معركة الأجندات المتصارعة – القدس العربي
على الصعيد الرسمي تعلن مجموعة أطراف أنها تقاتل تنظيم «الدولة الإسلامية» لطرده من محافظة دير الزور، وأما على الأرض فإن الأجندات تتصارع وتتناقض، بين النظام السوري وداعميه في موسكو وطهران، وبين القوى الكردية والعشائر وداعميهم في واشنطن. وفي غضون هذا التطاحن تواصل القوى المتصارعة ارتكاب المجازر الوحشية بحق المدنيين، وتتفاقم الكوارث الإنسانية في المدينة وبلداتها وقراها.
ماذا وراء الانتشار الروسي في دير الزور؟ عبد الرزاق النبهان
ذكرت مصادر خاصة من محافظة دير الزور شرقي سوريا لـ»القدس العربي» انه بعد تمكن قوات النظام السوري والميليشيات الموالية لها وبدعم جوي روسي من كسر حصار تنظيم «الدولة» للجزء الغربي من مناطق سيطرتها في مدينة دير الزور، بدأ واضحا الانتشار الروسي في أحياء عدة من أرجاء المدينة.
وبات الأمر مألوف لدى الأهالي الذين يشاهدون الجنود والمدرعات الروسية منتشرة في الأسواق، في حين يرى محللون إن التدخل العسكري الروسي في دير الزور جاء ليحقق غايات سياسية واقتصادية، مفادها أن روسيا لن تتخلى عن الأسد، أما اقتصاديا فالهدف إعادة بسط نفوذ النظام على الحقول النفطية.
ونقل مصدر خاص لـ»للقدس العربي» عن أحد عناصر ميليشيات جيش العشائر (الشعيطات) الذين دخلوا مدينة دير الزور مع قوات النظام من جهة طريق عام دمشق دير الزور «البانوراما» ابان فك الحصار عن المدينة، إن أكثر من 600 عنصر من قوات الجيش الروسي تقاتل بجانب قوات النظام حالياً بحملة دير الزور.
وأضاف، إن الجنود الروس الذين يتواجدون في الحملة العسكرية على دير الزور مزودين بأحدث الأسلحة، ويقومون بإطلاق الصواريخ وراجمات الصواريخ بكثافة نحو مناطق سيطرة تنظيم «الدولة» لتسهيل تقدم قوات النظام المدعومة بميليشيات أجنبية وعشائرية، منوها إلى إن العديد من المقاتلين والمقاتلات الروس تمت مشاهدتهم يتجولون في أسواق أحياء الجورة والقصور.
وأشار المصدر إلى أن استخدام القوات الروسية للصواريخ الثقيلة، ساهم بشكل كبير في تقدم قوات النظام والسيطرة على تلة علوش بعد استهدافها بعدة غارات عنيفة جدا، إضافة إلى السيطرة على قرية البغيلية، ما ساهم في تقدم قوات النظام وفتح طريق هرابش.
وأضاف، إن سلاح الجو الروسي قام بألقاء القنابل العنقودية والقنابل المحملة بالمظلات، وتم استخدامها بشكل كبير بقرية البغيلية.
ويقول الخبير العسكري المقدم هشام المصطفى: منذ انطلاق حملة تحرير ريف دير الزور شرقي الفرات سارعت روسيا إلى مساعدة النظام برسم خريطة قوى جديدة».
ويضيف لـ»القدس العربي» إن روسيا تهدف من وراء ذلك إلى ترسيخ نفوذها في المناطق الغنية بالنفط عبر حجة محاربة الإرهاب، والضغط مستقبلا للوصول إلى تفاهمات مع أمريكا فيما يخص اقتسام الثروات النفطية في المنطقة.
وأشار إلى أن روسيا ترمي للاستفادة من الخزان البشري على الصعيد العسكري لترميم جيش حليفها بشار الأسد للحفاظ على هيكليته كنواة لدخول المفاوضات مع المعارضة مستقبلا.
ويعتقد المصطفى أن روسيا بهذه الطريقة تكون قد ضمنت نفوذا يفي بالحفاظ على الاتفاقات التي وقعتها مع النظام حيث يعتبر الوجود الروسي في شرق سوريا وتحديدا دير الزور ضمانا لإحداث بعض التكافؤ مع حليف أمريكا الذي بات أقرب إلى مناطق النفط.
توافقات روسية أمريكية
في المقابل يرى الخبير العسكري العميد أحمد رحال إن دير الزور منطقة تحكمها التوافقات الروسية الأمريكية.
وأضاف لـ «القدس العربي» ان «الروس دخلوا إلى دير الزور من أجل مصلحة إيران، حيث لا توجد مصلحة كبيرة أو مهمة لهم في دير الزور، بينما لإيران مصلحة أهم نتيجة وصل دير الزور والبوكمال والميادين بحدود المثلث الإيراني الواصل بين طهران ودمشق وبيروت والمتوسط عبر العراق».
وأشار إلى أن استعادة النظام لدير الزور مع إيران من شأنه ان يرفع معنويات قوات الأسد وكذلك يحقق لإيران ضمان المثلث، لكن إذا أوفت الولايات المتحدة الأمريكية بتعهداتها بقطع طريق المثلث الإيراني فستكون معركة البوكمال والميادين مختلفة.
ويرى أن «الأريحية» التي تعمل بها ميليشيات الأسد وإيران وحزب الله والروس في دير الزور لن تكون موجودة في الميادين والبوكمال، حيث من الممكن أن تشارك فصائل تابعة للمعارضة السورية في تلك المعارك مثل أسود الشرقية وأحرار الشرقية وكتائب أحمد العبدو، خاصة بعد طلب رياض حجاب لذلك، وبالتالي قطع الطريق أمام إيران.
وتوقع رحال أن توفي الولايات المتحدة الأمريكية بوعودها في ظل غياب المصالح الروسية الاستراتيجية من وراء دخولها إلى دير الزور حتى الآن باستثناء تثبت نظام الأسد، أما أمريكا فلها مصالح استراتيجية في آبار البترول في شمال وشرق سوريا.
وأضاف رأينا كيف أمريكا أخذت ريف دير الزور وتخلت عن المدينة وسابقاً أخذت مناطق الحسكة والقامشلي والرقة وفق ما تتطلبه مصالحها، في حين لا مصالح عظيمة لروسيا من انتشارها في دير الزور إلا تثبيت ودعم نظام بشار الأسد.
وتشكل محافظة دير الزور في الوقت الراهن مسرحا لعمليتين عسكريتين، الأولى تقودها قوات النظام السوري بدعم روسي في المدينة وريفها الغربي، والثانية أطلقتها قوات سوريا الديمقراطية المشكلة أساسا من وحدات الحماية الكردية بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم «الدولة» بالريف الشرقي.
دير الزور: سوريالية الدم ــ صبحي حديدي
في ريف دير الزور، تتكاثر المشاهد السوريالية، ولكن الدامية والمبتذلة في آن معاً، والتي تعكس الكثير من عناصر واقع الحال في سوريا المعاصرة كما باتت اليوم؛ بعد أن دشّن نظام بشار الأسد سيرورات التدمير العشوائي، والإبادة المنظمة، والتطهير الديمغرافي المناطقي، وارتكاب جرائم الحرب بأسلحة لا تستثني الغازات والكيمياء؛ قبيل تسليم مقدّرات سوريا إلى إيران وروسيا، وغزاة وميليشيات مذهبية وجهادية من كلّ حدب وصوب.
وهذا ريف صار شهيداً، بصفة يومية مفتوحة، منذ أواخر العام 2013، حين تمكن «الجيش السوري الحرّ» من دحر قوّات النظام في نصف أراضي المحافظة تقريباً؛ ثمّ وقع اقتتال داخلي في صفوف «المحررين» أنفسهم، أتاح لميليشيات «داعش» أن تسيطر على الأرض، وتصبح الخصم الوحيد في وجه النظام، فينقلب أبناء المحافظة المدنيون إلى ضحايا لا حول لهم ولا طول، بين فكّي كماشة دامية، على طرفَيْ المواجهة. وبدل أن تكون آبار النفط في المحافظة نعمة على أبنائها (وهذا لم يحدث قطّ، أصلاً، لأنّ سياسات النهب والفساد كانت، وظلت، سمة النظام)؛ فإنها انقلبت إلى نقمة، حين شكّلت واحداً من أهمّ منابع تغذية «داعش» مالياً؛ وها أنها، اليوم، تضاعف النقمة إلى البلوى، جرّاء تكالب القوى الخارجية على المنطقة، طمعاً في ثرواتها.
تعلن قوات النظام والميليشيات الحليفة أنها تقدمت نحو فكّ الحصار عن مطار دير الزور، المحاصر منذ ثلاث سنوات، وانسحاب «داعش»، التي كانت هي الطرف المحاصِر، فيُعزى «الانتصار» إلى ما تبقى من وحدات موالية، مثل «الحرس الجمهوري» و«قوّات النمر». كأنّ هذا التطوّر لم يكتمل إلا تحت قصف شديد، معظمه همجي ومسعور يستهدف المدنيين أولاً، تولت موسكو تنفيذه من الجوّ، ولكن من بارجاتها في مياه المتوسط أيضاً. أو كأنّه ليس تذكيراً جديداً بمبدأ سيرغي لافروف الشهير: لولا تدخل موسكو، لسقطت دمشق!
وأمّا البُعد السوريالي في المشهد، فهو لم يغب عن كلّ ذي بصر وبصيرة: النظام، ومعه روسيا وإيران و«حزب الله»، يعلنون أنهم في حالة حرب لا تُبقي ولا تذر ضدّ «داعش»؛ ولكنّ هذا التحالف ذاته هو الذي فاوض «داعش» على الخروج من عرسال اللبنانية، وضمن نقل مقاتلي التنظيم عبر مناطق سيطرة النظام، وفي قلب الصحراء المكشوفة أمام الطيران الحربي الروسي، إلى… دير الزور، ذاتها، التي فيها يقاتل التحالف «داعش»!
المشهد السوريالي الثاني تكفّل بصناعته أحمد حامد الخبيل (أبو خولة)، قائد ما يُسمى «مجلس دير الزور العسكري»، التابع لـ»قوات سوريا الديمقراطية»؛ حين أعلن أنّ مقاتليه لن يسمحوا لقوات النظام بعبور نهر الفرات. السوريالي هنا أنّ ميليشيات الخبيل سبق لها أن تعاونت مع جيش النظام، عبر اللواء 113، في معارك دير الزور أواخر العام 2013؛ كما قلبت المعاطف على الفور، فتعاونت مع «داعش» ذاتها، فأسند لها التنظيم إدارة حاجز في ظاهر المدينة، أتاح لها تنظيم عمليات التهريب والنهب!
تفصيل سوريالي آخر، ضمن هذا المشهد الثاني، تمثّل في أنّ «قسد» ذاتها، التي تتفاخر اليوم بأنها ستمنع النظام من عبور الفرات، تعاونت مع النظام في عشرات المواقع في شمال وشرق سوريا؛ بل حدث مراراً أنّ هذا التعاون ألزمها بمواجهات مسلحة مع قوى كردية رافضة لهذه العلاقة مع النظام، ومناهضة لسياسات التحالف كما اعتمدها «حزب الاتحاد الديمقراطي» و«وحدات حماية الشعب». طريف، أيضاً، أنّ التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، راعية «قسد»، كان قد سمح لباصات حسن نصر الله بنقل مقاتلي «داعش»… أنفسهم، الذين تتبجح «عاصفة الجزيرة» بقتالهم!
في غضون هذه المشاهد، وسواها، يواصل الطيران الحربي ارتكاب المجازر الوحشية ضدّ مدنيي المحافظة، ويخلّف عشرات القتلى والجرحى؛ إذْ كيف لسوريالية محتلّيْ سوريا أن تكتمل، دون أن تتلطخ بالدماء!

Social Links: