السوري مطلوب في مسرح الإرهاب …

السوري مطلوب في مسرح الإرهاب …

م.عماد غليون*

مع اندلاع الثورة السورية وجد النظام نفسه عاجزا” عن قمعها عبر الحل الأمني أولا” والحل العسكري تاليا” فلجأ لدفع الثورة باتجاه العسكرة عبر رفع وتيرة العنف والقتل ؛ ومن ثم العمل على دفع عناصر متشددة لاختراق الجيش الحر والتي أدت بالنهاية لتكوين تنظيمات تم وضعها على لائحة الإرهاب العالمي وأهمها تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم جبهة النصرة ؛ وهذه التنظيمات أوجدت المبرر الكافي لكي تقوم طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بعمليات قصف جوي لمناطق تواجد تلك التنظيمات على الأقل ؛ بينما تدخلت روسيا بشكل عسكري مباشر وصل لحد إقامة القواعد العسكرية الدائمة في سورية ؛ ولكن القصف الروسي طال مناطق واسعة من سورية وكان دمويا” وعنيفا” وأدى لمقتل ألاف الأبرياء وخاصة في حلب ومحيطها . بينما استفاد النظام بشكل واسع من تبدد قوة الجيش الحر وانتقالها لتنظيمات إسلامية جهادية بعضها مصنفة إرهابية فهذا الوضع ساهم في تعويم النظام وتوقف المجتمع الدولي عن القبول بإسقاط النظام عسكريا” وانتقل ذلك للمطالبة بحل سياسي بين النظام والمعارضة في أحسن الأحوال .

بدأ النظام يكسب رهانه عبر إلصاق تهمة الإرهاب بالثورة ؛ واستطاع تحويل نظريته الهزيلة التي أطلقها منذ بداية الثورة إلى واقع ؛ وإذا كان مفهوما” ما قام به النظام وأسبابه ؛ فإن المستغرب هو هذه الموجة الواسعة في دول كثيرة ومنها دول أوروبا الغربية لزج اسم السوريين في أي عملية إرهابية تحدث على أراضيها ؛ فما هي دوافعها للقيام بذلك ؟ وكيف تستطيع توظيف ذلك لصالحها ؟ هدد المفتي حسون دول أوروبا الغربية بشكل مباشر بأن تطال أراضيها عمليات إرهابية يقوم فيها انتحاريون موالون للنظام ؛ ومرت تلك التهديدات بدون عواقب تذكر ؛ وبقيت مجرد إشارة لا أكثر ؛ وعندما بدأت موجة اللجوء الكثيفة من تركيا إلى دول الإتحاد الأوروبي سارع النظام لتحذير تلك الدول بأن هناك إرهابيين في صفوف المهاجرين وشكل ذلك تهديدا” خطيرا” لملف اللاجئين القادمين حديثا” لتقديم لجوء في أوروبا .

باستمرار يشكل أي عمل إرهابي يحصل بالتحديد في دول أوروبا الغربية مصدر قلق وترقب شديد في أوساط اللاجئين حديثا” وحتى للمقيمين منذ سنوات طويلة في أوروبا ؛ ومصدر الخوف لديهم هو احتمال أن يكون هناك أشخاص سوريون قاموا أو شاركوا بتنفيذ العملية ؛ الأمر الذي سيؤدي لتشويه صورتهم وتحويلهم لإرهابيين أمام الآخرين أو على الأقل داعمين ومصدرين للإرهاب ؛ وهو يهدد مستقبلهم في أوروبا .

خلال اعتداءات باريس الأخيرة تم بالفعل الحديث في وسائل الإعلام الأوروبية عن اتهامات بمشاركة سوري لاجئ حديثا” في العملية وأن هناك جواز سفر سوري تم العثور عليه في مسرخ الجريمة ؛ ولكن تلك الأخبار تم إبعادها عن التدوال بعد تأكد عدم صحتها ؛ رغم أنه لم يصدر توضيح حول حقيقة الأمر ؛ وتكرر الحديث عن مشاركة سوريين في اعتداءات وقعت في بروكسل وألمانيا ؛ وكالعادة سرعان ما تختفي الحقيقة ولا يظهر سوري واحد كمتهم يتم تقديمه للمحاكمة لمشاركته في عملية إرهابية .

لجأت أعداد كبيرة من السوريين إلى ألمانيا حيث وقع اختيارهم عليها بسبب مواقف المستشارة الألمانية ميركل المؤيدة للاجئين ؛ وناهزت أعدادهم المليون مما شكل في النهاية ضغطا” كبيرا” على الحكومة الألمانية وسبب ذلك خلافات واسعة في صفوف الحزب الحاكم ؛ كما استفادت الأحزاب اليمينية المتطرفة من ملف اللاجئين عبر نجاحات واسعة في الانتخابات المحلية الأخيرة ؛ كما شهدت أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا بشكل عام شعبية أوسع .

جاءت قضية السوري جابر البكر الأخيرة لتدفع إلى البحث بقوة وجرأة والكشف عمن يقف وراء الحملات المستمرة لتشويه السوريين ؛ خاصة مع النهاية الدراماتيكية بالإعلان عن انتحار جابر البكر في السجن الألماني المودع فيه بعد أن قام سوريون باعتقاله وتقديمه للسلطات الألمانية التي كانت تلاحقه .

لا يمكن تصديق قصة الانتحار بسهولة ؛ حيث أن جابر البكر لم يكن معتقلا” عاديا” بل متهما” بالشروع بعمليات إرهابية خطيرة تهدد الأمن الألماني ؛ فكيف والحالة هذه تعجز السلطات عن اعتقاله بمفردها ؛ وكيف تتركه ينتحر وهو كنز للمعلومات حول خلايا الإرهاب النائمة المفترضة في أوروبا ؟؟

لا يستبعد أن تكون العملية مدبرة من قبل جهة سياسية ألمانية وعلى الأغلب يمينية متطرفة ؛ لاستغلالها في مكاسب انتخابية؛ كما لا يستبعد أن تكون هناك حالة تواطؤ وشطارة من قبل سوريين في العملية للوشاية والإيقاع بجابر البكر ؛ والسوريون في ألمانيا ليسوا كتلة متجانسة بل مجموعة من الكتل المتنافسة والمتناقضة وربما يكون الصراع بينها له دور كذلك في العملية .

قانونيا” المتهم بريء حتى تثبت براءته ؛ والمشكلة أن جابر البكر لم توجه له تهمة رسمية قبل الاعلان انتحاره ولم يتم التحقيق معه ؛ مما يعني أن الحقيقة دفنت معه وبقيت غائبة كالعادة ؛ رغم أن حالة من الترقب والخوف سادت أوساط السوريين فور تعميم السلطات الألمانية صورة جابر البكر .

من حق المتابع أن يضع السيناريو الذي يتخيله لانتحار البكر أو مقتله ؛ طالما اتضح أن القضية برمتها هشة وليست سوى حلقة من استهداف السوريين في الداخل والخارج ؛ والسعي لالصاق تهمة الارهاب بهم للاستفادة من الحالة ؛ يتساوى في ذلك النظام والأحزاب اليمينية المتطرفة … ويستمر السوري مطلوبا” …إما للقتل في الميدان … أو لوضعه كإرهابي مفترض في ساحة الجريمة ..

* مهندس وسياسي سوري صاحب صحيفة المبتدأ، انشق عن مجلس الشعب مع بداية الثورة رفضاً لقتل نظام الأسد للسوريين ..

  • Social Links:

Leave a Reply