نزار أيوب
نتابع معاً نشر دراسة مركز حرمون المهمة حول الدستور السوري وننشر اليوم الجزء الرابع والأخير منها
سادسًا: المبادئ الدستورية
من المستحيل التوصل إلى دستور توافقي في ظل الأنظمة الشمولية أو الحزب الواحد. وقد تكون الطريق إلى حل هذه المعضلة في تبني دستور انتقالي في بيئة واسعة من الحريات الديمقراطية، تضمن إجراء مناقشة مفتوحة وعميقة تشارك فيها شرائح المجتمع كافة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني من أجل صناعة دستور ديمقراطي يراعي مبادئ دستورية أساسية (مبادئ فوق الدستورية) أو (مبادئ دستورية محصنة وراسخة) لا تستطيع أي أغلبية أن تستبعدها، وهى تتمثل بخضوع الحكومة للمحاسبة الشعبية، والتبادل السلمي للسلطة واستقلال الأجهزة الدائمة للدولة عن التكوينات الحزبية والسياسية كلها، والفصل بين السلطات يقوم على مراعاة نظام الكوابح والتوازنات، والمراقبة المتبادلة، واستقلال السلطة القضائية حقيقةً وفعلًا عن السلطة التنفيذية، والتكوينات السياسية، وقبول ضرورة أن يتضمن الدستور وثيقة الحقوق على نسق الوثائق الدولية المقبولة.([16])
هل يوجد شيء مثل ذلك في العالم؟: نعم، يوجد، و إن كان أغلبه يمثل موادًا (من الصعب جدًا تعديلها)، و ليس من (المستحيل) بالضرورة. فمثلًا، دستور الولايات المتحدة من الصعب جدًا تعديل المادة الخامسة فيه التي تتعلق بالتمثيل المتساوي للولايات في مجلس الشيوخ أيًا كان حجمها أو عدد سكانها، إلا إذا وافقت الولايات كلها على ذلك ([17]).
وفقًا لبعض الباحثين والخبراء في القانون الدستوري، فإنه بين عامي 1789 و1944، سنت 17 في المئة من دساتير العالم خلال هذه المدة أحكامًا لا يمكن تعديلها (52 من أصل 306)، في حين إن 27 في المئة من الدساتير العالمية التي سنت في تلك السنوات بين عامي 1945 و1988 تضمنت أحكامًا من هذا القبيل (78 من أصل 286)، أما الدساتير التي سنت بين عامي 1989 و2013 فإن أكثر من نصفها (53 في المئة) شمل أحكامًا لا يمكن تعديلها (76 من أصل 143) ([18]).
ومن الموضوعات الراسخة أو المحصنة غير قابلة للتعديل:
شكل الحكم ونظامه (جمهوري، ملكي، أميري، ملكية دستورية، نظام حكم ديمقراطي مع الملك بوصفه رئيس الدولة).
النظام السياسي: الشكل الاتحادي للدولة، المساواة في تمثيل الدول في مجلس الشيوخ، نظام المجلسين أو الحكم الذاتي المحلي.
الأيديولوجية الأساسية للدولة أو الهوية: الطابع الديني للدولة – الإسلام دينًا للدولة أو الرسولي الكاثوليكي الرسولي، الطبيعة (العلمانية) للدولة، مبدأ (الفصل بين الدولة والكنائس).
الحقوق الأساسية: تحمي كثير من الدساتير الحقوق والحريات الأساسية، كرامة الإنسان، الحرية والمساواة، حرية الصحافة، حق تأسيس النقابات.
وحدة الدولة وسلامة أراضيها: الوحدة الوطنية، والسلامة الإقليمية، ووجود الدولة، والسيادة والاستقلال.
كثير من الدساتير تحمي الحصانات، والعفو، والمصالحة، واتفاقات السلام، وقواعد القانون الدولي الإلزامي، ومؤسسة الرؤساء، والضرائب، والقواعد التي تحكم الجنسية.
سابعًا: مقترح المبادئ الدستورية (المبادئ العليا المؤسسة للدستور السوري)
سورية دولة مستقلة وموحدة ذات سيادة، نظامها ديمقراطي يقوم على سيادة القانون والتعددية الحزبية، والمساواة بين المواطنين بمعزل عن انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية والإثنية، وعلى المساواة بين الرجل والمرأة.
لن تكون سورية أبدًا تراثًا مقتصرًا على شخص أو أسرة.
للشعب السوري حق تقرير مصيره بنفسه، وهو بمقتضى هذا الحق حر في تقرير شكل نظامه السياسي عبر انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة تعتمد على مبادئ المساواة والحرية والاقتراع السرّي، وللمواطنين جميعهم حق المشاركة السياسية وتولي المناصب العامة من دون تمييز، والشعب السوري حر في السعي لتحقيق نمائه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتصرف بالثروات الطبيعية والاستفادة منها.
لا يجوز للسلطة المخولة للبرلمان بتعديل الدستور أن تشمل سلطة تغيير شكل الحكم الذي يكون دائمًا جمهوريًا وشعبيًا وتمثيليًا. أي تغيير في السمات الأساسية للدولة الديمقراطية القائمة على رقابة القانون غير شرعي.
لا يخضع الشكل الجمهوري للتعديل، ولا يسمح بأن يكون شكل الحكومة الجمهوري موضوعًا لأي اقتراح بتعديل الدستور.
لا يسمح بتعديل الدستور وقت الحرب وفي حالات الطوارئ.
يعدّ لاغيًا أي تعديل دستوري يرمي إلى:
إلغاء شكل الحكم الجمهوري في سورية.
المساس بمبدأ فصل السلطات.
المساس بالحقوق والحريات الأساسية.
المساس بالاقتراع المباشر والسري والعام والدوري.
تتقيد سورية بالاتفاقات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وتعتمد مبدأ المواطنة المتساوية، ويتمتع كل فرد بجميع الحقوق والحريات الأساسية المتعارف عليها عالميًا وتدمج ضمن أحكام الدستور الراسخة. ولا يجوز تعديل الحقوق الأساسية إلا لجعلها أكثر فاعلية.
يحظر الدستور التمييز العنصري والجنساني وأشكال التمييز الأخرى جميعها، ويعزز بين أفراد المجتمع وشرائحه جميعها المساواة بين الجنسين والوحدة الوطنية، ويضمن احترام حقوق الإنسان، ويكفل هذه الحقوق للأفراد الموجودين في سورية والداخلين في ولايتها جميعهم، من دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.
يكون الدستور بمنزلة القانون الأعلى للبلد، ويكون ملزمًا لأجهزة الدولة جميعها، ومستويات الحكومة جميعها.
يكفل النظام القانوني المساواة بين الجميع أمام القانون والعملية القانونية المنصفة.
سورية دولة قانون يتساوى مواطنوها جميعهم أمام القانون، ويجب أن يكون الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية راسخًا في الدستور مع مراعاة الضوابط والتوازنات المناسبة لضمان المساءلة. وللسوريين جميعهم حق التمتع بالحرية والسلامة الشخصية، ولا يجوز انتهاك الحياة الشخصية، ولا توقيف أي شخص أو تحري مسكنه إلا بمذكرة قضائية، ولا يجوز تعريض أي شخص للتعذيب والإيذاء البدني أو المعنوي أو المعاملة الحاطّة بالكرامة الإنسانية.
يكون القضاء مؤهلًا على نحو ملائم ومستقل ونزيه، ويكون له السلطة والولاية القضائية لحماية الدستور، وإنفاذه، وحماية الحقوق الأساسية جميعها. وللمواطنين جميعهم حق التمتع بالعدالة والوصول إليها ضمن وقت معقول والتقاضي، ويجب أن تتمتع السلطة القضائية بالاستقلالية التامة والحياد والنزاهة والعدالة بوصفها الحامي للحريات العامة، والضامن لممارستها.
يجب أن تكون هناك حكومة تمثيلية قائمة على أسس الديمقراطية وتعددية الأحزاب، والانتخابات المنتظمة، وضمان حق الاقتراع العام للبالغين.
للمواطنين جميعهم حرية الرأي والمعتقد والفكر والحق في التعبير عن آرائهم علانية، ويكفل القانون حرية الوصول إلى المعلومات والحصول عليها وتداولها بما يضمن الرقابة على المستويات الحكومية جميعها وإخضاعها للمساءلة.
يجب حماية التنوع اللغوي والثقافي للسوريين والتشجيع على تطويره والارتقاء به.
يجب الاعتراف بحق السوريين في تشكيل منظمات المجتمع المدني والانتماء إلى المجموعات والجمعيات والأحزاب السياسية السلمية وتشكيل النقابات التي تعبر عن مصالحهم، بما في ذلك الجمعيات اللغوية والثقافية والدينية والخيرية، على أساس عدم التمييز وحرية تكوين الجمعيات.
خلاصة:
لا شك في ضرورة المواكبة الدستورية لعملية الانتقال الديمقراطي في سورية بحيث يمكن للسوريين في هذه اللحظة الحرجة من النضال في سبيل الانتقال السياسي المشاركة في صوغ دستور عصري يؤسس لنظام ديمقراطي قائم على التعددية الحزبية وسيادة القانون والفصل بين السلطات وترسيخ حقوق الإنسان والحريات الأساسية. لكنه في ضوء تعثر الثورة السورية السلمية المطالبة بالحرية والكرامة، وانتقالها إلى مرحلة النزاع المسلح والحرب بالإنابة، يبدو أن وضع دستور لسورية -صناعة سورية- أو حتى وثيقة مبادئ دستورية محصنة وغير قابلة للتعديل -مبادئ فوق دستورية- شبه مستحيل، لأن هذا بحاجة إلى توافق القوى السياسية، وهو أمر من الصعب تحقيقه في ضوء استمرار الحرب، وتغييب أي دور لشرائح الشعب السوري معظمها التي خرجت للمطالبة بالحرية والكرامة.
إن تبني وثيقة مبادئ دستورية محصنة وغير قابلة للتعديل خطوة أولى في سياق صناعة دستور لسورية هو أمر حيوي وملح، لكن الاعتقاد الراسخ هو أن وقف الحرب أولًا هو شرط ضروري لتحقيق هذا الهدف، إذ سيصبح من الأسهل التوافق بين القوى السياسية حول هذه المسألة، وذلك في سياق مرحلة انتقالية تمهد للانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية التي تراعي المصالحة ومحاسبة المجرمين.
المراجع :
([16]) نبيل أديب عبد الله، المبادئ فوق الدستورية واستدامة الديمقراطية.
http://www.sudaress.com/sudaneseonline/15530
([17]) نبيل أديب عبد الله، المبادئ فوق الدستورية.
([18]) Yaniv Roznai, Unconstitutional Constitutional Amendments: A Study of the Nature and Limits of Constitutional Amendment Powers, P.28.http://etheses.lse.ac.uk/915/1/Roznai_Unconstitutional-constitutional-amendments.pdf
*******
عن الكاتب :
مدير وحدة الأبحاث القانونية في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، من الجولان المحتل – مجدل شمس، حائز على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي، وهو باحث ومحام ينشط في مجال الدفاع عن حقوق الانسان في الأرض المحتلة، عمل كمحام وباحث قانوني مع عديد من المنظمات الأهلية الفلسطينية ومنها مؤسسة “الحق” الفلسطينية في رام الله خلال الفترة 2000-2013، له العديد من الدراسات التي تعنى بالوضع القانوني للأراضي العربية المحتلة (فلسطين والجولان) منذ عام 1967، اعتمد في الفترة 2014-2015 مستشارًا وباحثًا لدى مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أنكتاد) في مجال التجارة الدولية والقوانين الدولية والداخلية التي تحكم عملية التجارة الفلسطينية.

Social Links: