دور المسيحية المشرقية في حضارة العرب – ادوار حشوة 2- 3

 دور المسيحية المشرقية في حضارة العرب – ادوار حشوة 2- 3

 

نتابع اليوم في الجزء الثاني من المقال القيم للأستاذ المحامي ادوار حشوة وفي هذا الجزء يتحدث الأستاذ ادوار عن الوجود المسيحي في بلاد الشام والجزيرة العربية ونتابع غداً في الجزء الأخير من مقاله عن الدور الحضاري للمسيحيين الشرقيين ” العرب ” .

ـ المسيحيون في بلاد الشام :

بدأ الوجود المسيحي في بلاد الشام منذ القرن الثاني الميلادي وانتشر في حمص وتدمر وقارة وحوران والبتراء ولبنان .. كانت لهم إمارات ولغتهم العربية والآرامية لاندماجهم في الحضارة السورية.

الغساسنة كانوا من عرب اليمن .. العرب العاربة وهاجروا إلى الشام في القرن الثالث وجدهم كان يدعى ( عمر بن ماء السماء ) . وقد حلوا في حوران أولاً ومنها انتشروا في بلاد الشام. أسس الغساسنة دولة على النمط السوري الحضاري ، ومؤسس دولتهم الأولى هو ( جفنة بن عمرو ) . ويذكر المؤرخ أبو الفداء أن عدد ملوكهم بلغ ( 31 ) ملكاً ، وكانوا في البداية متنقلين إلى أن اتخذوا لهم ( جابية الجولان ) عاصمة لهم ، ثم بصرى الشام. وقد اعترف البيزنطيون بدولتهم واتخذوهم أدوات لصد هجمات البدو وهجمات عرب فارس.

في بداية الإسلام كان لهم ملكان : الحارث بن أبي شمر في بصرى الشام ، وجبلة بن الأيهم في دير بحيراء وهو الدير الذي نزل فيه الرسول محمد مع عمه أبي طالب في طريقهما إلى الشام في رحلة تجارية.

ـ الوجود المسيحي في بلاد ما بين النهرين :

بعد انهيار سد مأرب هاجرت إلى العراق قبائل من قضاعة ومن الأزد تحالفت مع بعضها فسمي التحالف تنوخاً . أقامت تنوخ في الحيرة ( ومعناها الحصن أو الدير الحصين )، وهو اسم آرامي. ولقد لقي هذا التحالف دعماً من الدولة الفارسية لصد هجمات البدو وصد هجمات عرب بيزنطة الغساسنة.

سكان الحيرة قبل الإسلام كانوا من تنوخ ومن العباد وهؤلاء كانت تبدأ أسماؤهم ( بعبد ) .. وكانوا من النصارى يتعبدون زهداً لله .. عبد المسيح وعبد يشوع وعبد القيس وعبد الله . فسموا بالعباد . ومعنى الحيرة ( حيرتو : المكان الحصين ) . أهم ملوك سكان الحيرة كان مالك .. وقد رماه صديق له يدعى سليمة بسهم ، فقال فيه شعراً :

جزائي لا جزاه الله خيراً       سليمة إنه شر جزاني

أعلمه الرماية كل يوم          فلما اشتد ساعده رماني

وقد انتهت مملكة تنوخ عام ( 268 م )، وحلت مملكة اللخميين، ولم يكونوا نصارى حتى اهتدى أحد ملوكهم عام             ( 495 م ) إلى النصرانية وهو أبو قابوس على المذهب النسطوري، وصارت الحيرة منذ ذلك التاريخ وحتى مجيء الإسلام إليها عام ( 623 م ) منطقة نصرانية.

نستنتج من هذا العرض التاريخي :

أن العروبة المسيحية كانت موجودة في قلب العالم العربي بدواً وحضراً، ولم تكن طارئة عليه، ولا مستوردة من الخارج .. لا فاتح جاء بها معه ولا مستعمر تركها. كلاهما : العروبة المسيحية والعروبة الإسلامية من نتاج وجود بشري واحد في أرض العرب. وانتسابهما إلى دينين لا يمكن أن يمنع وحدتهما القومية لأنهما في الجذور البعيدة أقرب ما يكونون إلى الشعب الواحد.

والمسيحية المشرقية نفسها بتأكيد انتمائها العربي لا تجامل ولا تنافق وحقها في الانتساب إلى العروبة هو كحق الآخرين .. وإلا أين تذهب تغلب وغسان وكلب وقضاعة وطي ولخم وجزام وكنانة وكندة وعاملة وسليح والعباد .. وغيرهم ؟

إن السريان في العالم العربي اليوم يمكن أن يكونوا عرباً أكثر مما يشاع عن انتمائهم لعرق سرياني قديم . وكما تبين لكم كانت توجد قبائل عربية كثيرة على المذاهب السريانية حيث اللغة الطقسية في الكنيسة هي السريانية ، في حين أن الاتباع لا يعرفون سوى العربية .. وكانت ظاهرة العرب السريان هي الأكثر انتشاراً في الجزيرة العربية وكانت كلمة سرياني تعني مسيحي . لذلك وقبل أن يكون الناس في هذا الدين أو ذاك، كانوا عرباً .

وقصة مارون عبود مع هذا الفهم معروفة ، فهو القائل بعد تسمية ولده محمداً

عشت يا ابني عشت يا خير               صبي ولدته أمه في رجب

فهتفنا واسمه محمد               أيها التاريخ لا تستغرب

خفف الدهشة يوماً إن            رأيت ابن مارون سميا للنبي

أمه ما ولدته مسلماً                أو مسيحياً ولكن عربي

والنبي الهاشمي المصطفى        آية الشرق وفخر العرب

 

ـ المسيحيون والصحوة الإسلامية :

كان قصي زعيماً لتحالف قريش كما ذكرنا، وقد استطاع بمعونة قبيلة عذرا النصرانية أن يطرد من الكعبة بني بكر وخزاعة وأن يتولى أمرها. وقد استطاع إعادة الحجر الأسود من قبيلة أياد التي دفنته في جبال مكة وإعادة بناء الكعبة. قصي ها هو جد الرسول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف ابن قصي .

في ذلك الزمن كان ورقة بن نوفل رئيساً للنصارى في مكة وكان مع أصحابه يمارس الخلوة الروحية في غار حراء صلاة وصياماً وقراءة وتأملاً ، وكان الرسول محمد بن عبد الله يشارك فيها.

في عام ( 611 م ) وبعد أن تزوج محمد بن عبد الله بخديجة ابنة عم ورقة بن نوفل وحين كان في غار حراء جاء الوحي بالرسالة فأخبر زوجته التي سارعت فأخبرت ورقة بن نوفل والراهب عداس والراهب عيصا الذي أتاه الله علماً كثيراً ، وقس بن ساعدة الأيادي النسطوري السرياني .. الذي هو أفصح العرب .

كانت علاقة الرسول الجديد مع النصارى جيدة ولم يذكر التاريخ أي حادث فيه عداء، على عكس ما ذكر عن تصرفات من اليهود ضد الرسول ومحاولات لقتله. وعلى العكس، وحين تعرض أتباعه للاضطهاد من قريش نصحهم بالذهاب إلى نصارى الحبشة الذين أكرموهم.

إضافة إلى ما ذكر في القرآن الكريم عن النصارى ، قرأت في تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية للأب ألبير أبونا القصة التالية عن فتح مكة ( ص 45 – ج2 ) ولم أجد لها تأكيداً في الكتب العربية عن الفتح : كان في الكعبة إضافة للأصنام صور الأنبياء والشجر والملائكة وصورة ابراهيم الخليل وعيسى بن مريم وأمه، فلما كان يوم فتح مكة دخل رسول الله للبيت فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم ثم أمر بثوب مبلل بهذا الماء وأمر بطمس تلك الصور ووضع كفيه على صورة عيسى بن مريم وأمه ، وقال امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدي .

من يفهم هذه الصورة في بدايات الإسلام يمكن أن يدرك الآن أهمية الاحترام المتبادل والمحبة بين المسيحية والإسلام في هذا الشرق ويمكن أن يفهم معنى التعايش في الحياة الروحية التي بدأت في غار حراء وامتدت إلى كل هذا الشرق العربي.

ويقول يول ديورانت أن الحادث الجلل الذي تمخضت عنه جزيرة العرب والذي أعقبه استيلاؤها على نصف عالم المتوسط وانتشر في ربوعه، لهو أعجب الظواهر الاجتماعية في العصور الوسطى .

ـ العوامل التي ساعدت على صعود الإسلام :

1 ـ حالة التفكك الاجتماعي والسياسي والتناحر بين القبائل العربية التي أنهكت بعضها في الغزو والحروب .

2 ـ التنازع بين الغساسنة واللخميين في الشمال وحروبهما المستمرة والمدعومة من دولتي الفرس وبيزنطة .

3 ـ الحروب بين فارس وبيزنطة التي أنهكت المنطقة وأبادت الشعوب التي تعيش فيها .

4 ـ الخلافات والانقسامات المسيحية حول طبيعة المسيح والتي أخذت تنتج المجازر والتهجير والحقد وتبتعد عن الصورة الأولى لكنيسة المسيح .

 

ـ الموقف من المسيحيين بعد الرسول :

بدأت المتاعب في عهد الخليفة عمر بن الخطاب حيث ساد شعار ( لا يجتمع في الجزيرة دينان ) واستناداً إلى ذلك تم ترحيل الذين لم يسلموا من اليهود إلى أريحا في فلسطين ومن المسيحيين إلى بلاد الشام.

هذا الشعار لم يكن إسلامياً بل سياسياً . فالإسلام في تعامله مع المسيحيين لم يرتب عليهم سوى الالتزام بالجزية ، ولم يجبرهم على الإسلام ولا على الرحيل من أرضهم ، وربما أن هذا تم بسبب المشاكل التي أثارها اليهود في المدينة وغيرها …، علماً أن للخليفة عمر مواقف أخرى من المسيحيين خاصة، اتسمت بروح الود مما يجعل تفسير القرار بأنه رد حكومي على اليهود في محله.

 

ـ وأتوقف عند نظام الجزية :

أولاً هذا النظام ليس إسلامياً كما يتبادر إلى الذهن .

هو نظام سبق الإسلام وموجود في المنطقة، وكان نصارى اليمن يدفعون الجزية للملك الحميري، وكان نصارى الشام يدفعون الجزية للروم، ونصارى ما بين النهرين لفارس. كانت الجزية مجرد ضريبة تدفع للحاكم من قبل الشعب المحكوم،  فصارت تدفع للحاكم من قبل غير اتباع دينه من الشعب المحكوم .

كانت الجزية في عهد عمر زهيدة ( 48 درهما ) في العام على الغني و ( 24 درهماً ) على المتوسط و ( 12 درهما ) على الفقير ويعفى الشيوخ والنساء والأطفال والمرضى والعميان والرهبان .

في بلاد ما بين النهرين والشام نظروا إلى الجزية كضريبة تدفع للحاكم . وهكذا فهموها وتقبلوها . الآن وبعد ( 14 ) قرناً، فإن الوجود المسيحي في هذا الشرق مدين باستمراره لنظام الجزية . فلو طبق الحكام المسلمون شعار عمر بن الخطاب في الجزيرة على بلاد الشام وما بين النهرين لم يكن بالإمكان الآن وجود مسيحي واحد .

إن الحكمة الإلهية في القرآن الكريم هي التي أملت هذا الحل لكي تتحقق التعددية الدينية ولكي لا يشعر أحد بالقهر. ولأن الجزية كانت ضريبة حماية فإنها أسقطت عن العرب المسيحيين الذين كانوا يقاتلون في صفوف المسلمين. وعليه، ولأن العرب المسيحيين اليوم يقاتلون مع إخوانهم في جيش واحد .. معاً ، فإن هذه الجزية حتى في أي حكم إسلامي قائم أو قادم ستكون من مخلفات التاريخ.

 

  • Social Links:

Leave a Reply