تــأمـــلات فــــي الــمــاركــسـيـــة ( 3/2 ) ..

تــأمـــلات فــــي الــمــاركــسـيـــة ( 3/2 ) ..

فالح عبد الجبار

ثانيا : الماركسية ونظرية المعرفة ..

مثلما اقترحت التخلي عن وهم وجود “مادية تاريخية”، واحلال فكرة وجود “نظرة ماركسية الى التاريخ”، اقترح ايضا التخلي عن وهم آخر هو وجو “مادية ديالكتيكية” كاملة، ناجزة، هي الشكل “الوحيد” والأرقى للمعرفة.

تقوم المادية الديالكتيكية على عمودين، العمود الاول هو اولوية المادة على الوعي، وكون الوعي نفسه هو نتاج تطور شكل ارقى من المادة (الدماغ البشري)، والعمود الثاني، ان هناك “قوانين” للديالكتيك تنظم عمليات الطبيعة والمجتمع والفكر.

ان فكرة اولوية الوعي على المادة او اولوية المادة على الوعي قديمة قدم الفلسفة، والنظرات الفلسفية الاولية السابقة لها. وان القول بأولوية المادة على الوعي قديم قدم المادية اليونانية نفسها، شأن الديالكتيك، ولنا الملاحظات التالية :

أ ـ تقوم مادية القرن التاسع عشر، ونظرية المعرفة اللصيقة بها على ثنائية الذات والموضوع. الذات الواعية، والواقع الموضوعي، موضوع الوعي. هذه الثنائية هي موضع اعتراض منذ بداية  القرن العشرين.

فالوحدة الاولى للمعرفة ليست ثانوية (ذات وموضوع)، بل رباعية :

ذات عارفة موضوع معرفة بتوسط اللغة كنظام اشارات لخزن المعرفة ونقلها، وذات اخرى تنقل لها المعرفة.

نحن لا ندخل الى أي ميدان اجتماعي بدون توسط اللغة، والدماغ الخازن لاشارات المعرفة المكونة بدورها من نظام معقد (دال ـ مدلول، اشكال ـ اصوات ـ علامات… الخ).

ب ـ ان نظم المعرفة حبيسة في نظم ثقافية (ثقافات قومية، ثقافات محلية، ثقافة عالمية متداخلة مع الثقافتين القومية والمحلية).

ج ـ ان الدراسات اللغوية (من البنيوية الى ما بعد الحداثة) قدمت اكتشافات هامة انعزل عنها الماركسيون بالكامل تقريبا (اضطهاد باختين ابرز مفكر في هذا الباب داخل بلاده ـ روسيا)، من سوسير، اول بنيوي لغوي، الى نعوم تشومسكي احدث العباقرة في هذا الميدان.

د ـ ان الفلسفة نفسها، التي كانت علم العلوم، تقلصت اليوم الى مجرد حقل صغير يعنى بعلم المعرفة (الابستمولوجيا)، ويشمل المنطق.

هـ ـ ان علم المنهج Methodology الذي كان اختصاص الفلسفة وركنها الأعز، انفصل عنها، وبات لكل علم منهجه (مناهج علم الاجتماع، مناهج الاقتصاد، مناهج الانتروبولوجيا، مناهج الفيزياء وهلمجرا).

و ـ ان منطق هيغل الذي لخصه انجلز في كتابيه (انتي دوهرنغ وديالكتيك الطبيعة) يقف متخلفا الآن عن انجازات العلوم الفلسفية وبخاصة في مباحث المعرفة، وان الزمن قد تجاوزه بشوط كبير.

ز ـ ان علم المعرفة لم يكتف بالخروج عن أسر الفلسفة بل دخل ضمن املاك علم تشريح وفسلجة الدماغ، وعلم النفس.

هل هناك حاجة الى نظرية معرفة خاصة، جامعة، مانعة، في هذا الباب؟ لا اظن. لأنه اولا لا توجد نظرية جامعة، مانعة، بل توجد فرضيات متوسعة وبحث متصل. ولأنه ثانيا تجري هذه البحوث في ميادين اختصاص لا قبل لفرد او حركة ان تلمّ بها.

هل ننقطع عن الاطلاع على هذه الميادين؟ كلا. بل ان ما ألمّ بالماركسية من خور وتراجع يرجع في جانب منه الى انعزال القائمين على فكرها عن تيارات العصر الفكرية الكبرى: البنيوية، علم النفس، ما بعد البنيوية، التفكيكية، او عن مدارس ماركسية هامة مثل مدرسة فرانكفورت، او مدرسة تشومسكي السنديكالية.

ثالثا : الماركسية والمجتمع ..

درس ماركس بنية المجتمع الرأسمالي، انطلاقا من انجازات المؤرخين الفرنسيين عن الطبقات الاجتماعية، ومن كتابات غيرهم عن بنية “المجتمع المدني”، أي الرأسمالي، (مثل جروتيوس، ومونتسيكيو، وهيغل).

اعتبر ماركس العلاقة بين العمل ورأس المال هي الجوهر البنيوي الذي ينبغي فهم كل العلائق الاجتماعية، في اطاره، وعلى اساسه.

لم يأخذ ماركس اية امثلة من خارج اوربا، لأن الرأسمالية لم تتطور بعد خارجها. كما لم يأخذ جل امثلته الملموسة إلا من بريطانيا وفرنسا بشكل اساس.

رسم ماركس في التجريد النظري طبقتين خالصتين هما الرأسمال = الرأسماليين من هنا، والعمل = العمال من هناك. وهذا التجريد ضروري لدراسة الظاهرة بشكلها النقي. لكن دراسات ماركس الاخرى، اشارت الى وجود طبقات اخرى: الفئات الوسطى (ما يسمى بالبرجوازية الصغيرة)، الفلاحون، الانتلجنسيا. كما ان الرأسماليين، عنده، ليسوا كتلة، نتذكر كتابه “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت” (او ثلاثيته الشهيرة في فرنسا) هناك رأسمال صناعي، ورأسمال مصرفي، ينميان مصالح عديدة. كما ان الطبقة العاملة ليست بالكتلة المتجانسة، الموحدة، ولا بالكتلة الجامدة.

اعتبر ماركس الملكية او انعدامها اساس الموقع الطبقي. كما اعتبر المراتب الاجتماعية القديمة (الطبقات الاقطاعية) قائمة على معايير المكانة، الدين، الخ، الموروثة. ودرس اشكال الانتقال من البنى القديمة الى الجديدة. (مجتمعاتنا العربية في طور انتقالي من هذا الى ذاك).

توقع ماركس اتجاهات (tendencies) عديدة بينها :

عملية الافقار المطلق ستؤدي الى تحويل جل الفئات الاجتماعية الى بروليتاريا، أي تحول الاخيرة الى غالبية الشعب.

ان تحطم الفئات الوسطى المتعلمة، سينقل للطبقة العاملة عناصر المعرفة.

ان نظام المصانع سيحول جيش العمل الى قوة منظمة، منضبطة.

تتحول طبقة العمال من طبقة في ذاتها الى طبقة لذاتها في عملية تطور الرأسمالية عينها.

ماتزال المجتمعات الرأسمالية تواصل عمليات التمركز والتركز للثروة المجتمعية، وتعزز سطوة الرأسمال، غير ان تطور الطبقة العاملة لم يسر باتجاه الافقار المطلق. وأدت الثورات العلمية المتلاحقة، الى زيادة الانتاجية زيادة هائلة، وتحويل ثروات متزايدة (قوى عمل + وسائل انتاج) الى ميادين الخدمات (القطاع الثالث) والعسكرة (القطاع الرابع) وصناعة الثقافة (القطاع الخامس؟)، أدى حلول الآلات محل الجهد العضلي اولا، ثم الجهد الفكري للمنتج ثانيا، عبر الاتمتة، الى حصول اتجاهات جديدة في تطور البنية الاجتماعية:

تقلص العمل اليدوي، تقلص الطبقة العاملة، اتساع الفئات الوسطى.

ان توقع ماركس باتساع الطبقة العاملة ظل يتحقق منذ مطلع الرأسمالية (اواسط القرن السادس عشر) حتى منتصف القرن العشرين. بتعبير آخر ان “القوانين” التي رصدها ماركس عملت لفترة، وهي، كما قال ماركس “ميول” وليست قوانين، فالقوانين ثابتة لا تتغير، والميول تتعدل وتتحور.

ولدينا الآن ظاهرة تقلص الطبقة العاملة في الدول الصناعية المستقرة، حيث نشأت الرأسمالية، وعدم تطورها بدرجة كافية في الدول النامية، حيث نقلت الرأسمالية. وهناك حالات وسطية ما تزال تشهد تحقق “ميول” المجتمع الرأسمالي كما رصدها ماركس في حياته.

هذا الوضع بالطبع يعطي الثقل الاجتماعي للفئات الوسطى، وتترتب عليه استنتاجات كثيرة ذات طابع عملي، متروكة للممارسين.

وبالطبع فان هذه الميول الجديدة ليست ازلية هي الاخرى. ولا يستطيع احد ان يعرف على وجه الدقة ما سيحصل للبنى الاجتماعية في حالة التوصل الى مجتمع مؤتمت، أي مسيّر بأجهزة آلية، ذاتية التنظيم والتفكير (على غرار نظم الكومبيوتر الفائقة)، وهل ان مثل هذا المجتمع يوصل احتدام العلاقة بين التملك الخاص للثروة، والطابع المجتمعي الشامل للانتاج، الى مدى اقصى، ويحل، في الوقت نفسه، مشكلة توفر المعلومات اللازمة لتنظيم المجتمع، او تسييره وفق خطة منظمة، بدل الفوضى الضاربة، مع ما يتطلبه ذلك من اعادة توزيع الثروة .

رابعا : الماركسية والنظرية الاقتصادية ..

يشكل هذا الحقل ألمع وأوسع وأغزر نتاجات ماركس، وتلاميذه، جيل كاوتسكي وبوخارين وهيرشفيلد ولينين، وسواهم.

ينطوي هذاالحقل على عدة مجالات:

المجال الارأس، أي الجوهري، وهو ما حاولت الالماح اليه سابقا، يقوم في هذا: ان نمط الانتاج الرأسمالي، القائم على مبدأ الربح (استخلاص فائض القيمة ـ المطلق اولا، فالنسبي لاحقا) لا يستطيع العيش بدون توسع (اعادة الانتاج الموسعة)، التي تتطلب توسعا في الاسواق (القومية والعالمية)، ويتحقق عبر التجارة الدولية، بتوسط الدولة (في القرون الاولى) وخارج قيود هذا التوسط  في عصر العولمة. يصف لنا ماركس في الجروندريسة(2) Grundrisse وفي الاجزاء المجهولة من رأس المال(3). ان الرأسمالية تتوسع باطراد، وتخلق بتوسعها القيود والعقبات الخالقة للأزمة، وتحفزها الأزمة على ابتداع حلول وطرق جديدة، فتخرج منها الى توسع أكبر واشد عنفوانا، ويخلق التوسع الجديد قيودا وعقبات جديدة، تستثير بدورها محاولات تجاوز، وهكذا دواليك، حتى تصل الرأسمالية (كنظام عالمي) الى نقطة يتعذر بعدها تجاوز عقباتها هي، فتدق عندئذ ساعة النهاية. هذه هي رؤية ماركس.

هذا النمط من التنبوء النظري يحيلنا الى السؤال الكبير الذي اثاره المؤرخ الماركسي بيتر جران:Peter Gran  ما هي الآماد الزمنية لمثل هذه العملية؟ قرن؟ قرنان؟ سبعة قرون؟ ويجيب: “نحن لا نعرف! لا ندري ان كنا في اواسط عمر التشكيلة الرأسمالية ام في اواخرها! وان القول بمرحلة اخيرة (عليا)، تخمين وحدس قد لا يصمدان امام الواقع.(4)”

يواجه الماركسي الواعي المشكلة التالية: ان آماد تطور التشكيلة لا تحسب على غرار آماد حياة البشر. لكن الوعد الثوري بتجاوز التشكيلة الرأسمالية يواجه محنة المصالح المادية الآنية للحركات والطبقات الثورية، فهي تريد تحقيق انجازات، هنا، الآن، وليس انتظار وعد (قد يكون بنظرها مجرد يوتوبيا). هذا الاحتدام بين الآماد (المدة) الموضوعية للتطور، والآماد المحدودة للحياة البشرية يصح هنا على المفكرين، كما يصح على قادة الحركات وانصارها. هذا التضاد يدفع الى تفكير رغائبي، الى “تمنيات” بـ”قرب النهاية”. لعل مثل هذا التضاد يقف وراء القول بأن “الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” (قد تكون مرحلة وسيطة)، او يقف وراء قول ستالين بامكان بناء الاشتراكية خلال حياة جيل واحد (حياته هو)، او قول (زعم) خروتشوف بأن بناء الشيوعية سيكتمل في التسعينات (من القرن الماضي اثناء رئاسته طبعا).

وضع ماركس صورة (تنميط نظري او نمذجة) للرأسمالية الفردية كما نشأت في بريطانيا، وتنبأ بتحول ملامحها باتجاه الاحتكار. ووصف، معتمدا على الوقائع التاريخية وليس على الحدس، نموذجين لصعود نمط الانتاج الرأسمالي: صعود الحرفي الصغير، او صعود التاجر (أي اما من دائرة الانتاج، او دائرة التداول). ولو قيض لماركس ان يعيش حتى اواسط القرن العشرين، لوسع نموذجه الى عدة انماط :

2ـ أ ـ النمط الفردي/ الرأسمالية الفردية.

2ـ ب ـ رأسمالية الدولة.

2ـ ج ـ الرأسمالية القرابية.

2ـ د ـ خلائط او هجائن من أي اثنين، او حتى هذه الثلاثة.

اذا كان نمط الرأسمالية الفردية مفهوما، فان رأسمالية الدولة انطلقت من البلدان التي جاءت الى الرأسمالية متأخرة بعض الشيء (المانيا، ثم روسيا)، وقد سخر انجلز من الاشتراكيين الالمان، الذين ظنوا ان “قطاع الدولة” هو “بناء اشتراكي”. (راجع مقالته عن قضايا السكن وغيرها من الامور في المانيا).

تكشف لنا رأسمالية الدولة والرأسمالية القرابية عن هجائن فرضها التطور (على شكل خطر عسكري من دول متطورة، او منافسة تجارية حادة). اما تطور الرأسمالية القرابية (اندونيسيا، السعودية، ودول اخرى) فيكشف لنا ان نقص المؤسسات الاجتماعية والقانونية الحامية للملكية، ونقص تطور المؤسسات المجتمعية الحديثة، يدفع باتجاه الاحتماء بشبكات القرابة (حتى على مستوى الحرفي الصغير).

لهذه الانماط، او خلائطها تمايزات عديدة، ونتائج سياسية خطيرة. منها ان شكل رأسمالية الدولة لا يسمح بتطور المؤسسات الديمقراطية بل يعيقها، ويعيق بالتالي، تطور الرأسمالية نفسها في المدى البعيد. اما النمط القرابي فانه يضيف الى ذلك عوائق اخرى اجتماعية وثقافية .

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply