الدومينو الأمريكي الروسي والنقاط الضائعة ــ أسامة آغي

الدومينو الأمريكي الروسي والنقاط الضائعة ــ أسامة آغي

 

يمكن للمراقب السياسي أن يلخص الموقف الأمريكي الجديد من القضية السورية بعد شغل دونالد ترامب لمهامه في البيت الأبيض بأنه موقف لم تتحدد سماته النهائية بعد وهذا يعود إلى غياب إستراتيجية أمريكية واضحة حيال الصراع في سورية والتدخلات الإقليمية والدولية فيه .

إن الموقف الأميركي المعلن من نظام الحكم الإيراني ودور هذا النظام في تغذية وتأجيج الصراعات الداخلية في دول الجوار العربية لم يتحدد بعد فالإيرانيون يريدون تحويل الدول العربية التي أشعلوا فيها الصراعات إلى قواعد عسكرية واقتصادية تخدم الأهداف السياسية للإمبراطورية الفارسية التي يحلم حكام طهران أن تقوم وفق منظور ما تمت تسميته ب ” الهلال الشيعي ” الممتد من بحر قزوين إلى الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط .

الموقف الأمريكي أمامه معطيات متعددة ينبغي أن تندرج في حسابات راسمي الإستراتيجية الأمريكية وأول هذه المعطيات هو تركيا ومصالحها المتعددة في سورية ولعل منع قيام كيان كردي يمتد من المالكية إلى عفرين تحت مسمى الإدارة الذاتية هو في طليعة هذه المصالح فمثل هذا الكيان يهدد وجود الدولة التركية و تحديداً في خاصرتها الجنوبية الشرقية وهو أمر لا يتسامح به الأتراك ولن يقبلوا بحدوثه.

كذلك فالأتراك يريدون أن تبقى البوابة السورية مفتوحة أمام تجارتهم وعلاقاتهم الاقتصادية مع دول الشرق الأوسط وتحديداً مع دول الخليج العربي الغنية.

إن تركيا كدولة وازنة في المنطقة لا يمكن لراسمي الإستراتيجية الأميركية أن يتجاهلوا جغرافيتها السياسية وقوتها الاقتصادية الصاعدة و علاقاتها التاريخية مع حلف الناتو واستبدالها بدور يقوم به فصيل كردي هو ال PYDيخدم أجندات لمصلحة النظام السوري وحليفته إيران كذلك لا يمكن لراسمي الإستراتيجية الأميركية أن يتجاهلوا المصالح الخليجية في سورية والعراق وحتى في لبنان لذا لا تريد دول الخليج وهي الحليف التاريخي للولايات المتحدة أن تتمكن إيران من تثبيت نفوذها في هذه البلدان العربية وأن يتاح لها تنفيذ حلمها الإمبراطوري الذي سيهدد لاحقاً وجود أنظمة الخليج برمتها لا بل يهدد المصالح الإستراتيجية الأميركية في عموم المنطقة.

لقد أعطى الأمريكيون باستقبالهم ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مؤشراً جديداً لاتجاهات السياسة الأمريكية في المرحلة الترامبية سيما وأن اتفاقات ضخمة بقيمة 200 مليار دولار في مجال الاستثمار قد تم التوقيع عليها بين الأمريكيين والسعوديين .. يضاف إلى ذلك الموقف الصريح لأركان الإدارة الترامبية المعادي لإيران ونشاطاتها في المنطقة واعتبارها المصدر الرئيس للإرهاب الدولي .. وهذا الموقف سيجد تجلياته اللاحقة في الساحات التي شغلها الإيرانيون نتيجة الإحجام الأمريكي عن قمع النفوذ الإيراني في العراق وسورية ولبنان وحتى اليمن …

ولكن الموقف الأمريكي لم يأخذ صفة عمل ممنهجة بعد حيال الإيرانيين وإن كانت هناك مؤشرات أولية تشير إلى احتمال إشعال الوضع الداخلي في إيران من خلال إثارة جملة مشكلات أولها تغذية النزعات الانفصالية في الأقاليم غير الصفوية كالأهواز وبلوشستان .. وحتى في المناطق الكردية .. إضافة إلى زعزعة نظام الملالي الحاكم من خلال دعم المعارضة المعادية لسلطة المرشد ولتعزيز هذا الاتجاه ستلجأ الولايات المتحدة إلى فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية والعلمية والمالية وغيرها على الدولة الإيرانية الأمر الذي ربما سيصل إلى حدود ضربات عسكرية محددة الأهداف ترغب إسرائيل أن تتم لتدمير قدرات إيران النووية ..

الموقف الأمريكي لا يزال مشوشاً حيال العلاقة بين النظام السوري وحليفته إيران الشيعية .. فمن يعادي إيران ينبغي عليه تفكيك نفوذها في البلدان التي تحاول الهيمنة عليها .. والنظام السوري هو حليف حقيقي لإيران وبالتالي كيف تستقيم العلاقة بين طرد الإيرانيين من المنطقة وبقاء ركائزهم فيها.

على هذا المستوى يجب أن يتوضح الموقف الأمريكي من استخدام قوات ال PYD ضد داعش مع العلم أن الأمريكيين يدركون تماماً أن هذا الفصيل الكردي هو حليف للنظام .. وعلى ذات المستوى ينبغي فهم الغايات النهائية من زج ال PYD في معركة تحرير مدينة عربية هي الرقة أو بقاء هذا الفصيل في منبج … إن PYD تتلقى دعمها المالي والعسكري من إيران فكيف يتحالف الأمريكيون المعادون لإيران مع من تدعمه إيران؟

هذا التشوش في الموقف الأمريكي يحتاج إلى مراجعة حقيقية ولا أظن أن الأمريكيين يجازفون بخسارة دولة بحجم تركيا تجمعها معهم علاقات تاريخية لمصلحة تقوية جيب صغير يخدم أهدافاً لا تأتي ضمن مصالح شعوب وبلدان المنطقة .. إلا إذا كانوا يبيتون لشمل تركيا بالفوضى الخلاقة التي لم تنجح كما تخيل راسمو هذه الفوضى.

نستطيع القول الآن إن الأمريكيين ينخرطون بشكل مادي ومباشر بالصراع الدائر في سورية وهم من يرسم إستراتيجية الحرب على الإرهاب وتحرير الرقة … ولكن إلى أي حد تعتبر هذه الإستراتيجية صالحة وممكنة على المديين المتوسط والبعيد؟

تحتاج الإجابة على هذا التساؤل إلى رؤية أعمق وأشمل ومن حق المراقب للأحداث أن يضع إشارات استفهام حول الدور الأمريكي في سورية واعتمادهم على قوات الحماية الكردية في انجاز مهام عسكرية تخص العرب وحدهم.

أما الموقف الروسي والذي اكتشف أنه أمسك بورقة مهمة للتفاوض على الوضع النهائي في سورية ومنها ورقة حلب فهو ليس بوارد أن يبقى متصلباً حيال تطورات لاحقة يريد إنجازها السيد الأمريكي وقد عبر عنها السيد ديمستورا صراحة حين قال بضرورة أن تتم عملية الانتقال السياسي في سورية أولاً لتتمكن الحكومة الانتقالية الجديدة من وضع مسودة دستور جديد للبلاد تتم عملية استفتاء وطني عليه هذا الدستور سينظم الحياة السياسية في البلاد ويسمح بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في نهاية المرحلة الانتقالية لا يشارك فيها الأسد لا بل قد يكون غادر البلاد خلال المرحلة الانتقالية ..

الروس يناورون للالتفاف على معطيات القرار 2254 ولكنهم يضعون في حساباتهم أنهم سيقبلون في نهاية المطاف بما جاء في هذا القرار الدولي كطريق للحل في سورية ما داموا على الاحتفاظ بمصالحهم فيها وأول هذه المصالح بقاء قاعدتهم البحرية العسكرية في طرطوس واستمرار تسليحهم للجيش السوري إضافة إلى حصولهم على حقوق التنقيب والاستثمار عن الغاز والبترول في الساحل السوري.

لقد استفاد الروس من القضية السورية بأن أعادوا الاعتبار الدولي لسياساتهم كلاعب دولي لا يمكن تجاهله وهم فتحوا الباب على مصراعيه لتوريد الأسلحة إلى دول كثيرة.

إن الاعتقاد أن تكون الساحة السورية ملعباً لتفاهمات أمريكية وروسية جديدة هو اعتقاد يرتبط بأمور عديدة منها خروج إيران من هذا البلد وإضعاف الدور التركي إلى حد ما بما يتعلق بنهائيات الصراع في سورية.

الأولوية الآن هي لإعادة السلام إلى سورية ووقف شلال الدم فيها وبناء نظام حكم جديد فيها يمثل كل أطيافها ويعبر عن تطلعات شعبها في الحرية والكرامة ونبذ الاستبداد وهذا يتعزز بدستور وطني جديد يصوغه السوريون بأنفسهم دون تدخلات خارجية دستور يضمن قيام مؤسسات حكم حقيقية تنهض بالشعب السوري من الدمار الفظيع الذي ألحقه النظام بالبلاد.

إن اتجاهات المواقف الأميركية والروسية في سورية هي أقرب ما تكون إلى لعبة الدومينو التي يبدو أن الأميركيين قادرون على تسجيل نقاط كثيرة في مصلحتهم والأيام ستكشف من هو الرابح الرئيس في الدومينو السوري.

  • Social Links:

Leave a Reply