أميمة امرأة برائحة الوطن – وائل الزهراوي

أميمة امرأة برائحة الوطن – وائل الزهراوي

لم يكن هناك شيء يقطع سكون الغرفة الخشبية سوى صدى أنينها العتيق

كان عويلها كوطأة الحزن الذي يسكن كل ما حولها، كل الأشياء كانت تبكي معها كأنها جثمان ذاك الشقاء الذي تعيش فيه

في فرع المخابرات الجوية بحلب أمضت أميمه خمسة أشهر ذاقت فيها كل ألوان العذاب والاغتصاب . اغتصبوا روحها قبل جسدها و كرامتها قبل أنوثتها و أحلامها قبل ذاتها.

سنواتها الأربع و العشرون و ملامحها الجميلة وجسدها النحيل وحجابها الأسود و البراءة التي تسكن عينيها السوداوتين والدموع التي تنهمر كالمطر كانت تزيدني شعورا بالاضمحلال أمامها.

أميمه فريسة الذكريات وأنا أعرف ظلم الذكريات … بكاؤها الذي لم يتوقف منذ ثلاث سنوات حتى اليوم لا يزال أبلغ من كل اللغات في عام 2013 شباط أرسلوها إلى دمشق وهناك ذاقت الموت وعرفت كيف يتوحش الإنسان ويتحول إلى مسخ شنيع. جمال وجهها ضمن لها مرات أكثر من الاغتصاب من كل الوحوش والمسعورين هناك، في كثير من الأحيان لم تكن ترى وجوههم، بعد أربعة أشهر تركوها دون أي شيء حتى هويتها أضاعوها .

لم يبق من عائلتها سوى أمها العجوز. بعد أن استشهد أخوها، بقيت في بيت إحدى قريباتها مختبئة أكثر من شهر خوفاً من أبناء عمها.

الفاجعة الكبرى أن أميمه خرجت من الفرع وهي حامل …. لم تكن تعرف في الشهرين الأولين أنها حامل بطفل لا تعرف حتى هي من هو أبوه، التعذيب الشديد كان أحياناً يجعلها تنزف كما كانت تكتب لي قبل أن ألتقيها وبهذا لم تتوقع أبداً أن تكون حاملاً بعد خروجها، حينما التقيتها كان الطفل عمره شهران ….

زال الصمت الذي كنت مسجوناً فيه وأنا معها في تلك الغرفة الكئيبة حين قالت :

بإيدي هدول مسكت حجره وضربت عبطني يا أخي وائل بإيدي هدول وما كان ينزل ما كان ينزل .. حاولت والله حاولت بس كان يغمى علي وما كان ينزل قلي شو كان لازم أعمل قلي لمين بدي أشكي وجعي لمين لك لمين لمين …. وحدك ياربي بتعرف شو بقلبي ياريتني متت هنيك ياريتني متت يوم ماتت عٌلا وفاطمه بالفرع وخلصت ياريت لك ياريت وتضرب بيديها على رجليها وهي جالسة على الأريكة أمامي

هول كلماتها أصابني بدوار شديد . كنت أتساءل عن سبب حزنها القاتل هل هو الشعور بالذنب !!

وأي ذنب ارتكبته أميمة سوى أنها سورية … هل هي الرذيلة التي كبرت في أحشائها .. دونما خطيئة منها ! أم أنها تشعر بالخزي من ذاتها بعد أن فقدت كل شيء هناك .. ومن يلومُ أميمه وهي معتقلة عند أسفل وأحقر مخلوقات مرت في تاريخ البشرية …..

قطع عليّ تفكيري بذاك دخول أمها وهي تحمل الطفل … بدأت ضربات قلبي تتسارع وأنا أستعد لرؤيته …

بطبيعتي الشرقية كنت أتوقع رؤية قطعة من القبح لأنه ولد من حرام في غياهب الظلم هناك حيث كنت أنا ذاتي أستنجد بالجدران تحت التعذيب فكيف بها.

وضعته أم أميمة في سرير حديدي عتيق وجلست كانت قد عادت به من عند الطبيب

وقفت أميمه وقالت لي ما بدك تشوفوا أستاذ وائل ما بدك تشوفو يا أخي تعا تعا شوفو تعا وازدادت غزارة دموعها

وقفتُ ولا أدري لم شعرت بالخوف الشديد في لحظتها وأردت أن أمضي و أن أهرب ولا أعود وأن أبكي وأن أصرخ وأن اصحو في زمن آخر وعمر آخر أن أقول لها كفى كفى أرجوك فيأسها كان يقطّع أمشاج قلبي، لكني خطوت معها باتجاه الطفل كأنني لأول مرة بحياتي سأرى طفلاً.

كان طفلاً جميلاً هادئاً

رفعتهُ بين يديها وقالت: جيت من عند الدكتور يا أمي جيت يا حبيبي جيت يا عاري أنت يا عاري، جيت يا فضيحتي اللي شافها قلبي قبل ما تشوفها عيوني، جيت جيت يا مصيبتي يا ابني جيت وجه مين بدي اتذكر لما طلع بوجهك يا شناري أنت، لك ليش أصلا جيت على هالدينا يا ضناي يا ابني يا ذنبي أنت ليش جيت يا وجعي ليش جيت ليش ليش جيت ..

لم أتمالك ذاتي شعرت أني صغير جداً جداً لدرجة أني اختفيت وكأنها لم تعد تراني ولم أعد أراها ودارت بي الأرض واعتراني شعور عميق بالذنب نحو أميمة كأني شريك بما حصل معها وما فعلو بها، أو ربما لأنني سوري مثلها ولأنني يجب أن أدافع عنها رغم أني لا أعرفها، وربما هو العجز .. العجز الذي قبع أباؤنا تحته عقوداً حتى أوصلونا إلى هنا ..

أخذت أمها الطفل ودخلت به لشبه غرفة صغيرة قرب الباب

مددت يدي نحوها بالأوراق التي طلبتها مني

كانت تحتاج لوثائق كي تسجل الطفل وتستخرج له أوراق بإسم لا يعرفه أحد وقيود لا تكون مطلوبة لدى النظام .

تدبرت لها كل ذلك إكراماً لعمها الذي كان معي في مطار المزه العسكري واختفى بعدها من غرفتنا ولم أعد أراه … كان يعود من التعذيب وهو مملوء بالدم ويقول لي أميمه أميمة مالها حدا بعد الله أميمة …. حفظت عنوانها منه بعد أن اعاده عشرات المرات … فالذاكرة تصبح ترفاً بعيداً هناك

لم تأخذ الأوراق مني كانت في حالة هذيان مطلق وضعت الأوراق على طاولة بثلاثة أرجل وصورة والدها وهو يحملها طفلة تستند على الطاولة بإطار مهترء قديم

رفعت يدي لأسلم عليها لكنها عندما أشاحت بوجهها وعلا صوت نشيجها وهي تسألني عن عمها عدت وجلست …

جلست وبكيت بكيت حتى توقف هي عن البكاء

بكيت وشهقت حتى لم أعد ارى أي شيء واستبد القهر بداخلي حتى كأني لم أعد بعد لقاء أميمه كما كنت قبل اللقاء

أميمة كانت تبكي وتهرب من أن تلتقي عيناها بعيني لشعورها العميق بالخجل كأنها عاهرة أنجبت سفاحاً، رغم أنها من أشرف نساء الأرض .

أميمة سورية.. نعم سورية … و يكفي أن تكون المرأة سورية حتى تكون حرة وأبية

أميمة أخت كل سوري منا … أميمة امرأة برائحة وطن

أميمة جرحنا السحيق

حملّناها صمتنا وسقيناها خوفنا و أهديناها ضعفنا وتركناها لتموت وحدها في خضم حطام وطن يحكمه سفاح طاغية فاق كل أشرار التاريخ وعوراتهم

ستموت يوماً أيها السفاح ستموت ليس كما يموت عظماء الرجال.. بل كما يموت العار والرجس كما يموت السوء والمعصية ستموت وينساكِ الجميع إلا من اللعنات والشتائم

وستبقى أميمة خالدة فينا كالطهر الذي يشع من جبين كل سورية حرة…

أميمة هي شرفنا وشموخنا وكبرياؤنا الذي لن يستسلم إلا بزوالك وحريتنا …

فأنت عميل ابن عميل للصهيونية وأنت عارنا أيها المسخ بشارووون الجبان ومن معك

  • Social Links:

Leave a Reply