Yonadam Yonadam
العلاقات الأمريكية الروسية تمر في حالة انقطاع، ولكل طرف تقييمه المختلف عن الأسباب التي أدت الى ذلك. فالمسؤولون في الإدارة الأمريكية يشيرون الى خطوة الكرملين التي أدت الى ضم شبه جزيرة القرم بالإضافة الى الحرب الخفية التي تشنها روسيا في شرق أوكرانيا، ثم هناك الحملات المتصاعدة ضد المجتمع المدني داخل روسيا والتلويح المستمر بالأسلحة النووية والاستفزازات العسكرية لحلفاء الولايات المتحدة وشركائها في أوروبا، بالإضافة الى تدخلها العسكري في سوريا للمساعدة في إبقاء دكتاتورية بشار الأسد الوحشية في الحكم.
كما يذكّر هؤلاء المسؤولون بمحاولة الكرملين الغير مسبوقة للتدخل في الانتخابات الأمريكية الأخيرة.
من المؤكد ان الرئيس بوتين والدائرة المحيطة به ينظرون الى الأمور بشكل مختلف، ففي أوكرانيا، تعتبر موسكو انها تصدت للمحاولات التوسعية من قبل الولايات المتحدة والناتو والاتحاد الاوروبي، وان واشنطن وحلفائها قاموا بنقل ونشر قواتهم قرب الحدود الروسية، وان الولايات المتحدة تدخلت مراراً في شؤون روسيا السياسية الداخلية، بل ان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلنتون، حرضت على الاحتجاجات المعادية للحكومة في موسكو في شهر كانون الأول من عام 2011، بالإضافة الى تدخل الولايات المتحدة في سوريا لإسقاط الحكومة الشرعية والتخلص من نظام لا ترضى عنه.
ان الهوة الواسعة بين الروايتين مثيرة للقلق لكونها ترفع مستوى التوتر والمخاطر من حصول صدام عسكري وترفع من حدة المواجهة الى ابعد من حدود أوروبا، وهذه كلها تمثل انعكاساً للسخط والاستياء الذي يكمن عميقاً داخل المؤسسة الأمنية الروسية، والذي من المؤكد انه سيبقى الى مرحلة ما بعد (بوتين). ان الاختلافات بين روسيا والولايات المتحدة عديدة ومتجذرة وليس من السهل إيجاد حلول لها.
ان التحدي الذي تواجهه إدارة ترامب هو ضرورة استخدام الحرفية والمهارة لإدارة الأزمة بين البلدين أكثر مما تستدعيه محاولة الحل النهائي للتوتر بينهما. فمحاولة استرضاء بوتين عن طريق تقديم تنازلات له من طرف واحد سيزيده اقتناعاً بقدرته على الانتصار ويشجعه على الاستمرار في سياساته الراهنة. ولكن اللجوء الى التحدي والمواجهة المباشرة سيؤدي الى ردود خطرة واستفزازية من قبل روسيا، ولهذا على واشنطن ان تنهج طريقا وسطاً، والذي يعني في هذه الحالة السعي الى التعاون مع موسكو من ناحية مع الاحتفاظ بإمكانية صدّها دون الوصول الى حالة الاصطدام.
من المؤكد ان الوصول الى مثل هذا الاستنتاج يتطلب وجود إدارة أمريكية تنظر الى روسيا بالطريقة التي تعاملت معها الإدارات السابقة: أي ان روسيا تمثل إشكالية من ناحية، بالإضافة الى كونها شريكا في قضايا أخرى متميزة تشكل تهديدا امنياً. ويبدو ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتطلع الى التخلص من المقاربات المعهودة التي توصل اليها كل من الحزب الديمقراطي والجمهوري بشكل مشترك في كيفية التعامل مع موسكو. وكما كتب على (تويتر) في شهر كانون الثاني الماضي:” ان المحافظة على علاقات جيدة مع روسيا هو شيء جيد وليس شيء سيء، وفقط الحمقى والناس الأغبياء يعتقدون ان العلاقة الجيدة مع روسيا هي سيئة”. وواصل ترامب تهكمه على المؤسسات الأمنية الأمريكية التي حذرت من الهجمات المعلوماتية وتدخلها في سير النظام الديمقراطي الأمريكي والتي كان ترامب يكيل المديح لقيادة بوتين اثناءها. ان سلوكاً كهذا قد يدل على ان لدى ترامب استعداداً مفاجئ للمصالحة مع روسيا والتراجع الدرامي عن سياسات أوباما، ومن الصعب تصور مدى المخاطر والاضرار التي ستؤدي اليها مثل هذه الخطوة ولاسيما على صعيد العلاقات الأمريكية الأوروبية وعلى امن القارة الأوروبية وعلى صعيد النظام العالمي الآخذ بالاهتزاز.

Social Links: