الخالة أم محمد –  رباب البوطي

الخالة أم محمد –  رباب البوطي

التقيتها في مطار غازي عنتاب عند الكاونتر لقطع التذاكر وقد كان اللون الأحمر يأكل نصف وجهها ذو البشرة البيضاء الناعمة وقد بدا عليها الخجل والخوف والتوتر لأنها لم تكن تفهم ما كان الموظفون هناك يصيحون بوجهها من أجله وهو أن لديها حمل زائد في الحقائب التي تحملها وعليها الدفع لبدل الزائد، وبعد أن حللنا مشكلتها تأبطت أم محمد ذراعي وكأنها طفلة يتيمة وجدت أمها وأخيراً كما يحدث في مسلسلات الرسوم المتحركة.

أخبرتني أم محمد أثناء التصاقها بي أنها ولأول مرة ستسافر وحدها من مدينةٍ إلى أخرى وهي في السابعة والأربعين من عمرها، سألتها عن السبب فقالت أنها مسافرة لتساعد ابنتها .. صمَتَت هي وأنا ولم أصر على السؤال. عاودَت الحديث عن الوزن الزائد وقالت أنها حملت ما في بيتها من أشياء من سكر وعدس وبرغل وأرز وزيت لتأخذها لابنتها في اسطنبول .. ابنتها مصابة بالسرطان كما أخبرها زوج ابنتها على الهاتف وهي الآن في المشفى .. هي الأبنة الثانية التي تصاب بالسرطان لديها حيث أن الأولى مازالت تتلقى العلاج.

أم محمد من حلب .. تزوجت لمدة خمس سنوات عندما كانت مراهقة واعتقل زوجها في أواخر الثمانينات بتهمة الإخوان المسلمين ولم تعد تراه إلا بالمناسبات “السعيدة” في الأوقات المتاحة للزيارة في سجنه الأبدي في دمشق .. انقطعت أخباره كلياً بعدها منذ حوالي الاثنا عشر عاماً ولم تعد تجده ولم تستطع دفع نفقات المحامي لمتابعة قضيته.

اشتغلت طيلة حياتها بالقش والنسيج لتعيل أولادها وليتابعوا تعليمهم إلى حين بدأت الثورة ودخلت فيها حلب ودخل فيها ولديها ثائرين … في عام ٢٠١٤ استشهد ابنها البكر برصاص قناص أثناء ذهابه لشراء الخبز .. قالت .. ودعته عند الباب وقلت له “الله يرضى عليك” وهو رد قائلاً “خليلي رضاكي” وكانت تلك آخر مرة تراه حياً. الولد الثاني ذهب إلى أوروبا منذ أشهر ولا تعرف عنه شيئاً حتى الآن .. “بغمض عيوني بالليل بس ما بنام .. قلبي بدور عليه وما عم يلاقيه” .. صمت .. تبكي .. وتخجل من دمعها وتمسحه على الفور.

هكذا أخبرتني أم محمد التي كانت قد طلبت مني أن أستأذن المضيفة لتجلسها إلى جانبي بدل الرجل الذي أيضاً طلبنا منه أن يجلس في مقعدها .. لأنها كانت أول مرة تسافر في الطيارة وتعتبره رعباً عليها أن تخوضه لتكون إلى جانب ابنتها. زوجٌ معتقل .. ابنٌ شهيد .. ابنٌ مفقود .. وابنتين مصابتين بالسرطان ….. لطالما كنت وما زلت أعتقد أن أحزن كائنٍ في هذا الكون هو الأم .. ولكن المحزن الحقيقي هو أمٌ من سوريا.

  • Social Links:

Leave a Reply