بقلم : أحمد منصور
الكثيرون هم من اعتقدوا أن ما حدث في مناطق حلب الشرقية مؤخراً من شأنه أن يوصلنا إلى نتائج مأساوية، من خلال حالة عدم قدرتهم على قراءة المعطيات الإستراتيجية بواقعية تعكس حقيقة تراجع فاعلية الأدوار السورية الرسمية والعامة وعدم تواجدها في أروقة البحث عن الحلول وصناعة القرار من اجل سوريا، وعلى الأخص بعدما خرج هذا القرار من يد السوريين. وهناك أيضاُ من أعتبر أن ما يحدث هو إنهاء لثورة السوريين، وكأن خيار السلاح الأيديولوجي والميليشياوي متعدد الشرعيات والولاءات والوظيفة يختزل ثورة السوريين وأن ذلك السلاح يعبر عن طموحاتهم !. متناسين بذلك أنها ثورة مجتمع وانفجار مجتمعي متراكم عند أطياف متعددة من السوريين بفعل عمق المظلومية الواقعة عليه وليست ثورة مناطق وأيدلوجيات كما يسميها ويطلق عليها البعض الآخر، أن هذا التخبط الحاصل من شأنه أن يكشف لنا نحن السوريين حقيقة من شاركوا في زيادة مأساتنا وتحديداً من تساقطت أقنعتهم وبدؤوا في ممارسة رياضة القفز من سفنهم المتهالكة ليعكس ذلك النتائج السلبية للتبعية وحالات الارتهان والولاءات للأجندات والتي كان من شأنها زيادة قهر ملايين السوريين وإطالة عمر مظلوميتهم، كتعبيرٍ عن المطامع والمصالح الحزبية الضيقة الأنانية و الآنية. أليس هذا من شأنه ان يضع تلك الثلة تحديداً ضمن خانة الشريك في تدمير سوريا مع عصابة الطغمة المتعفنة التي كان قرارها منذ اليوم الأول الأسد أو نحرق البلد. فأصبح القرار أيضاً في المقابل نحرق البلد مقابل الأسد .
كما ظهرت لنا شخصيات ممن يمتلكون القدرة على المواربة والتخلي السريع عن مبادئهم التي لطالما كانت بالأمس قد أطربت أسماع المتعصبين والمؤججين لعنفية الصراع الذي وصلت أليه البلاد بالتلويح لمؤتمرات وطرح أسماء وشعارات جديدة لمشاريع تحت مسميات الوطنية والخلاص للمواطن أن هؤلاء ممن يمتلكون القدرة على التخلي السريع عن مواقفهم ويحسنوا استخدام فن الالتواء نحو اتجاهات بالأمس القريب كانوا يخونوا ويتهجموا ويصفوا من تعاطى وألتقى مع تلك الاتجاهات بالخيانة _روسيا وأيران_ فهل هذا يندرج تحت أسم العمل السياسي أو أن هناك تسمية لهذا تحت بند شخوص النفاق السياسي والمجتمعي والذي لا يمتلك الحد الأدنى من التمتع بالمواقف الأخلاقية.
كل أولئك السابق ذكرهم وغيرهم ممن يقف في الطابور ينتظر اتجاه الريح ليسدلوا أشرعتهم ويسيروا معها أن جميع هؤلاء تناسوا أن هناك رغم ما حدث ويحدث تواجد عميق لصيرورة الإرادة الحية لدى الكثيرين بل الملايين من السوريين الراغبين بإحداث التغيير والوصول إلى إجراءات التغيير الحقيقي نحو دولة مدنية تعددية يحكمها الدستور وتسودها القوانين ويعلو فيها شأن المواطنة والحقوق الإنسانية.
وفي النظر إلى كل ما حدث وكما قلت أنه سيحدث نجد بأن شأن تلك المحصلة أن تصلنا إلى عدة توقعات لشكل الفعل القادم وفي مقدمتها استئناف العنف الطائفي والمذهبي، وهذا في مقدمة الاحتمالات الحاصلة، إذ لو عدنا إلى ما تم أحداثه من مراوح منقوصة -مروحة الفصل الأخير- لوجدنا أن المشرفين -اللاعب الإقليمي والقوى الدولية المؤثرة- والتي تقوم على التمهيد لآليات الحل ما زالوا مستمرين بالتلاعب في تلك الورقة من خلال إعلامهم وأقلامهم الوظيفية، ونتيجة لذلك، سيستمر قتل الكثيرين قبل وأثناء تفعيل آليات ذلك الحل ومن الممكن أن يشمل ذلك مصالحات أخرى في أماكن ليس من المتوقع أن يحدث فيها ذلك، وهنا لا يوجد أي عذر أو تبرير لمقتل المدنيين بل توجد إدانة نتيجتها عدم وجود مؤسسات وطنية كمرجعية شرعية واحدة تعبر عن شعارات ثورة السوريين وقادرة على تحمل مسؤولياتها الأخلاقية. واللاحق في تلك الاحتمالات لشكل الفعل القادم هو ظهور مؤسسة وطنية ضامنة وقادرة وتستظل تقاطعاً دولياً مُحتملاً في لحظة الحرج من هذا الصراع الدموي الممتد. وهذه المؤسسة عمادها الأساسي قوة عسكرية منظمة ومحترفة تقطع الطريق على كل التعبيرات الميليشياوية والطائفية في جانبي الحرب وتستند إلى حوامل مجتمعية مدنية وسياسية لم تتورط سابقاً وخلال الست سنوات في أيّ من الهدر لدماء وحياة وموارد وطاقات السوريين. تستند تلك المؤسسة إلى مخارج مؤاتية قد لا يكون قريباً أوانها وبالتأكيد ذاك الأوان تحدده موازين القوى التي ترتسم ملامحها عبر تفاهمات تُنجز تباعاً على إيقاع الحرب، وتُنجز على إيقاع تهالك وتهشم تلك القوى التي لما تزل تمتلك القدرة على دك الإسفين في جنبات صندوق التسويات كما تمتلك أصابع تعبث دوماً وتتحرك في الظلمة.
أن إرادة سورية تُعبر عن صرخة ملايين السوريين بوقف نزيف دمهم ودك بلداتهم ومدنهم بالصواريخ والقنابل وتُعلي الصُراخ عالياً ” أنقذونا “. تلك الإرادة التي تقف في وجه الحرب ستكون حتماً عاملاً حاسماً تُعجل في أوان تلك اللحظة المؤاتية.

Social Links: