تنطلق المقالة من فرضية حرب عالمية ضد اللاجئين الذين وصل عددهم إلى أعلى مستوى في التاريخ، وتُعدّ المنطقة العربية والإسلامية أكبر مصدر لهم، كما تناقش استخدام العصبيات الهوياتية كسبب في اللجوء، مثلما نجد في تعامل الدول مع اللاجئين الوافدين. وبعد ملاحظة أن اللاجئين الفلسطينيين لم يعودوا استثناء، تنتهي المقالة بالسؤال: هل أصبح جميع سكان المنطقة العربية مشروع لاجئين؟
قال قائد الثورة في جنوب المسكيك، المعروف بماركوس، قبل نحو عقدين، إن الحرب العالمية الثالثة ستكون حرباً ضد اللاجئين. وباستثناء المبالغة في هذه المقولة، فإن حركة اللاجئين في عالم اليوم تقود إلى موت الآلاف منهم سنوياً في طريق اللجوء التي تزداد صعوبة. وهكذا تتحول استعارة ماركوس إلى حقيقة راهنة.
كما أن مؤشرات التغير المناخي المقبل مع استمرار السياسات العامة على حالها، قد تنتج مزيداً من الحروب وموجات اللجوء والهجرة الاقتصادية.
بات من الطبيعي أن نسمع عن طفل جريح يموت على الحدود السورية الجنوبية مثلاً، كما أن أخبار حرق مخيمات اللاجئين السوريين العشوائية في لبنان، أو الاعتداء عليهم، صارت خبراً يومياً عادياً.
وبينما نتابع أخبار المعارك هنا وهناك، تفاجئنا أخبار غرق السفن في البحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن أخبار الموت في الصحارى الأفريقية. فحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن3771 نازحاً قضوا غرقاً في البحر الأبيض المتوسط في سنة 2015، كما قضى 3800 نازح في البحر المتوسط في سنة 2016، ومات 2360 لاجئاً في أثناء عبورهم الصحراء والبحر الأبيض المتوسط حتى منتصف تموز / يوليو 2017.
وتتعامل كتل أساسية في الشمال مع ظاهرة اللجوء بأساليب الحرب عبر بناء الجدران على حدودها، والاتفاق على مهاجمة سفن المهربين. وفي ظل تفاقم «أزمة» اللاجئين، شُيد حتى الآن 14 جداراً بين أوروبا ومحيطها، وبين الدول الأوروبية نفسها، وصار الجدار الأمريكي مع المسكيك من أولويات رئيس مهووس بموضوع اللاجئين والمهاجرين.
وجاءت نظرية «حالة الاستثناء» لجورجيو أغامبين انعكاساً لتعامل السلطات الأوروبية (السيادية) مع المهاجرين واللاجئين عبر تطبيق قوانين استثنائية تشبه قوانين الطوارئ في الحروب.
وصل عدد اللاجئين حول العالم أعلى مستوى له تاريخياً حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. فمع نهاية سنة 2015 بات عدد النازحين قسراً 65 مليوناً، بزيادة نحو خمسة ملايين كل عام، وهي المرة الأولى التي يناهز فيها عدد اللاجئين عالمياً 60 مليوناً، وهو التدفق الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من الضجيج الأوروبي، فإن 86 في المئة منهم يعيشون في الجنوب.
خرج من سوريا حتى منتصف سنة 2016، نحو 4,9 مليون لاجىء، ومن الصومال نحو 1,1 مليون لاجىء، ومن أفغانستان نحو 2,7 مليون لاجىء، بينما كانت أرقام النزوح الداخلي في العراق 4,4 مليون، وفي سوريا 6,6 مليون، وفي اليمن 2,5 مليون، ونحو نصف مليون ليبي حتى نهاية سنة 2015 (وفي كولومبيا نحو 7 ملايين نازح داخلياً). ولا تتضمن هذه الأرقام اللاجئين الفلسطينيين.
واستضافت تركيا 2,5 مليون لاجىء، ولبنان أكثر من مليون لاجىء، والأردن عدداً مشابهاً، بينما يبدو عدد القادرين على العودة إلى ديارهم منخفضاً. وأقرّت 30 دولة في سنة 2015 توطين نحو 107,100 لاجىء، أي نحو 0.66 في المئة فقط من عدد اللاجئين المسجلين لدى المفوضية. وتُعدّ المنطقة العربية (مع إيران) أكبر مصدر للنزوح (نحو 20 مليوناً حتى نهاية سنة 2015)، تليها أفريقيا جنوب الصحراء (نحو 18,4 مليوناً)، وقد تزايد اللجوء والتهجير القسري منذ التسعينيات، وتسارع أكثر في نصف العقد الأخير.
يُعتبر اللاجئون»عبئاً» في متن الخطاب العام في البلاد المضيفة. ومقولة «العبء» التي كثفت الدول المضيفة من استخدامها منذ ثمانينيات القرن الماضي، هي أحد أشكال الحرب النفسية ضد اللاجئين، فصارت الحرب من خلفهم ومن أمامهم. إنها قمة القسوة البشرية التي لا يخفف منها سوى الإصرار الكبير للاجئين على البقاء، ووجود الأمل بأن كثيرين يرفضون هذا التعامل معهم.
لا تتسع هذه المقالة لنقاش فرضية «عبء اللاجئين» اقتصادياً على البلاد المضيفة، غير أن اللافت هو أن الدراسات العالمية بهذا الشأن نادرة. وفي لبنان، اقترحت دراسة من الجامعة الأمريكية في بيروت قراءة مختلفة أعلن بعض نتائجها ناصر ياسين في سنة 2016، وهو أن اللاجئين السوريين يساهمون في إنفاق كبير على الطعام والسكن بصورة خاصة (نحو مليار دولار سنوياً)، وخلقوا فرص عمل (نحو 22,000 وظيفة في سنة 2016، وخصوصاً في القطاع التعليمي) هي أضعاف ما كان متوفراً قبل موجة اللجوء (بمعدل 3400 وظيفة سنوياً)، وغيرها من المؤشرات. وثمة تقارير في الأردن تقترح أمراً مماثلاً بالنسبة إلى اللاجئين السوريين، وقبلهم اللاجئون العراقيون والفلسطينيون، غير أن خطاب الطبقة السياسية لا يتحدث سوى عن «العبء».
لكن الأهم هو استعادة الاقتصاد السياسي التاريخي لهذه الظاهرة، فالدول والمصالح الاقتصادية هي مَن خلقت سوقاً بشرية مفتوحة قبل أن تقرر تقييدها مؤخراً. فبعد إلغاء نموذج العبودية من أفريقيا للعمل في الدول الرأسمالية، اتجهت الدول الاستعمارية إلى جلب عشرات ملايين العمال المهاجرين الذين ربطتهم بعقود قسرية فيما عدّ عبودية جديدة (coolie labour)، الأمر الذي أوجد أسواق عمل عالمية.
وإلى كون الدول العربية المصدر الأهم للحروب وإنتاج اللاجئين، تتّبع السلطات العربية نمطاً مشابهاً للنمط القديم الذي ساد انطلاقاً من التجربة الرأسمالية لدول الشمال، لكن مع نكهات وطنية عربية. فهي على سبيل المثال منخرطة في نسخة من نسخ العبودية الجديدة مع عمال وعاملات من آسيا التي كانت مصدر الاستعباد المبطن السابق، وهي تحدّ من الحقوق القانونية للعمال، وتقسم مواطنيها هوياتياً بشكل فاضح (إثنياً أو طائفياً / دينياً أو عشائرياً). وعلى غرار دول خليجية، باتت دول مثل لبنان والأردن تستخدم نظام الكفيل بحق عمال وعاملات آسيويات وأفارقة، علاوة على عمال مصريين وسوريين. لقد انبهرت السلطات العربية بالحدود الوطنية الجديدة والتشدد فيها، فباتت ترفض منح اللجوء قانونياً إلاّ بشكل استثنائي.
وتشكل دول الشمال سبباً رئيسياً أيضاً للهجرة القسرية واللجوء بسبب حروب بعض دولها المباشرة في المنطقة أو العالم، أو بسبب تدفق موارد أساسية من بلاد الجنوب إليها بطرق شتى، أو بسبب دورها الكبير في التغير المناخي، أو بسبب دعمها لسلطات تفتقد شرعية شعبية. وفي منطقة المشرق العربي فإن تلك الدول كانت سبباً رئيسياً في تهجير العراقيين والفلسطينيين، وقد تميز تعاملها بالاستعلاء مع طالبي اللجوء السوريين. ولا تزال في العقود الأخيرة مستمرة إجمالاً في التعامل بهذا الشكل مع نتائج اللجوء وموجات الهجرة الجماعية بأشكالها المتنوعة عبر محاولة حصرها في دول أُخرى.

Social Links: