Yonadam Yonadam
رغم كل ما يحمله نظام حكم بشار الأسد من احتمالات قوية لتوسيع الطائفية فان البحوث الاثنية التي أجريت بين ( 2010-2007 ) تبين ان معظم السكان في سوريا لم يطرحوا مشروعاً كهذا في الظاهر، كما تظهر الاحصاءات التي اجريت في نطاق مجمل المنطقة ان العرب السنة عموماً يرفضون التأويلات الطائفية للسياسة الاقليمية. ومع ذلك فان استمرار بشار الأسد في السلطة طوال هذه المدة حيث واصل خلالها الاتجاه الذي ارساه والده من قبله والذي يتنكر للاختلافات الطائفية بينما يعزز من ناحية أخرى أهميتها السياسية كأداة للاحتفاظ بالسلطة، ونجم عن ذلك توسيع الامتيازات الاقتصادية للنخب العلوية وزيادة الاعتماد على الطائفة العلوية كقاعدة للسلطة، وترافق هذا مع وجود اسلام سنّي محافظ سمح به النظام يرافقه حوار اقليمي طائفي يزداد انتشاراً. وشكّل كل ذلك بيئة ضاغطة لتذكير السوريين بهوياتهم الطائفية، في نفس الوقت الذي الذي اخذت فيه الاصلاحات الاقتصادية تضعف مؤسسات الدولة وسمحت للجماعات المبنية على اساس من روابط دينية او طائفية لكي تملأ الفراغ مع ابقاء الباب مفتوحاً في المستقبل لدخول ابناء الطائفة والأقليات من اصحاب الأعمال والمقاولين الجدد.
العوامل المحركة للطائفية في الحرب الأهلية في سوريا
لقد جرى حشد القوى في سوريا بطريقة مختلفة عما حصل في النزاعات العرقية والطائفية في كل من يوغسلافيا ولبنان والعراق باعتبار انها لم تكن قد شهدت بعد الانهيار الكامل للدولة. لقد حصل ذلك بشكل جزئي في شمال وشرق سوريا حيث تم التخلص من النظام واخراجه منها، وان لم يكن النشاط السياسي الذي ظهر وبرز بعد ذلك ذو طبيعة طائفية حيث ان العديد من قوات وكتائب (الجيش السوري الحر) ورغم كل المحاولات لتوصيفها طائفياً عن طريق التأكيد انها سنّية فقد استمرت (الجيش السوري الحر) في طرح حوار وطني شامل. أما في المناطق التي بقيت تحت سيطرة النظام ولم تنهار فيها الدولة فقد سيطر الخوف من تغيير النظام
وداخل هذه المناطق الضعيفة نشطت الشبيحة مستخدمة في قتالها ادوات الطائفية والعرقية.
ان المسؤولية الرئيسية لتحويل ما يجري في سوريا الى نزاع طائفي تقع على عاتق النظام. فقد استخدم الأسد العنف بشدة منذ البداية ضد المعارضة السلمية واستفزازهم من أجل مواجهة مسلحة حيث توقع ان ينتصر فيها جيشه النظامي، وقد تطلب ذلك استمرار الدعم والمساندة لتجنب انهيار النظام كما حصل في مصر وجرى استغلال الهويات والكيانات الطائفية لهذا الغرض. يمكن تحديد مرحلتين، الأولى مع بداية الاحتجاجات قام النظام بإنعاش المخاوف القديمة (مخاوف الطائفية) ، وتم تصوير المعارضة في وسائل اعلام السلطة على انها تعبير عن الطائفية الاسلامية. لقد جرى استهداف بعض العلويين بشكل خاص من أجل التمويه والتعمية حيث كان الشبيحة يقومون بنقل أكياس الرمل الى القرى العلوية لأن القرى السنّية المجاورة كانوا في حالة هيجان كما كان يدّعي الشبيحة، وقد ذكر البعض ان ظهور العناصر الارهابية بين صفوف المعارضة هي محاولة من الأسد لدفع المعارضة نحو التطرف وذلك بإطلاق سراح الجهاديين من داخل سجونه في عام 2011 , وزجهم بعد ذلك بين صفوف المعارضة.
وأخذ النظام في المرحلة الثانية يوظّف الطائفية بطريقة أكثر وضوحاً وصراحة، وخاصة بعد ان تمكنت المعارضة المسلحة من الاستيلاء على اراض واسعة في عام 2012 ونتج عنه تحول هيكلي خطير، فإذا اضيف اليه الانشقاقات الواسعة داخل الجيش التي أدت الى أزمة في القوة البشرية نجم عنها سعي النظام لتعويض تلك القوات باستقدام جماعات طائفية اقليمية مثل : حزب الله والميليشيا الشيعية العراقية بالإضافة الى ميليشيات (قوات الدفاع الوطني) التي تم تنظيمها عسكرياً ثم وضعت تحت اشراف القوات الايرانية وحزب الله، ثم أخذ النظام يشجع على تشكيل وحدات محلية يهيمن على كل وحدة طائفة معينة، أغلبها من الطائفة العلوية، بالإضافة الى الطائفتين المسيحية والدرزية. كما سمح النظام بتشكيل ميليشيات لها هوية طائفية صريحة كالميليشيا الدرزية (جيش الموحدين) والميليشيا العلوية (المقاومة السورية)، وانتشرت الرموز والشعارات الطائفية التي كان قد جرى التضييق عليها سابقاً مثل نجمة الدروز الخماسية الألوان و(سيف ذو الفقار) الشيعي ظهر ضمن الحملات الدعائية للميليشيا الشيعية في أسواق دمشق، وما له دلالته التمويهية هو ان كل هذه الرموز والشعارات الطائفية ظهرت برفقة شعارات ورموز وطنية، فالنظام لم يتخلى عن الغطاء الوطني بعد والاستفادة من اطروحات قوى أخرى لها تاريخ طويل في ترسيخ عبادة الفرد والثقافة الفاشية التي أفرزتها، فيذكر أحد المشاركين وفي بداية الثورة كيف أشار شخص ينتمي الى ثوار مدينة ادلب الى شعار (الزوبعة- الصليب المعقوف المعدل) والخاص ب (الحزب القومي السوري) والى مظاهر “الترف والمال” التي باتت واضحة على بعض شبيحته ، وكيف كان يندس بعض أفرادهم بين المحتجين اثناء تظاهراتهم شبه اليومية التي تشهدها المدينة، ثم يضيف كيف ان اثنين آخرين تمكنا من شراء سيارتيهما فقط بعد قيام الثورة السورية وامتدادها الى مدينة (ادلب) .
لقد تعززت الطائفية ايضاً من جراء المساعدات والأموال المتدفقة من الخارج بما فيها تلك القادمة من دول الخليج والتي شجعت أطراف داخلية على تبني مواقف سنّية أكثر تشدداً من الناحية الطائفية ويدفعها التنافس للحصول على الأموال، مما قوّض جهود (الجيش السوري الحرّ) لتوحيد المعارضة المعتدلة المسلحة ومدى تأثير ذلك على مجابهة النظام وميليشياته، وكذلك أيضاً ساهمت بعض الأطراف الخليجية في شحن اللغة الطائفية التي كانت موجهة الى داخل سوريا عبر وسائل الاعلام فاستخدم الشيخ السوري (عدنان العرعور) موقعه على قناة (صفا) السعودية لإثارة الغضب ضد العلويين، وكذلك الأمر قامت القناة القطرية (الجزيرة)
بتضخيم صيحات (القرضاوي) في عام 2013 حبن قال:” ان زعيم حزب الشيطان يأتي ليقاتل أهل السنّة…الآن عرفنا ماذا يريد الايرانيون…يريدون المجازر المستمرة والمدبرة لقتل أهل السنة.” أما قناة (العربية) السعودية فقد كانت أكثر اتقاناً وأكثر رقة مع انها استمرت في نقدها للأسد ولايران، وان بقي العديد من الشخصيات الدينية السعودية يهاجمون علناً العلويين والشيعة ويتعاملون طائفياً مع الوضع السوري .
كما ان الاعلام الغربي وصناع القرار فيه ساهموا أيضاً في التأكيد على التفسير الطائفي للنزاع مفترضين التشابه في الحالتين العراقية والسورية وهم ينشرون الخرائط التبسيطية التي تستعير نفس الطريقة المستخدمة في شرح الوضع العراقي، فمثلاً يجري تصوير الساحل السوري باللون الأخضر تعبيراً عن الطائفة العلوية رغم ان الطائفتين السنّية والمسيحية يشاركونهم تلك المنطقة بنسبة 40% .

Social Links: