فالح عبد الجبار
ان كانت هذه الاوراق تدين بالعرفان لأحد، فهي تدين بذلك، تحديدا، للاستاذ كريم مروة. له وحده يرجع الفضل في التفكير باعادة اصدار طبعة عربية جديدة لرأس المال. وله ايضا الفضل في عقد لقاء فكري عن مستقبل الاشتراكية، في بيروت عام 1996. هذان الحدثان كانا بمثابة المهماز للقيام ببعض الابحاث، واعادة التفكير في بعض الاسئلة. وها نحن اليوم امام مطلب جديد: التفكير في عموم الماركسية، لا البكاء على طلل دَرَس. ومن جديد ايضا تأتي المبادرة من الاستاذ كريم مروة، الذي لا يكف عن القاء الاحجار في مياهنا الراكدة بعناد مشاكس، لايني يحفز ويحرك، فاتحا ابواب الاسئلة على مصاريعها. وانا هنا ادخل من كوة عسى ان ألحق بركب الاسئلة، في مسالكها الوعرة .
يقول ماركس، في مكان ما، ان طرح السؤال الصحيح هو نصف الجواب. وفي اعتقادي ان السؤال الارأس، هو الآتي: ما هي النظرية الماركسية؟ قد يبدو السؤال نافلا، لكنه برأيي جوهري .
هناك اجابة جاهزة، جامعة، مانعة، تقول ان الماركسية نظرية ثورية تتألف من 3 اقسام هي: المادية التاريخية، والمادية الديالكيتية، والاشتراكية العلمية.الطبيعة والمجتمع والفكر نفسه .
هذا التقسيم المبسط، والشائع، الذي تربت عليه اجيال واجيال من الماركسيين، تقسيم اعتباطي، وزائف، حسب رأيي. اعرف ان هذا القول سيصدم الكثيرين، فهو حكم قطعي بامتياز .
الواقع ان هذا التقسيم الذي ثبت في الادبيات الماركسية السوفيتية اعتبر بمنزلة المقدس .
المادية التاريخية (حسب هذا التقسيم): هي تعميم للمنهج المادي على التاريخ. اما التاريخ فهو، حسب المفهوم المتداول، قائم على تشكيلات متعاقبة: المشاعية، العبودية، الاقطاع، الرأسمالية، والاشتراكية .
والاشتراكية العلمية: تنقسم بدورها الى الاقتصاد السياسي للرأسمالية، ثم الاقتصاد السياسي للاشتراكية، منمذجة في قوانين صارمة للانتقال، والتضاد، والتحول .
والمادية الديالكتيكية: انها تقوم على اولوية المادة على الوعي، على شمولية التناقض الجدلي (الهيغلي)، وعلى ازواج من المقولات، المادة والوعي، الجوهر والمظهر، الشكل والمحتوى، الكم والنوع، وهلمجرا .
قلت ان هذا التصوير للماركسية كحقول ثلاثة ـ فلسفة تاريخ، فلسفة معرفة، ثم اقتصاد سياسي للرأسمالية والاشتراكية، قدم بوصفه كلا معرفيا مكتملا. وقد ثبته الباحثون السوفييت في اقانيم شكلية، ثابتة لا فكاك منها .
الواقع ان هذا التقسيم (الثلاثي) مستمد من مقالة كتبها لينين (مصادر الماركسية الثلاثة) للموسوعة البريطانية Encyclopaedia Britannica للتعريف بالماركسية. وهو مقال مكثف ومبسط، مطروح للقارئ العام. ويقصد به توضيح مجالات اهتمام ماركس، وحصرها، قدر الامكان، في حقول محددة. اما ان ماركس كان ماديا، فلا مراء في ذلك. واما ان ماركس طرح نظرة فلسفية للتاريخ. فلا مراء في ذلك ايضا. لكنه لم يكتب دراسة للتاريخ. ولم يكن مؤرخا، ولا فيلسوف تاريخ (سآتي على هذه النقطة مرارا). واما ان ماركس كان ماديا وجدليا، في نظرية المعرفة، فلا مراء في ذلك. لكنه لم يكتب ولم يبحث في فلسفة المعرفة. هناك بالطبع اطروحاته الشهيرة عن فيورباخ (ستة اسطر)، وتعليقاته الشهيرة حول ديالكتيك هيغل (بضعة مقاطع). اما كتاب انجلز (الرد على دوهرنغ) و”ديالكتيك الطبيعة” فهما تلخيصان لكتابي هيغل: المنطق Die Logic (المترجم الى اللغات كلها ـ الانجليزية مثلا، والعربية ايضا). وللقسم الاول من كتاب هيغل: فينومينولوجيا الروح (او العقل) او “تجليات العقل”، ان شئتم، وقسمه المتعلق بالطبيعة. وان قراءة الاصل الهيغلي ضرورية قبل قراءة كتابي (انتي دوهرنغ وديالكتيك الطبيعة)، بل تكشف عن خصوصية قراءة أنجلز للأصل الهيغلي وهي قراءة مثيرة للجدل .
قلت ان التقسيم الثلاثي المبسط، للماركسية، على انها “مادية تاريخية” و”مادية ديالكتيكية” و”اشتراكية علمية”، تقسيم مبسط، وان تحويله الى مذهب، او منظومة، كان احد منابع تقويض الماركسية، وثلم حدّها النقدي .
النظرية الماركسية هي نظرية تحليل النظام الرأسمالي ونقده، ونظرية البحث عن الامكانات التاريخية لنقد وتجاوز الرأسمالية، بل ان هذا التحليل ، انحصر ، موضوعيا ، في اوربا الغربية ، وكرّس مادة ابحاثه للفترة من القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر .
بنى ماركس النموذج النظري للرأسمالية وتناقضاته، معتبرا اياه نموذجا كونيا (شاملا) رغم ان الرأسمالية لم تكن في زمانه سوى جزيرة صغيرة وسط محيطات هائلة من انتاج سلعي (حرفي) صغير، وانتاج كفاف، ومشاعيات. اما اليوم فان الانتاج الصغير وانتاج الكفاف، ليسا سوى جزيرة صغيرة في محيط الرأسمالية المتلاطم. وهنا مكمن عبقرية ماركس: بناء نموذج نظري لظاهرة تاريخية (تشكيلة اجماعية ـ اقتصادية) يستبق اكتمال ونضج هذه الظاهرة نفسها في الواقع .
ان تحليل ونقد الرأسمالية، والبحث عن امكانات تجاوزها يقوم انطلاقا من تطور الرأسمالية ذاتها، تطور قواها المنتجة، وتطور مؤسساتها الاجتماعية والثقافية، كنظام عالمي (وليس كنظام محلي داخل دولة) حدا معينا من التطور يتعذر عليها، بعده، الاستمرار .
وبودي القول، هنا، ان مهمة نقد الرأسمالية، وتحليل اشكالها المتطورة، المتحولة باستمرار، والبحث عن سبل تجاوزها، مهمة راهنة. وهي اساس استمرار الماركسية ما بعد ماركس. ولكن كيف هي صورة الرأسمالية في النموذج النظري لماركس؟ او: ما هو هذا النموذج؟ ازعم ان الصورة النظرية التي نعرفها، اما مشوهة ( النسخة السوفيتية الرسمية ) او ناقصة ، كما تركها لنا ماركس .
لو عدنا الى خطط ماركس لكتابة “رأس المال” لوجدنا اجابة شافية، ومربكة. شافية لانها (اي الخطط) تقدم لنا البنية النظرية كما ارادها ماركس، ومربكة لأنها (أي الخطط) تكشف لنا ان ماركس لم يسعه، خلال حياته، انجاز هذا العمل النظري الجبار. وتركه مفتوحا. وهذا اروع جانب في نظرية ماركس، خلافا لرعب ستالين والستالينيين منه، حيث سعوا الى جعله مغلقا ناجزا، مكتملا، مكتفيا بذاته ـ على صورة الدكتاتور المغرور الذي يتصور نفسه مركز الكون، نهايته .
لنعد الى الصورة النظرية للرأسمالية كما تصورها ماركس، في هيئة مخطط، وكما اراد عرضها.
هناك عدة خطط لرأس المال، صيغت بين خمسينات وستينات القرن التاسع عشر. وقد استقرت اخيرا الى خطة رباعية (رغم ثلاثية هيغل!) وهي:
اولا ـ رأس المال .
(أ ـ الانتاج. ب ـ التداول. ج ـ وحدة الاثنين. د ـ العمل المأجور. هـ ـ الملكية العقارية. و ـ تاريخ نظريات “رأس المال”.)
ثانيا ـ الدولة .
ثالثا ـ السوق العالمي .
رابعا ـ التجارة الدولية .
اذا تذكرنا هذا التقسيم الرباعي، وهو حجر الزاوية في فهم نظرية ماركس، لخلصنا الى نتيجتين: النتيجة الاولى (بخصوص ماركس نفسه)، انه انجز البند الاول من العمل النظري. فرأس المال بمجلداته الثلاثة يغطي الفقرات من (أ) الى (هـ). والمجلد الرابع (تاريخ نظريات فائض القيمة) يغطي الفقرة هـ.
اما البنود ثانيا (الدولة) وثالثا (السوق العالمي) ورابعا (التجارة الدولية) فلم يقدم عنها سوى ملاحظات واشارات دقيقة ومذهلة (لما فيها من تنبؤات حول الشكل الدوري لنشوء الرأسمالية في بلدان زراعية، أي شكل انتشارها من بلد الى آخر)، لكنها ليست مبحوثة بذلك التقسيم العلمي الوارد في المجلدات الخاصة برأس المال .
اما النتيجة الثانية المترتبة على ذلك فهي ان النظام الرأسمالي يقوم على اربعة عناصر مترابطة عضويا، هي الرأسمال، والدولة، والسوق العالمي، والتجارة الدولية. فمعمار العالم، كما اشادته الرأسمالية، هو رباعي المرتكزات. انها تشكيلة كونية .
فالرأسمال، الذي ينمو في اطار قومي، يحتاج الى الدولة، ولا حياة له الا في ظلها وعبرها. وان جريان الاسواق، ونواظم التجارة الدولية، في الاطوار الاولى من الرأسمالية (ما تزال سارية الى حد كبير حتى اللحظة) غير ممكنة الا على اساس بناء الرأسمالية على شكل وحدات قومية (دول) تكون الحامل والناظم لنشاط الرأسمال وعلائقه، لكن حياة الرأسمال انما تكون خارج هذه الوحدات، ولا بقاء له واستمراره الا خارجها ايضا. لم يستطع ماركس دراسة هذه المنظومة الرباعية كلها. هذا اولا، وثانيا ان ما كتبه عن هذا الموضوع (البند الاول مثلا) لم ينشر كله حتى سبعينات القرن العشرين. فمثلا ان الجروندرسيه Grundrisse، التي تعتبر المكمل الضروري لرأس المال، لم تنشر الا في الثلاثينات على نطاق محدود، ولم تدرس جيدا. كما ان ماركس ترك لنا مخطوطات 1863 ومخطوطات 1867 عن الرأسمال (نصف مليون ثم مليون كلمة على التوالي)، التي لم تدرس جيدا ايضا. وهذا يمعن في تعميق نقص اطلاعنا على النظرية الماركسية. ويا له من نقص فادح .
قلت ان ماركس درس الرأسمالية في موطنها الاساس بريطانيا، وليس المانيا، لان النمط الرأسمالي في هذه الاخيرة لم يكن متطورا بعد! ودرس الملكية العقارية (الريع العقاري) في روسيا، لانها قدمت له الظاهرة في شكلها الصافي. ولكن لا الرأسمالية توقفت، وما كان لها ان تتوقف، عند حدود حياة ماركس. ولا بقي المنهج الذي درس به الظاهرة (كأدوات تحليل واستبطان) على حاله. ماركس لا يعترف بالثبات. فالتغير هو الثابت الوحيد. ويصح هذا على الظواهر قيد الدرس، والمنهج (أداة الدرس) الذي يعاينها. ما بقي ثابتا هو ضرورة نقد الرأسمالية، المستمر، الدائم، المتغير (تبعا للظروف) والبحث عن امكانات تجاوزها انطلاقا من تطورها هي بالذات، لا من تمنيات مصلح او طوباوي .
والحال ان نقد الرأسمالية اليوم، اما منكفئ (باستثناء هبرماس الالماني ونعوم تشومسكي الاميركي)، او يعيش على اوهام الماضي وتصوراته (هذا للاسف هو حال بعض الأحزاب اليسارية ، التي فقدت الرؤية ولا تفعل سوى تكرار جمل عقيمة، من ترسانة اواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين) .
يتبع ..

Social Links: