كنتُ الوحيدَ الذي سَمَحَ له جَدِّي الإدلبيّ؛ أن أستعيرَ من مكتبته؛ ورأيتُ فيها كتباً عليها خَتمُ: نادي إدلب الأدبي؛ تأسَّسَ عام 1920؛ بعد إغلاق الفرنسيين له؛ بحُجَّةِ مُسانَدَةِ أعضائِهِ لثورة إبراهيم هنانو.
قيل لي بأنّ جَدِّي اسماعيل كان وَهَّابِياً؛ فما وجدتُ دليلاً على هذا في مكتبته؛ بل إنِّي قرأتُ منها كتابَ قاسم أمين عن تحرير المرأة؛ فوجدتُ ملاحظاتٍ وأسئلةً.. كتبها جَدِّي على هوامش الكتاب بالقلم الرصاص؛ حول تحرُّرِ المرأة في الشرق؛ ما تزال أغلبُ أسئِلَتِها بلا جوابٍ حتى الآن!.
الكُتبُ وَحدَهَا.. لا تجعل المَرءَ مُتعصِّباً أو مُتطرِّفاً؛ وإنما أيضاً: الأُسرةَ والمُجتمع؛ وبخاصّةٍ حين يكونُ النظامُ السياسيُّ استبدادياً؛ فالاستبداد بحسب الكواكبيّ يُولِّدُ الفسادَ أيضاً؛ كما يُولِّدُ التطرُّف.
لكن الكتبَ وَحدَهَا؛ حتى في عصور الظلام؛ تُنِيرُ عقولنا؛ حين تتوالدُ فيها الأسئلة.
يموت العقلُ.. حين يظنُّ صاحبُهُ بأنّه قد امتلكَ كلَّ الأجوبة.
مات جدّي إسماعيل.. وبقيت مكتبته؛ وبقيتُ الوحيدَ الذي أستعيرُ منها؛ حتى انتسبتُ إلى جامعة حلب؛ مطلعَ الثمانينات التي كان ساحةَ صراعٍ مُسلَّحٍ وغيرِ مُتكافىءٍ؛ بين نظام الأسد وبين الطليعة الإسلاميّة المُقاتِلَة؛ التي مَوَّلَهَا بعضُ تُجَّار حلب وحماة ودعمتها قوى إقليمية؛ بعد أن عَقَدَ تُجَّارُ دمشق حلفاً مع الحاكم الأسديّ الجديد؛ فتخاطفوا امتيازات الاستيراد والتصدير وتقاسموها مع بِطَانته.
كُنَّا بينَ أمرين.. أحلاهُما مُرٌّ؛ بين استبدادِ حاكمٍ عسكريٍ انقلابيّ؛ وبين ميليشيا دينيّةٍ مُسلَّحة.. بدأت معارِكَهَا بمذبحةٍ طائفية: في مدرسة المدفعية في حلب؛ وكنّا لا نُريدُ كِلَيهما؛ فإسلامنا السوريُّ المُعتدِل لا يتقبَّلُ فكرةَ قتلِ الآخرِ لمجرَّدِ أنّه آخرٌ مُختلِف؛ وعقلُنا السوريُّ المُعتَدِل.. لا يقبل بالردِّ على بضعةِ مُسلحين بمجازرَ مُروِّعّة للمدنيين في حلب: حَيّ المشارقة.. تحديداً؛ وفي أريحا؛ وجسر الشغور أيضاً؛ وكان أكثرها وحشيةً في حماة؛ حين اختار النظامُ الأسديّ الحلَّ الأمنيَّ الكريه؛ وبدأ بقصف المُدُن وبمُحاصَرَة سواها لتفتيشها؛ ومنها إدلب.. فيما كان يُسمَّى وقتَ ذاك: التمشيط.
كنتُ في حلبَ.. وقتها؛ و كانت خالتي العانِسُ تعيشُ مع جَدَّتي في بيت العائلة؛ وحينَ بَلَغَهَا خَبرُ تطويقِ “الفرقة الثالثة” للمدينة بحثاً عن الأسلحة والمُسلّحين الإسلاميين؛ خافت من أمرين: من الجيش الأسديّ الذي سبقته أصداءُ مجازِرِه؛ ومن مكتبة والدها.. في آنٍ معاً!.
كان في بيت جدِّي حَمَّامٌ على الحطب؛ و لطالما تركتُ حَمَّام بيتنا الذي يعمل بالمازوت؛ وتحمَمتُ فيه.. مُستمتعاً بنارِ الحطب؛ وبالرائحة المُميزَة لخشب الزيتون؛ وهو يحترق بطقطقةٍ إيقاعيّة.. تختلط بالبخار وبنكهة الغار في الصابون الإدلبيّ.
لم تجد خالتي سبيلاً لخوفها.. سوى بِتَلقِيمِ ذاكَ الحَمَّام العتيق بكُتُبِ جَدّي.. كتاباً تلوَ كتاب؛ ثمّ فتحت صنبور الماء الساخن حتى لا ينفجر “القاظان”؛ فاختلط البخارُ بنارِ الحروف.
من بين الكتب التي أخافت خالتي: كتابُ “طبائع الاستبداد” لعبد الرحمن الكواكبي؛ ومقدمة ابن خلدون؛ وكتاب الأغاني كاملاً؛ وطبعة “بولاق” من ألف ليلة وليلة؛ وكتب طه حسين وسيد قطب وجبران خليل جبران وسلامة موسى ومحمد عبده وميخائيل نعيمة؛ وبالطبع رسالةُ الغفران لأبي العلاء المعري ونهج البلاغة والبخلاء للجاحظ.. وسواها من الكتب المُترجمة لكُتّابٍ من مختلف التيارات والفلسفات والمدارس الأدبية؛ ممَّا لا يتسع المجالُ لِذِكرِها جميعاً.. لكنها كانت دليلَ تنوُّعٍ وانفتاح؛ بينما كنت أسمع من خالتي.. بأنّ جدِّي كان وَهَّابياً؛ فأضحك من توصيفها.. ثم عرفت بأنه كان في مطلع شبابه مع استمرار الخلافة بعد التحرُّر من العثمانيين؛ ولكن عبرَ خلافةٍ إسلاميةٍ عربيةٍ تبدأ في بلاد الشام. قلت لخالتي.. بعد حرقها لمكتبة العائلة:
– إذا كان جدِّي وَهّابياً كما تقولين؛ فكيف احتوت مكتبتُهُ على كتبٍ فيها إلحادٌ صريح؛ وأنا قرأتُ كلَّ الكتب الإسلاميّة في مكتبة جَدِّي بما فيها: كُتبُ سيد قطب.. ولم أصبح وَهَّابياً؟!.
كانت كلمة: الوَهَّابية؛ فَزَّاعَةُ النظامِ الأسديِّ المُفضَّلة؛ يضطهد بها مُعَارِضِيه؛ ويُخوِّفُ بها السوريين؛ ليُبقيهم خانِعينَ.. صَامِتين.
من المُفارقة.. أنّ إحراقَ الكتب تقوم به الأنظمةُ الاستبدادية؛ واللاهوتُ الدينيُّ المُتحالِفُ معها؛ خوفاً من انتشار عَدوَاهَا بين الناس؛ لكن أن يقومَ مُواطنٌ مَقموعٌ؛ مُستبَاحَةٌ حقوقُهُ؛ بإحراقِ الكتب.. خوفاً من عِقابِ تلك الأنظمة؛ على وجودِهَا في بيته؛ فهذا ما فَعلَتهُ خالتي فوزيّة.. بامتياز!.


Social Links: