كمال جنبلاط: الأنظمة الكلية والديمقراطية الفردية – بشار العيسى

كمال جنبلاط: الأنظمة الكلية والديمقراطية الفردية – بشار العيسى

 

يقول عنه أنصاره ومحازبوه المعلم، ورأى فيه معاصروه رجل حكمة وقائداً سياسياً، والباحث يقرأه كمفكر سياسي، وهو يتلبس عباءة الحكمة وفي كلماته اشعاعات طاغور وشجاعة سقراط وشاعرية أنطون سعادة الحالمة بالثورة العقلية.

في مرافعته في المجلس النيابي اللبناني محاسبة السلطة اللبنانية أدان بشجاعة حكم الاعدام الذي نفذ صورياً بأنطون سعادة، مسائلا الحكومة الفاسدة الاستبدادية للثنائي الخوري الصلح، تكلم جنبلاط في ميزات وخصوصية أفكار انطون سعادة كما لم يتكلم به لا سعادة ولا من أتى بعده من أنصاره. مرافعة في الأدب السياسي والنباغة الحقوقية بصفة مدّع عام وضع السلطة خلف قضبان أخلاقية بتهمة الاعتداء على قيم الدولة والاخلاق والفكر .

في المقطع التالي المسجل لمحاضرة للشهيد كمال جنبلاط عن التعريف بالديمقراطية وأنظمتها ومفاهيمها، كان الشهيد صوتاً في برية عربية القراء فيه كثر والكتبة كثر والاحزاب تتلاطم ولكن يغيب عن جلهم العقل والفكر والحكمة وشجاعة الاعتراف.

بهذه المواقف كان ” كمال جنبلاط” يسابق الزمن لتثقيف أنصاره وخصومه ولهذا السبب اغتيل بأمر “حافظ الاسد” الجاهل الذكي، الفرد المستبد.

” الانظمة الديمقراطية الفردية”

الأنظمة الديمقراطية الفردية التي جاءت ردة على الملكية المطلقة في فرنسا وعلى نظام الاقطاع السياسي الجماعي الذي كان يهيمن على فرنسا، مثلاً، ذهبت بطبيعة الحال في اتجاه معاكس تماماً للجماعية المتسلطة المطلقة التي كانت قائمة في فرنسا. فتولدت من رد الفعل هذا، أفكار الديمقراطية الفردية، أي جعل الفرد كائناً له قداسته في المجتمع، يجب أن يتمتع بحقوقه الشخصية وحرياته الكاملة. طبعاً، الثورة الفرنسية لم تستطع أن تحقق هذا المفهوم، لأنها تلهّت في مخاض الولادة العسيرة لهذه الأفكار، فما لبثت أن تنكرت لها في حروب داخلية ومحن حقيقية أدت إلى سقوط مئات الآلاف من البشر شهداء الصراع بين الجيرونديين والمونتينياريين Montagnards et Girondins، وسواهما من الفئات المتطاحنة على الحكم.

 

إلى أن جاء نابليون وأنقذ فرنسا بعبقريته السابقة لتفكير عصره، وعاد إلى القديم ليقلد المثال اليوناني والروماني، فوضع دستوراً ينص على سلطة إدارية يتولاها القناصل ومجلس شيوخ على شاكلة مجالس الشيوخ الرومانية واليونانية، وأسس الأنظمة الحقوقية في فرنسا، فأروربا كلّها مدينة للأنظمة الحقوقية والجزائية التي وضعها نابليون- لصيانة حقوق الفرد، لأنه كان بالماضي شرعة الملك هي الحق ” la loi est mon bon Plaisir- شرعة الدولة هي لذّتي الشخصية”، هكذا كان شعار الملكية المطلقة. فكان من الضروري أن توضع قوانين تحدد إلى أين يستطيع الإنسان أن يقوم بنشاطه دون أن يقع في خطأ يحاسب عليه من جانب مؤسسات الدولة. وأخذت الفكرة تنطلق منذ أيام نابليون، إلى أن ولدت الأنظمة الديمقراطية كما عرفناها في الجمهورية الثالثة والرابعة والخامسة في فرنسا.

ح- مفاهيم التيار الديمقراطي الفردي

وهذا التيار قام في الأساس على عدة مفاهيم:

أولاً: احترام حقوق وحريات الإنسان، وضمان احترام هذه الحقوق والحريات مراقبة هيئات ومجالس التمثيل، بواسطة المراقبة النيابية، وبواسطة القضاء.

ثانياً: تعاكس وتضاد السلطات في الدولة، وهو مبدأ جان جاك روسو الشهير، فإذا اجتمعت السلطات كلها في يد واحدة فلا بد من أن يبرز الطغيان. التمييز بين السلطة القضائية واستقلالها والسلطة التشريعية والإجرائية، وجعل المجلس النيابي ومجلس الشيوخ رقيباً على قضايا الحرية. فالمجالس النيابية وحرية التمثيل والترشيح لها تجعل لها هذه الهيمنة في المراقبة على التحقيق الفعلي لحريات وللحقوق الشخصية للإنسان.

والمصدر الرقابي الآخر الذي احدثته هو حرية الصحافة، ولو لم يكن هناك حرية صحافة لما كانت تثار هذه القضايا. وحرية الصحافة هي أيضاً ضمان لاستمرار حقوق وحريات الإنسان.

ثالثاً: والمبدأ الثالث الذي يقوم عليه النظام الديمقراطي الفردي، فيما عد استقلال السلطات وبخاصة القضاء، الانتخاب الحر للمجالس المحلية والنيابية، التي تجعل الإنسان متحرراً من سلطة الدولة والتي تمثل المجتمع. وبديهياً أن تتمثل هذه الحرية بحرية تشكيل الأحزاب والنقابات، بمبدأ يناقض تماماً مبدأ الحزب الواحد، سواء على الطريقة العربية أو الفاشستية، والنازية، أو الشيوعية.

رابعاً: والمبدأ الرابع الذي اتخذته هو ضمان الملكية للفرد، وذلك بعدم امكان نزع الملكية للإنسان إلا بسبب ومبرر قانوني، لأن ارتكاز الحرية لا بد أن يكون ارتكازاً اقتصادياً.

هذه بعض الأسس التي قامت على تأثيرها الثورة الفرنسية والأنظمة الديمقراطية في الغرب، فاعتبروا الملكية الفردية للإنسان، كحقوقه وحرياته، كأنها شيء مقدّس. وتطورت هذه النظرية إلى ضمان حق الإنسان في العمل، لكن هذا الضمان جرى بشكل آخر، بواسطة النقابات النامية التي منعت الفصل الاعتباطي بسبب سياسي”…….

  • Social Links:

Leave a Reply