حوارين …. واحة تذكرها التاريخ ونسيها المؤرخون !

حوارين …. واحة تذكرها التاريخ ونسيها المؤرخون !

بقلم : خالد عواد الأحمد 

على تخوم البادية السورية خارج ما يُعرف بخط المطر تقع قرية صغيرة في مساحتها الجغرافية ولكنها غنية بالمعطيات التاريخية وبالأوابد الأثرية التي تدل على عراقتها الاستثنائية وهي أشبه بواحة غنَّاء تذكرها التاريخ ونسيها المؤرخون إنها قرية “حوارين” التي تُعد إحدى الواحات (المناظر) على الهامش السهلي المنفتح على البادية السورية، سميت باليونانية ( أواريس ) ويُعتقد أن لفظة “حوارين” محورة عن كلمة الحواريين وهي لفظة حبشية معناها الرسل دخلت العربية بدخول الحبشة إلى اليمن والحواريون عند المسيحيين هم الرسل الاثنا عشر الذين انتقاهم السيد المسيح بين سائر تلاميذه 15403183_733435086814235_2099020840_nويُعتقد أن القرية تضم قبر أحد الحواريين وكان يقصدها الناس من كل الأديان والبلدان قديماً للإستشفاء كما جاء في كتاب آثار البلاد وأخبار العباد لزكريا بن محمد القزويني (المصدر- كتاب آثار البلاد وأخبار العباد ، تأليف زكريا بن محمد القزويني، دار صادر، دون ذكر رقم الطبعة أو تاريخها )، ويتحدث الباحث روبرت وود في كتابه ( آثار تدمر ) عن حوارين قائلاً : وجدنا فيها بعض الآثار التي تدل على أنها كانت موقعاً هاماً فيما مضى من أيام ففيها رأينا برجاً مربعاً ذا فتحات دفاعية ونظن أن تاريخ إقامته كانت قبل حوالي ثلاثمائة سنة كما وجدنا فيها كنيستين منهارتين ولربما تعودان للفترة نفسها تغنى الشعراء بهوائها العليل فقال أحدهم :

يا ليلة لي بحوارين ساهرة                             حتى تكلم في الصبح العصافير

سكنها الآراميون والعرب منذ القديم و بقيت الآرامية فيها جلية إلى زمن متأخر وقد عاب الحجازيون من يناسبهم فقال زفر بن الحارث يهجو عمر بن الوليد بن عقبة :

نبأت ، عمرو بن الوليد يسبني                        وعمرو أستها للصالحين سبوب

وكل معيطي إذا بات ليلة                               إلى شربة بالرقمتين طروب

عليك بحوارين ناسب نبطها                            فمالك في أهل الحجاز نسيب

كما وردت في شعر بن عرادة التميمي الذي هجا يزيد بن معاوية قائلاً :

أبني أمية إن آخـــر ملككم                             جسد بحوراين ثم مقيـــــم

طرقت منيته وعند وساده                                كوب وزق راعف مرثوم

ومرنة تبكي على نشوانـه                                بالصنج تقعد تارة وتقــوم

” فُتحت حوارين من قبل القائد خالد بن الوليد عام (13 ) للهجرة وهو في طريقه من العراق إلى اليرموك بعد أن اجتاز أرك ودومة الجندل وقصم وتدمر والقريتين ليتابع بعدها إلى مرج راهط شرقي غوطة دمشق” ( كتاب خطط الشام ، محمد كرد علي ، الجزء الأول ) وتضم حوارين اليوم عدداً من الأوابد الأثرية ومنها الدير الذي تحول إلى قصر أيام الأمويين ويسميه أهل القرية اليوم حصن حوارين إضافة إلى سبع كنائس قديمة لا تزال اثنتان منها قائمتين، منها واحدة يسميها أهل القرية كنيسة جعارة التي ما زالت جدرانها قائمة ومساحتها تقدر بستمائة متر مربع، و ربما كانت هيكلاً وثنياً في عهد الرومان ثم حولت إلى كنيسة وهي مبنية بحجر كلسي كبير الحجم تبعد عن القرية 500 متر لا تقل سعة عن الكنيسة الثانية التي تعرف بكنيسة الرهبان 15356149_733435533480857_1816990574_nو تتألف كنيسة جعارة من صحن مركزي مستطيل و رواقين جانبيين وهيكل من الشرق وغرفتين على جانبي الهيكل واستخدمت فيها من الجانب الشرقي قواعد و تيجان قطرها 120 سم و ارتفاع الجدران 4 أمتار وقد قامت دائرة آثار حمص منذ سنوات بترميمها وفق مخطط مدروس، أما كنيسة الرهبان فهي مبنية من الحجر الكبيرالحجم والمستطيل الشكل وتضم فناء واسعاً في وسطها ومداخل من الغرب والجنوب والشمال وهي كنيسة كبيرة جداً يقوم بجانبي صحنها المركزي رواقان وهيكل من الشرق استعملت في بنائها تيجان بديعة من الداخل و الأعلى ولا تزال جدران الغرف الجانبية للمدخل والحنية قائمة فيها ونظراً لأهمية القرية أثرياً وتاريخياً دأبت المديرية العامة للآثار والمتاحف على كشف معالمها عن طريق تشكيل بعثة تنقيب وطنية منذ أكثر من عشر سنوات و ما تزال تعمل بشكل دوري و منهجي في حوارين و مدينة القريتين أيضاً .

وتم العثور على مكتشفات أثرية هامة عبارة عن تحصينات متقنة من العصر الروماني تشير إلى هندسة وقوة التحصينات المتعلقة بالمنطقة الشرقية من سورية كما عُثرعلى أقنية ري من العصر الروماني بالإضافة إلى التعرف على مجموعة من الأبنية البيزنطية التي تدل على أهمية الموقع وتم كذلك تتبع السكن فيه حتى الفترات الإسلامية. سجن أم معبد وثني !

15356967_733443663480044_1926812277_n

من المعروف أن اليونان والرومان ومن بعدهم البيزنطيون أقاموا خطوطاً من التحصينات اسكنوا فيها حاميات ألقوا على عاتقها مهمة الدفاع عن حدود الدول التي كانوا يحتلونها وتتكون هذه الحاميات من قلاع ومن حصون ( أبراج ) وخطوط التحصينات هذه هي ( المناظر ) عند العرب و ( المسالح ) بالنسبة لغيرهم ومن الشواهد العريقة على تلك الحاميات الحصن القائم في حوارين شاهقاً بارتفاع يربو على العشرة أمتار بجدرانه الأربعة لم يفقد سوى السقف وقد بُني هذا الحصن على شكل مستطيل طوله (30) متراً وعرضه (25) م, مقسم من الداخل لقسمين كل قسم يحتوي ثلاث غرف مقابلة لبعضها وفي وسط الحصن ساحة وبئر للشرب محفور في الصخر و لهذا الحصن بابان أحدهما مصنوع من حجرة واحدة تفتح وتغلق بدقة تامة وعليه نقوش كثيرة وصليب منحوت بشكل مزخرف ووسط الحصن كان يوجد درج لكنه تهدم بسبب ظروف الزمن وقد أصبح هذا الحصن الذي شيده الرومان قلعة بيزنطية حيث يروى أن يزيد بن معاوية اتخذه قصراً له يقضي فيه أيامه الجميلة …‏‏

وفي أعلى نقطة في ناحية مهين التابعة لها قرية حوارين بناء أثري كبير مبني على الصخر يدعونه سجن حوارين تدل هندسته على أنه لم يكن سجناً بل معبداً وثنياً اتخذ ككنيسة في عهد البيزنطيين و لا يزال فيه عدد من الأعمدة والأفاريز المنقوشة و حجارته ضخمة و طول جداره 12 متراً و عرضه 10 أمتار و قد ألحق فيه بناء لتحصينه بأبراج مربعة .

15328283_733440433480367_800017588_n

قصر يزيد بن معاوية !

ارتبطت حوارين بحادثة هامة في التاريخ فحينما كان العرب الغساسنة يحاربون إلى جانب البيزنطيين ضد الفرس في الحرب، وعندما رأى البيزنطينيون خروج المنذر ملك الغساسنة على طاعتهم أصدروا أمراً سرياً إلى حاكم الشام ( ماكنوس ) صديق المنذر بالعمل على قتله وصادف ذلك أن دُعي ماكنوس على تدشين كنيسة في حوارين فكتب يدعو صديقه المنذر إلى ذلك الاحتفال وعند مثوله للدعوة قبض عليه وأرسله مخفوراً إلى القسطنطينية حيث أُجبرعلى الإقامة فيها مع إحدى نسائه وبعض أولاده وبناته وذلك في عهد القيصر طباريوس عام 582 م ثم نفي إلى صقلية في ذات العام وبعد رحيل ماكنوس عن حوارين هاجمها النعمان الابن الأكبر للمنذر واستولت عساكره عليها وقتلوا بعض أهلها واسروا قسماً من الباقين ثم عادوا بغنائم كثيرة إلى البادية للاحتماء بها من هجمات الروم .

وفي العصر الإسلامي الأول كانت حوارين مجرد قرية صغيرة نائية منعزلة ولكنها على بعدها من العمران والحضارة كانت ذا شأن15423590_733435726814171_1345979412_n كبير من الناحية السياسية والجغرافية ويروى أن الخليفة يزيد بن معاوية كان يصطاف بها لأنها مرابع أخواله الكلبيين وبها مات عام 64 للهجرة 680 م ويذكر المؤرخ المسعودي” أن يزيداً ابن معاوية كان له قصر في حوارين يعيش فيه مع أمه ميسون المحبة لحياة البادية ولا تزال في حوارين آثار رومانية تنبىء عن قصر فخم كان يرتاده يزيد ويقضي أيامه فيه عند نزوله فيها زائراً ولا يزال أهلها يطلقون عليه اسم قصر يزيد ” وأغلب الظن انه كان قصراً رومانياً قديماً لأحد قواد الروم غلب عليه العرب في فتوحاتهم واستقر فيه يزيد لما كان ولياً للعهد فملكاً بعد أن أصلحه وتعهده واخذ يزيد على نفسه أن يلتمس الراحة فيها منذ كان ولياً للعهد بعد أن استولى خليفة على الإمبراطوريات العربية محاولاً أن ينعم بهذه الطمأنينة العذبة التي لم يكن يجدها في قصر (الحضرة) في دمشق فيقضي في حوارين بين فترة وأخرى أياماً في صيد وعبث وتسلية .

 

ملاحظة : الصور خاصة وهي بعدسة كاتب المادة

  • Social Links:

Leave a Reply