المعركة المفاجئة المجهولة الأهداف والتوقيت في طريقها للفشل، قياساً إلى مجريات معركة حلب. لكنها أفادت النظام الأسدي في استعادة عناصر خطابه الشعبوي الممانع، ففي نظامي الأب والابن، اعتمد النظام على تخويف السوريين من أمريكا وإسرائيل. ولايزال يستخدم الخطاب نفسه حتى بعد انفضاح الكذبة الأولى، مستبدلاً التخويف من إسرائيل بالتخويف من داعش وأخواته، كمرشح بديل لحكم سوريا، حسب خطابه!
لكن، في بلد مثل سوريا، ليس للشعب تأثير في بقاء الحاكم، أو زواله، حتى يكون للخطاب الشعبوي ذلك الدور. هذه الحقيقة أثبتتها “صناديق اقتراع” الأسدين قبل الثورة، ويبدو أنها صحيحة، أيضاً، بعد الثورة. فمن الخطأ القول إن الأسد باق لأن له كثيراً من المؤيدين، كما ثبت أن كثرة المعارضين له لم تجبره على الرحيل.
عناصر بقاء الديكتاتور، بإغفال تعقيدات المشهد، عسكرياً وسياسياً، أي بغض النظر عن استيراد الميليشيات الإيرانية واللبنانية والعراقية، تتمثل في البنية الصلبة التي أسسها حافظ الأسد، بشراء ذمم فقراء الطائفة العلوية، وتكوين أجهزة أمنية مطلقة الولاء من الطائفة أولاً، ومن حلقات المصالح المقربة منه، بدرجة أقل كثيراً.
كما أن عناصر تخبط المعارضات السياسية تتلخص في فشلها في تقديم الكفاءات الإدارية لإدارة الصراع السياسي الذي يدور في مكاتب الدول الداعمة لها أكثر مما يعتمد على قنوات الحوار التي لم تكن موجودة مطلقاً بينها وبين النظام.
وينطبق الأمر نفسه على الفصائل المسلحة التي لا تمتلك مشروعاً سياسياً، مثلها مثل المعارضات السياسية. فهي غير مرشحة لتحقيق نصر عسكري يفرض إرادتها، كما أنها لا تمتلك الخبرة، ولا المؤهلات، حتى لقيادة نفسها، كشركة خاصة. وبالتالي، سيتضاءل احتمال أن يدير أحد قادتها بلداً مثل سوريا، إنْ في مرحلة انتقالية، أو بعد استقرار الوضع الأمني والاقتصادي فيها، في زمن ما بعد الثورة، التي لن تمتد إلى الأبد.
وعلى الضفتين، بين المؤيدين والمعارضين، تتشابه الخسارات، وإن كانت رقمياً تميل لتأكيد خسارة المعارضين أكثر، على الأقل في عدد القتلى والجرحى، ودمار البيوت. أما لجهة النزوح واللجوء، فلا يمكن الجزم بمن تضرر أكثر، فكل المدن شهدت النزوح واللجوء، هرباً من الموت، ومن التجنيد في جيش النظام، ومن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وربما استغلالاً لظرف قبول لجوء السوريين في الدول المتقدمة، ذلك الحلم الذي كان يراود كثيراً من السوريين الذين كانوا يقفون على أبواب السفارات منذ عشرات السنين.
نعم، خسارات الناس أكثر من أن تحيط بها الأرقام، حتى لو كانت دقيقة. ففي الموت نفسه لا تتشابه القصص، ولا تتساوى الخسارات. والموت متوفر دائماً للموتى، لكن عجز الأحياء أمام موت أحبائهم دون سبب لا يشبه فقدان عزيز في حادث سير، أو نتيجة مرض عضال. وحين يموت طفل تحت أنقاض بيته، أو جريح نتيجة عدم وجود طبيب، أو دواء بسيط، سيكون موتاً بالمجان، ولا يشبه موت عسكري كان يقاتل ويعرف مسبقاً أنه سيقتل، أو يُقتل.
وموت المؤيد يشبه موت المعارض، على الرغم من التفريق بينهما بوضع صفة “شهيد” هنا، و”قتيل” هناك، حسب جهة الاصطفاف.فقبل ثلاث سنوات، أي نصف عمر الثورة، تراجع الخطاب الباحث عن الفئة الصامتة، عندما كان الجدل يدور أحياناً عن نسبة المؤيدين للثورة، والمؤيدين للنظام. هذا على الرغم من أرجحية أن تكون هذه الفئة الصامتة موجودة فعلاً، لكنها لا تزال صامتة، خاصة لمن يعيش في مناطق يسيطر عليها النظام، بل إن هذه الفئة موجودة حتى في مناطق النزوح، وبلاد اللجوء، حيث يخشى بعض الصامتين على أهلهم في الداخل، فيختارون الصمت في الأماكن العامة التي قد تصل عبرها صورهم، أو مواقفهم، إلى النظام.
إذاً، ليس صحيحاً أن الثورة كسرت حاجز الصمت تماماً، وإلى الأبد، وليس صحيحاً أن كل النازحين في الداخل غير معارضين، وليس صحيحاً أن كل اللاجئين في دول الشتات معارضين، ففي كلا الضفتين هنالك من يخفي موقفه، أو يتجنب التصريح الحر عن موقفه علناً، وفي كل مكان.
وعلى العموم، الحذر يجعل بعض السوريين ينتظر قليلاً ليستشف موقف محاوره، وحين يتيقن من ذلك يوافق على حديث محاوره، إن كان مؤيداً، أو معارضاً. وبالطبع، هنالك الرماديون، الذين يعلنون أنهم ضد النظام الأسدي، وضد الثورة معاً، دون أن يحددوا تماماً معنى ذلك، أو ما الذي يعترضون عليه.
هذه الإشارة لا تتوجه إلى فئة معينة ذات انتماء مناطقي، أو سياسي، أو طائفة، أو عمر، أو درجة ثقافة. وحقيقة الأمر أن المؤيدين للثورة من كل المناطق، والطوائف، والانتماءات السياسية، وكذلك المعارضين لها، أو المؤيدين لنظام الأسد، حتى يمكن تصنيف السوريين في أربع فئات في هذا الخصوص، مؤيد للنظام، ومؤيد للثورة، ومعارض للنظام دون أن يكون مؤيداً للثورة، ومعارض للثورة دون أن يكون مع النظام. وقد تكون الفئة الخامسة هي معارضة النظام والثورة معاً دون خلفية أيديولوجية، أو طائفية، كما قد نجد عند الفئتين الأولى والثانية، خاصة.

Social Links: