فالح عبد الجبار
كتب ماركس اذن، او درس، التشكيلة الرأسمالية كما بدأت بالنشوء امام ناظريه، واستطاع ان يدرس، بامتلاء، ويقدم لنا العرض النظري، لركيزتها الاولى، الرأسمال. لكنه لم يكتب مجلده عن الدولة، ولا كتب مجلده عن السوق العالمي، ولا كتب عن التجارة الدولية. بتعبير آخر لم تسمح (امه الطبيعة) له بأن يكمل العمل. لكنه كان واعيا لبنية الرأسمالية كمعمار رباعي: رأسمال، دولة، سوق عالمية، تجارة دولية. ان كل مقولات ماركس، عن التشكيلة، عن البنية الفوقية والبنية التحتية، عن القوانين الاجتماعية بوصفها “ميولا”” Tendenzien, tendencies عن البنية الاجتماعية، وكل ملاحظاته الوجيزة عن الدولة والسوق والتجارة الدولية، تنتمي الى هذا الحقل التاريخي المحدد (العهد الرأسمالي)، ولا تنتمي لغيره. غير ان المدرسة السوفيتية ـ الستالينية، مطتّه قسرا ليشمل التاريخ كله وليشمل كل التشكيلات، وليشمل كل الظواهر، وهو مط وشمول لا تجده الا عند البابوات المعصومين، او في النظم الدينية، الغيبية.
واعود الى التقسيم الثلاثي التبسيطي الذي وضعه لينين لأجل القراء (او القارئ الوسطي) فأقول انه جرى تحويله الى قفص حبست فيه الماركسية، واضفى عليها ادعاءً شموليا مكتملا (ما ابعد ماركس عن ذلك بتواضعه العلمي المشهود!). ولينين نفسه اسهم في هذا بدرجة معينة. فمن جهة نجد لديه توكيدات قاطعة بأن الماركسية “مرشد” عمل، وانها مفتوحة على كل اتجاهات البحث، الى جانب توكيدات قاطعة بأن الماركسية علم كلي القدرة، وكلي الصحة! ليس ثمة علم كلي القدرة ولا كلي الصحة، خصوصا في المجال النظري الاجتماعي. كل ما لدينا هو فرضيات.
هناك تقسيمات لفكر ماركس تخرج من الاطار الثاني (مادية تاريخية، مادية ديالكتيكية، اشتراكية علمية)، الى اطار اكثر تعددا (من ناحية المواضيع) واقل اتساعا (من ناحية المجال ـ أي قصر نقد ماركس على الحقبة الرأسمالية المعاصرة لا توسيعه على كل التاريخ، رغم اهمية ملاحظاته التاريخية).
دعونا نعاين وجهات نظر ماركس في الصيغة التالية :
1ـ الماركسية والتاريخ.
2ـ الماركسية ونظرية المعرفة.
3ـ الماركسية والمجتمع (البنية الاجتماعية).
4ـ الماركسية والدولة.
5ـ الماركسية والاقتصاد.
6ـ الماركسية والقومية.
7ـ الماركسية والعولمة.
من جديد ينبغي ان انبه الى ان هذه الحقول المتعددة (اوسع من التقسيم الثلاثي) مقصورة على التشكيلة الرأسمالية المعاصرة، فماركس هو منظّر تناقضات الرأسمالية وإمكان تجاوزها. كما ينبغي ان انبّه الى ان هذا التقسيم هو اقتراح جديد لمعاينة فكر ماركس من زوايا عدة، وتلمس مواطن قوته وبواطن ضعفه.
سأتناول هذه الحقول منطلقا من قراءات عديدة انجزتها عقول ماركسية عملاقة في الغرب، استطاعت بفضل انفتاح حقل البحث دون قيود، ان تبتدع وتعمّق. وسيكون اساس التناول، كما هو حالنا دوما (أي كما يجب ان يكون)، هو :
أ ـ ان نظرية ماركس لم تكتمل في حياته.
ب ـ ان الظواهر التي درسها في تحول مستمر.
ج ـ ان منهج دراسة الظواهر في تعمق مستمر بفضل الانجازات الجديدة في علوم المنهج.
هذه الاسس الثلاثة تضع على عاتق الماركسيين مهمة عسيرة: استمرار الاطلاع على كل فرع معرفي جديد، او انجاز جديد في فرع معرفي قديم، ورصد حركته النقدية. وهي مهمة تضطلع بها اعداد هائلة من الباحثين، والممارسين من المختصين بالعمل النظري والفكري، والمختصين بالنشاط العملي في تظافرهم المشترك.
لنأخذ الحقول الثمانية المذكورة اعلاه ونبدأ بـ:
اولا : الماركسية والتاريخ :
ابتدأت هذا الحقل بعنوان “الماركسية والتاريخ” بدل “المادية التاريخية” عن قصد، حتى لا تضيع نظرة ماركس الحقيقية الى التاريخ او تفقد طابعها الفعلي.
تقدم لنا الستالينية نظرة ماركس الى التاريخ على اساس لوحة ستالين الشهيرة لتسلسل: المشاعية، العبودية، الاقطاع، الرأسمالية، فالاشتراكية. كل تشكيلة مؤلفة من بنية فوقية وبنية تحتية، وطبقات (عدا المشاعية) وتتميز بصراع طبقي. وتصل كل تشكيلة بنمو القوى المنتجة الى نقطة لا تعود علاقات الانتاج تتلاءم معها، فتمزقها، لتنشأ تشكيلة جديدة.
كما قلت سابقا ان مفاهيم البنية الفوقية، والتحتية، وتصادم القوى المنتجة بعلاقات الانتاج، ونشوء تشكيلة جديدة من رحم القديمة مفاهيم تختص في نظر ماركس بنمط الانتاج الرأسمالي، وبه وحده، وليست معممة على كل التاريخ.
لقد كان ماركس على غرار هيغل يرى ان التاريخ البشري، كتاريخ واحد، تشترك فيه كل الحضارات، والشعوب، وان هذا التاريخ ينطوي على انماط تقسيم عمل : مشاعية، وعبودية، واقطاعية، ورأسمالية، وايضا شرقية (نمط الانتاج الآسيوي القديم).
هذا التنميط العمومي (المختلف عن نظرية المراحل الخمسة) يراد به قول ما يلي :
ـ وجود تطور ارتقائي في التاريخ البشري.
ـ ان هذا التطور هو عملية عالمية واحد.
ـ ان نمط الانتاج الرأسمالي هو ثمرة التطور السابق.
ـ ان هذا النمط الاخير ظاهرة جديدة وليس قديمة قدم الانسان.
اكتسب عرض ماركس للتاريخ شيئا من ملامح الغبش الصوفي للهيغلية، وبخاصة فكرة وجود غائية في التاريخ، أي كأن التاريخ هو ذات تعي نفسها. وهي فكرة انتقدها الماركسيون عموما، لأنها فكرة نافلة.
انتقد الماركسيون اللوحة الخماسية (لوحة المراحل المتعاقبة) التي صيغت في عهد ستالين، واعتبرت بمثابة القفص الحديدي. لاحظ باحثون كثيرون ان النمط العبودي الذي نشأ في اليونان وروما لم ينشأ في بلدان اخرى، وان نمط الانتاج الاقطاعي لم ينشأ لا في اليونان ولا في روما، بل في المناطاق الجرمانية (المانيا القديمة، فرنسا، الجزر البريطانية). أما الانتاج الرأسمالي فقد نشأ في بريطانيا وليس في اليونان.
هذا النمط من التناثر لانماط الانتاج (وهي بالاساس انماط تقسيم عمل)، لا يضع رابطة سببية او تعاقبا سببيا بين نشوء العبودية والاقطاع، فالرأسمالية في اليونان او روما القديمة.هناك دوائر حضارية لم تعرف العبودية. واخرى لم تعرف الاقطاع. وبقيت اخرى مشاعية الى يومنا هذا (قبائل استراليا الاصلية قبل الغزو الاوربي). لقد ارادت نظرة ماركس الفلسفية الى التاريخ ان تؤكد على فكرة التطور والتناقض، وعلى الطابع المادي للتطور، الذي لم يكن مدروسا من قبل.
لنأخذ الرأسمالية :
لقد نشأت في اوربا الغربية (بريطانيا، فرنسا) بالتضاد مع الاقطاع، واقترنت بثورات سياسية حادة، بل دامية.
في السويد، حصل الانتقال تدريجيا الى الرأسمالية وبتسويات، ومن دون ثورات. وفي اليابان تولت الميجي الاقطاعية بنفسها بناء الرأسمالية، لأن البوارج الرأسمالية من اميركا ارادت فتح اسواقها بقوة السلاح للتجارة، فاضطرت الى الانتقال من منطلق حماية النفس. الخلاصة اليابانية ان دولة اقطاعية تتولى الانتقال الى الرأسمالية وتخلق طبقة رأسمالية. هناك انماط لا حصر لها من الانتقال الى الرأسمالية لبقاع لم تشهد عبودية، ولا اقطاعا. هذا التنوع من التاريخ يسخر من أي محاولة لحبسه في ما يشبه جدول الضرب.
الخلاصة ان نبذ فكرة اللوحة الخماسية، و(التشكيلات الستالينية) ومعها فكرة وجود انماط انتقال حديدية يفي ماركس حقه وينجيه من مغبة تعميمات لا شأن له بها. لأن ماركس طرح نظرة فلسفية عامة، هي مجرد اطار عام للنظر، وليس تحليلا مفصلا لكل وقائع التطور التاريخي.
وكما قلت فان ماركس لم يكرس قلمه لدراسة تطور الحضارات رغم انه استشهد باحوال اليونان القديمة، ومصر القديمة، وحضارة الانكا والمايا. وان الدراسات المعاصرة عن هذه الحضارات، المتاحة لمن يريد ان يطلع، تقدم لنا استخلاصات مثيرة.
عدا عن تثبيت مفهوم التطور العام، والطابع المادي (انتاج الحياة) لهذا التطور، اراد ماركس ان يشدد على تاريخية نمط الانتاج الرأسمالي ونبذ فكرة انه ازلي، ويشدد ايضا على عناصر اختلافه عما سبقه. ويلاحظ ان امكانات التطور في التاريخ تتخذ اشكالا عديدة :
ـ تطور ارتقائي، تدريجي Evolution.
ـ تطور قطعي Rupture
ـ تطور خطي (تراكمي ـ صاعد باتجاه واحد)(Linear) .
ـ تطور دوري (ارتدادي ، ومتقدم في آن Cyclical).
هناك ظاهرات في التاريخ تتسم بالتدرج الارتقائي، واخرى بتطور خطي، وثالثة بتطور دوري، ورابعة بتطور قطعي. وما ينطبق على نشوء وحركة الرأسمالية من اشكال تطور، ينطبق على اشكال تجاوزها المحتملة.
لو طبقنا هذه المقولات على انماط الانتقال الرأسمالية او انماط التغير الاجتماعي، لوجدنا امثلة وفيرة، على انتقال هادئ، تدريجي من الاقطاع الى الرأسمالية، ولوجدنا اشكال انتقال قطعية، تخللتها حروب وثورات، ولوجدنا اشكال انتقال خطية، واخرى دورية، ارتدادية، وهكذا. ان هذا التنوع في انماط التطور يعني تعذر وضع وصفة واحدة للتاريخ، لمساره، واشكال تجليه.
يتبع ..
Social Links: