1. أمام المدرسة
كان حنظلة واقفاً مع عدد من أصدقائه الطلاّب.. يسألهم ويسألونه.. يلعب معهم ويلعبون معه…
فجأةً.. دوّى في الجوّ صوت طائرة.. هرب كل مَنْ حوله.. وضع يده على عينيه ليمنع أشعّة الشمس من مضايقته.. وبينما هو رافع رأسه دوّى انفجار.. خرّب نصف المدرسة.. واختفى حنظلة…
2. إلى بائع الفول
قاله له أبوه: اذهب يا حنظلة.. اشترِ لنا الفولَ المدمّس من عند صاحبنا أبي محمود.. همّ من مقعده.. حمل السطل النحاسيّ.. انطلق إلى الحارة المجاورة حيث دكّان أبي محمود…
ابتسم في وجهه.. فبادله التحيّة.. قال له: مَنْ عندكم اليوم على الفطور؟ قال: بيت عمّي.. وقبل أن يصبّ له الفول في السطل صبّتْ طائرة برميلاً.. صعقَ الأسماع.. ركض حنظلة: لم يعدْ هنا بيتي.. لم تعد هنا بنايتي.. لم يعد لي أهل ولا أبناء عمّ…
واختفى.. يبحث عنهم وهم في جوف الدمار…
3. في السيّارة
حنظلة في المقعد الأمامي.. إلى جانب سائق الميكرو.. يتبادلان الحديث.. فالشوق يغمر قلبَ كلّ من يعرف حنظلة…
– كيف حال خالتك؟
– قصدكَ أمّي الجديدة؟
– نعم.. نعم..
– بخير.. وهي التي طلبتْ منّي أن أذهب إلى الريف أيّاماً..
الدموع انهالت من عيني حنظلة.. ومن عيني السائق أيضاً.. فقد تذكّر عائلته التي لم يبقَ له منها سوى الذكرى!!!
فتح باب الميكرو.. ألقى بنفسه وهو يسير.. صاح في السائق: شكراً.. لقد وصلتُ…
4. مع البقرات
همّ حنظلة اليومي أن يلجأ إلى البقرات في القرية.. أيّ بقرات.. ينحني.. ويرضع من أثدائها مباشرةً.. لا يبخل أن يحلب لمن يشاء بقراته.. وهي لا تخاف منه بل تنصاع له كأنّه عجلها المدلّل..
وبعد أن يشرب ما يشاء له الله أن يشرب.. ينتهي من حلبها.. ويحمل السطلين الكبيرين.. ويوصلهما إلى بيت صاحبها…
همسَ في أذن البقرة:
– هل تدرين لِماذا أحبّكِ؟ لأنّكِ تطمئنّين.. وأنا عشتُ حياتي كلها بلا اطمئنان..
هزّتْ رأسها وكأنّها قد فهمت عليه..
وهل تدرين لماذا أنهل الحليب من ضرعكِ مباشرةً؟ لأنّ يد الغشّ لم تطاله بعدُ…
كان صاحب البقرات يستمع.. فأثارت غيظه هذه العبارات.. أحضر عصا غليظة.. وهمّ أن يهدّده بها ويترك البقرات…
اختفى حنظلة فجأة من أمامه.. ولم يعد له أثر في القرية كلها…
5. بائعا الزيت
كان حنظلة يقف وهو شابك يديه خلف ظهره، يتفرّج في سوق الجمعة، على البائعين والشارين.. أثار انتباهه صوت عالٍ لبائع زيت:
– بخمسين.. فقط بخمسين.. إنّه من شجراتي.. ومن أرضي وقريتي… زيت صاغ لا غشّ فيه.. ليس مثل زيت غيري…
أبحر حنظلة في ملامح الرجل.. إنّه من المدينة.. ومن الحيّ الجنوبيّ.. وهو لا علاقة له بقرية ولا بأرض ولا شجر… لماذا يفعل هكذا؟
تسمّر في مكانه يرقب الذين يشترون بحماسة.. وهو لا يملك أن يصرّح بالحقيقة…
انتهى الزيت.. وغادر البائع السوق..
تحوّل حنظلة إلى بائع آخر للزيت.. يجلس القرفصاء وأمامه أكثر من خمس تنكات.. وقد وضع فوق كلّ تنكة منها كأساً صغيرة مملوءة بالزيت… وهو ريفيّ يعرفه حنظلة.. ويعرف قريته بل حقله المليء بشجرات الزيتون..
وقلّة هم الزبائن الذين اشتروا منه لأنّ سعره سبعون…
قال حنظلة: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله…
6. على المعبر
رأى حنظلة أن يعبر الحدّ الفاصل بين المتحاربين.. ليذهب إلى الطرف الآخر.. وصل إلى الطرف الأوّل من المعبر.. سألوه:
– ماذا معكَ ؟ ولِماذا تريد العبور؟
– ليس معي شيء.. أريد أن أزور أقربائي…
نظرات متنقّلة متكرّرة لوجه حنظلة وبطاقته الشخصيّة.. ثمّ لم يجد نفسه إلاّ وهو يقول له:
– تفضّل.. اعبر.. في ستين داهية!
صمتُ حنظلة هو الجواب لا غير..
7. وسط المعبر
كانت نصيحة كلّ من حكى له أنّه سيجتاز المعبر: عليك بالاستعجال في الطريق بين الطرفين.. هناك قنّاص لا يرحم..
وبينما هو يهرول سمع طلقات رصاص.. ثمّ أمّ تنحني لتخطف ابنها الذي هو في العاشرة من عمره تقريباً وقد أصيب..
لم تتمكّن من مساعدته بسبب طغيان العاطفة عليها..
والتقطه حنظلة.. مزّق قميصه.. ربط جرحه.. وأخرجه بسرعة إلى الطرف الآخر…
8. الطرف الآخر
في الطرف الثاني من المعبر لم يتكلّم معه أحد.. امتدّت الأيدي إلى صدره ووسطه ورجليه.. ثمّ قالوا له:
– 200 ليرة..
– ولماذا؟
– ثمن فطور لنا… وعقوبة لكَ على إنقاذ من لا يقربك..
قال لهم:
– كم فطور تفطرون في اليوم الواحد؟ وهذا ابن بلدي ووطني..
جاءته صفعة أليمة.. ثمّ نهروا فيه:
– اذهب.. ادخل.. قبّحكَ الله!
كانت عينا حنظلة تدور على الأمّ وولدها الجريح..
يا الله الطف بحالهما وابعث له من يسعفه…


Social Links: