والتل الحالي يفترض أنه يدفن ضمن طبقاته حمص القديمة قبل توسعها خارج حدود التل إبان العصر الروماني، وأن الخندق المحيط بالتل كان ضمن النظام الدفاعي للمدينة لأنها كانت تتعرض لغزوات البداوة والرعاة، ومع غزو الرومان لمدينة حمص ووصول.. (جوليا دمنة) ابنة كاهن معبد الشمس إلى عرش الامبراطورية الرومانية اتسعت حمص من سور دائري حول التل إلى مدينة لها شكل المستطيل (1400 – 999) ق.م وخضعت للمخطط الكلاسيكي للمدن الهلنستية الرومانية ، وفي الفترة الممتدة من نزول السكن من التل وحتى انتشار المسيحية أخذ تل حمص ينفرد بكونه مكان عبادة مقدساً في شكل (أكروبول) للمدينة الجديدة، فقد ضم معبداً لإله الشمس الأسطوري الذي دعاه الحمصيون (إيلاغابال) وقد تأكد قيام المعبد على التل عندما عثر على حجر من الصخر الكلسي القاسي ارتفاعه 57 سم وضلع قاعدته 30 سم وقد نقش في وسطه بالخط اليوناني القديم ما يلي (تقدمة من مايدولس بن غولاسيس) أي إله الشمس (ايلاغابال) هذا المذبح مشكوراً، ولكن بعد انتشار المسيحية والقضاء على الوثنية بدأ التل يتحول وخاصة في العصر البيزنطي إلى قلعة عسكرية .

  • Social Links:

Leave a Reply