بقلم : سلام أبو شالة
في لُبِّ الخَيرِ وُلِدتَ، تَرَعرَعتَ يتيماً مع شقيقتُك في كَنفِ الوالدة، جَالت رؤيتُكَ باكرةً في الجمال الباهر لتتركَ لدى أحاسيسِكَ أجملَ انطباعٍ وأرقَّ المشاعر .
هنا قِبَالَةَ بيتِكَ يقف جبلُ “سِنِّيرُ” شامخاً يتمايلُ مع “جبلِ الشيخِ” بلِحيتِهِ البيضاء؛ على لَحنِ أغنية “المُوليّا” وهُناك من على السطحِ يتَّحدُ في الأعالي غَيمُ “الجبل الشرقيّ” مع قمة “عين نسور”.
تعلَّمتَ المعرِفةَ الأولى في دُروبَها التُرابيّة الصغيرة.. حيثُ حروف المُفردات الآراميّة لأسماء أزقتها وأمكنتها: آدوبا؛ شِحرايا؛ قَلعةِ الكوكو؛ عين وطايات؛ تُغازِل في سهلِ الزبداني مياَه نهر بردى “وسُمّيَ بالآراميّة هكذا.. لبرودةِ مِيَاهِه”.
من “كفرِ عامر” أصغيتَ للحَسَاسِين؛ وحضرتَ عُرسَ عصافير التين؛ وسَهرتَ على قصيدةٍ تكتُبها ليلاً لحبيبتُك على زُبالةِ سِرَاجِ الزيت .
نَسجتكَ الزبداني يا أبي من تُربَتِها، فكُنتَ كَريماً مِعطاءً كالأرض التي لا تنتظر من أحدٍ جميلاً، شَهِدَت أياديكَ البيضاء على شفافية ِ روحِك في العطاء والمساعدة؛ وفي إيثارِ الغَيرِ حتى على حسابِ نفسِك .
سَكنتَ في دمشقَ حيث وظيفتُك؛ وخرجتَ منها نظيفَ الضمير واليدين.. لكنَّكَ لم تبخل بزيارةِ الزبداني كلَّ خميسٍ في عطلة نهاية الأسبوع صيفاً أم شتاءً.. قُلتَ لي مرّةً وأنتَ تبكي :
– إذا لم أزُر الزبداني كلَّ أسبوعٍ، أموت. لا أدري الآن.. إذا كانت شجرةُ “الأكي دُنيا” في حديقة دارِك في “عينِ الحِمَّةِ” ما تزالُ تُورِق، وبذور “الشابّ الظريف” المختلفِ الألوان في الحوض الترابيّ قد أينعَت مع الربيع .
ما زلتُ أذكرُ طعمَ الشايّ الذي تُعِدَّه وتصبَّه في كؤوسٍ كبيرةٍ بدون سُكَّر، ثم تغلي القهوة بيديك وأنتَ تقول لي مُبتسماً :
– إنها قهوة أهلا وسهلا يا سلام .
بحثتَ في تُرَاثِ بلدتِكَ طويلاً؛ دوَّنتَ كلَّ شيءٍ تستطيعُ تدوينَه؛ وكأنّ هاجساً خفيّاً أخبركَ بأنها ستُصبِحُ أنقاضاً في يومٍ ما، سيختفي تراثها وسيأتون إليها بأناسٍ غرباءٍ بدلاً من أهلها.. يُرِيدون عَمداً طَمسَ تُرَاثها المُتجذِّرِ منذ آرام الأولى .
ألستَ مَن جَمَعَ هذه الزُغرودة الجميلة؛ ودَوَّنَهَا على لسانِ نبتةِ البنَفسِج الزَبَدانِيّ :
قال البَنَفسَج أنا سُلطان بَرِّيه عِرقِي زغِير وريحَه طَيبِّه فِيِّي أنا قَتيل واحِد ماني قَتيل مِيِّه قَتيل أُم الحَلَق تَحِت الِعبَيدِّيه .
الزبداني التي تعشقها وتُغازِلُهَا يا أبي بقصائِدك وقِصصِك؛ لا تستطيعُ اليومَ أن تحتضِنَكَ بالرغمِ من حُزنِهَا عليك؛ فقد خَلَت من أهلِها؛ ولن تَجِدَ فيها من يُشَيِّعُكَ إلى مقبرة “النبي عبدان” حيث مَرقِدُ والدتك .
على الرغم من كلِّ شيء يا أبي؛ وبرغمِ الفُقدانِ والخساراتِ والتهجير والتدمير واللجوء، ثمَّة أمرُ واحدٌ يُعزّيني في غِيابُك، أَنَّكَ بقيتَ للأبدِ في دمشقَ؛ بينما تهجّرَ الزبدانيّونَ إلى جِهَات الأرضِ الأربعِ.. بعيداً عنها .

Social Links: