حـــرب الــعــصــابـــــات .. والـــعــمــلــيــات الــــصـغـيـــرة ..

حـــرب الــعــصــابـــــات .. والـــعــمــلــيــات الــــصـغـيـــرة ..

العقيد المتقاعد يحيى الواو

رئيس المجلس العسكري السابق للقصير .

من المعروف والمسلم به في العلوم العسكرية المعاصرة أن حرب العصابات هي أسلوب قتال حركات التحرر الضعيفة من حيث الامكانيات والمحقة من حيث الأهداف والقضايا التي تقاتل من أجل تحقيق النصر فيها .في حين عدوها قوي من حيث الامكانيات ويمتلك ترسانة كبيرة من الأسلحة والذخائر وجيوش جرارة وقضيته باطلة فهو إما محتل ومستعمر لأرض أو نظام ديكتاتوري متسلط مغتصب لسلطة يمارس من خلالها الاستبداد وقمع الشعب وقتله .

قراءة عسكرية لما حدث بالثورة السورية :

من المعروف أن النظام المستبد نشر جيشه ووحداته البرية على كامل الجغرافيا السورية على شكل حواجز تقطع أوصال المدن والأحياء وعلى الطرق لتعيق حركة سكان المناطق الثائرة وفصائلها المسلحة وانسحب من المناطق والأحياء محافظا على مربعات أمنية ونقاط حاكمة فيها بهدف ضرب الحاضنة الشعبية للثورة وتدمير قاعدتها التحتية وبث الفوضى فيها مراهنا على عدم قدرة الأهالي على إدارة مناطقهم وتحمل مسؤولية تأمينها من كافة النواحي وخاصة من ناحية ضبط الأمن .

بدأ الثوار عملياتهم العسكرية بتحرير حاجز تلو الآخر بحسب امكانياتهم المحدودة وكان النظام دائما يرد بضرب المدنيين والقاعدة الشعبية الثائرة عليه ومازال حتى الآن يعتمد نفس السياسة .

ماذا يهدف النظام من هذه السياسة ؟؟

1 _ ضرب الحاضنة الشعبية للثورة وبناها التحتية من مستشفايات ميدانية ومدارس وأفران وغيرها .

2 _ قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين وبكافة الوسائل على شكل جرعات يومية يعتاد عليها المجتمع الدولي ووسائل الاعلام بحيث تصبح خبرا عاديا وفعلا متكررا .

3 _ الضغط على السكان المدنيين من أجل تهجيرهم وإفراغ المدن والقرى الثائرة لتحقيق التغيير الديمغرافي بحيث تتحول الأكثرية مع مرور الزمن الى أقلية ليس لها ثقل انتخابي مؤثر في أي عملية سياسية مقبلة قد تفرض على النظام .

*عسكريا لجأ النظام الى جر قوى الثوار المسلحة الى مواجهات شاملة للدفاع عن المدن والأحياء .

وهذا هو الفخ الذي وقعت به الفصائل الثورية المسلحة في ظل اختلال كبير في ميزان القوى العسكرية لصالح النظام وحلفائه .

الميزات الايجابية التي تتمتع بها الفصائل الثورية المسلحة :

1 _ المرونة الكبيرة في الحركة مقابل بطئ كبير في تحرك قوات النظام وبطئ في اتخاذ القراربحكم البيرقراطية التي تحكم آلية اتخاذ القرار في الجيوش النظامية .

2 _ الجرأة الكبيرة والشجاعة التي يتحلى بها أفراد تلك المجموعات .

3 _ الروح المعنوية العالية عند أفراد المجموعات  الثورية لأنه أصحاب قضية عادلة و يقاتلون بعقيدة راسخة و باستعداد  كبير للتضحية .

4 _ تحقيق المفاجأه في عملياتهم .

5 _ سرعة التخفي والإنتشار والانسحاب بعد تنفيذ العملية .

إن حرب العصابات بسبب ضعف الامكانيات عند الثوار تتجنب المواجهات الكبيرة والطويلة زمنيا وتعتمد على مبدأ (( أضرب واهرب)) ومن هنا يجب ااتركيز على العمليات الخاطفة والسريعة والمفاجئة والمحدودة لضرب النقاط الضعيفة والخواصر الهشة والتي عادة ماتكون في المجنبات والمؤخرات وطرق الامداد .

إن دراسة بسيطة واقعية لما جرى على الصعيد العسكري تظهر لنا نجاح قوات الثوار عندما تحقق المفاجأة وتمتلك المبادأة وتنفيذ عمليات نوعية ولو كانت صغيرة ولكنها ناجحة وفشلها عندما تماما عندما تلجأ للدفاع عن قطاع واسع أو مدينة أو حي والأمثلة كثيرة من حي باب عمرو الى القصير الى أحياء حمص القديمة الى القلمون ……

ماهي النتيجة التي حققها النظام من هذه المعارك ؟؟

تدمير المناطق الثائرة بشكل كامل وتهجير أهلها وخسارة الأرض وتخويف بقية المناطق الأقل ثورية لكي تستسلم وترضى بشروط النظام عبر مصالحات مذلة تخرج المناطق الثائرة الواحدة تلو الاخرى . وتتيح للنظام فائض من القوى يستخدمه لتدمير واحتلال مناطق أخرى .

من هنا ﻻبد للعودة تدريجيا للمربع الأول وهي خوض حرب عصابات على أصولها بالعودة الى العمليات الصغيرة المحدودة التي ترهق قوات النظام وخطوط إمدادها .

من نظرة سريعة الى الخارطة السورية والتي تظهر أماكن سيطرة الثوار والنظام وحلفاؤه ماذا نلاحظ؟؟

طريق امداد درعا والمنطقة الجنوبية بطول حوالي /110/ كم حوالي /40/كم من ازرع حتى درعا ضيق جدا ويتسع شمالا باتجاه دمشق. طريق السويداء مكشوف تماما. طريق دمشق حمص طرطوس مكشوف. طريق الضمير الحدود العراقية والضمير تدمر مكشوف. والطريق المهم جدا سلمية إثريا خناصر بطول حوالي /180 / كم ضيق وشبه مكشوف .

كل هذه الطرق من الممكن أن تكون مجالا لتنفيذ عمليات صغيرة وناجحة للثوار ومرهقة لقوات النظام .

فتحرير أي مدينة أو منطقة لايتم فقط باقتحامها وتحريرها شارع شارع وبناء بناء وهذا مكلف جدا والأسهل هو ضرب طرق إمداد هذه المناطق ومحاصرتها إن أمكن بحيث يصبح الاحتفاظ بها مكلف جدا لقوات النظام وبالتالي سيلجأ مرغما على تركها والانسحاب منها .

لقد وقع الثوار في وهم العمليات الكبيرة وأهملوا العمليات الصغيرة رغم أهميتها واكتفوا بالعمل على عمليات كبيرة مرهقة وأكبر من إمكانياتهم خاصة في ظل السيطرة الجوية الكاملة لروسيا والنظام وفي ظل قدرة النظام وحلفاؤه على الحشد بالقوات والوسائط .

إن العمليات الكبيرة تحتاج الى امكانيات كبيرة وعدة وعتاد وامداد وتخطيط وتدريب وتأمين ومستوى عالي من التنسيق وإعداد شاق وووو …

ولقد طرحت دائما ومازلت أطرح نفس السؤال : هل عملية كبيرة فاشلة أفضل أم عملية (عمليات ) صغيرة ناجحة أفضل ؟؟؟

المنطق يقول أن نختار العملية (العمليات ) الصغيرة الناجحة لماذا ؟؟؟

1 _ لأننا كفصائل ثورية مسلحة ﻻنملك مقومات نجاح العملية الكبيرة وخاصة من حيث التغطية الجوية .

2 _ لأنه من الصعب وغير الممكن تحقيق السرية والمفاحأه بالعملية الكبيرة لأنها تعتمد على مشاركة عدة تشكيلات قد يكون بعضها مخترقا ومن خلال الاعداد والحشد والاتصالات سوف يتم كشف العملية وبالتالي الاستعداد لمواجهتها وإفشالها .

بينما العملية الصغيرة تحتاج الى عدد محدود يمكن تأمينه من مجموعة واحدة متفاهمة ﻻتحتاج لتنسيق كبير وبالتالي يمكن تحقيق عاملي السرية والمفاجأه .

3 _ العمليات الصغيرة الممكنة ستعيد المبادرة والمبادأه الى قوات الثوار وستعيد قوات النظام الى مواقع الدفاع المكلفة جدا .

4 _ العمليات الصغيرة ستربك النظام وتنهكه وتحبط معنويات عناصره وترفع معنويات الثوار وتزيد ثقتهم بالنفس .

5 _ العمليات الصغيرة الناجحة ستعيد الثورة الى الخيار العسكري الصحيح وهو حرب العصابات .

6 _ العمليات الصغيرة غير مكلفة ماديا وبشريا لقوات الثوار بعكس ماتوقعه من خسائر في صفوف العدو .

7 _ ﻻتحتاج الى إمكانيات كبيرة (عبوة ناسفة -لغم أرضي -كمين لدورية – إغارة على حاجز ….)

8 _ تجنب قوات الثوار الضربات الجوية أثناء تنفيذها العمليات الخاطفة والمحدودة .

من خلال ماتقدم نخلص إلى أنه من المهم جدا إعادة صياغة تشكيل المجموعات أو جزء منها بحيث تكون مستعدة وقادرة ومدربة على تنفيذ عمليات صغيرة خاطفة وسريعة خاصة في ظل مايعد من سيناريوهات قد تكون مكلفة جدا للمناطق المحررة .

ملاحظة : لقد اعتمدت في دراستي على قراءتي للواقع وعلى خبرتي الميدانية أكثر من البحوث النظرية في هذا المجال .

  • Social Links:

Leave a Reply