ندوة لمنتدى الجبل الثقافي
شكلت الزراعة على الدوام في سورية عماد الاقتصاد البشري، فبلاد الشام هي مهد ما يٌعرف تاريخياً بالثورة الزراعية أو الثورة النيولوتية. بحسب جان كوفان – عالم الحفريات الفرنسي وصاحب “القرى الأولى في بلاد الشام”.
– كانت سورية مهد لأكبر تحول في تاريخ البشرية :
الانتقال من الصيد والقطف إلى الزرع والمكاثرة، ففي بلاد الشام نشأت القرى الأولى كأول تجمعات حضرية عرفتها البشرية والتي سبقت ومهدت لنشوء المدن والدول فيما بعد وذلك عندما سمح تطور وسائل الانتاج بحدوث عملية تراكم مادي غير مسبوق استلزم تقسيم العمل.
وإن كان هناك إجماع بين علماء التاريخ والحفريات على أن بلاد الشام كانت مهد الثورة الزراعية-النيوليتية فإن الإجماع أقل حول الأسباب التي دفعت لأن تكون هذه البقعة الجغرافية مهد هذه الثورة العظيمة التي يصفها البعض بأنها انطلاق التاريخ البشري كنشاط اقتصادي واعي يهدف ليس للحفاظ على البقاء فحسب بل وإلى تحسين شروط هذا البقاء عبر مراكمة حد ما من الثروة. في هذه النقطة تبدو الأفكار التي تَقَدم بها أعلام الماركسية (ماركس وأنجلز) مفيدة ومثمرة، خلاصة هذه الأفكار تتركز على العوامل المناخية المناسبة لحدوث للتحفيز على العمل كشرط أساسي لتراكم الثروة. فالطبيعة البشرية لا تميل إلى الكدح إلا إن اقتضت الضرورة ، فحين تكون الطبيعة سخية على مدار العام كما هي الحال في المناطق الاستوائية لن يتولد لدى الإنسان الحافز الكافي للعمل على المكاثرة والادخار، بالمقابل حين تكون الطبيعة شديدة القسوة كما كان الحال في معظم القارة الأوروبية شديدة البرودة أو في شبه الجزيرة العربية شديدة الجفاف فإن آليات التأقلم المتاحة غالبا كانت النزوح الدائم الذي لا يساعد على الاستقرار كشرط ضروري للإنتاج والمكاثرة.
ورغم استمرار أهمية المناخ في الاقتصادات التالية لنشوء الدول وحتى الاقتصاد الحديث لكن وبكل تأكيد لم يعد له أهمية حاسمة بسبب التقدم التكنولوجي الهائل الذي مكن المجتمعات البشرية من إخضاع الطبيعة لمصالحها. تاريخيا دخلت أوروبا في الثورة الزراعية فقط عندما حدث تقدم تكنولوجي كبير، مترافقاً مع تغير مناخي نحو الاعتدال في الجزء الجنوبي من أوروبا، ويفسر هذا نسبيا تركز الحضارة الأوروبية القديمة والوسطى في تلك المناطق كاليونان وجنوب إيطاليا. لكن دور المناخ تضائل بشكل متسارع مع الثورة الصناعية التي حولت بلدان باردة ذات مناخ سيء إلى أكثر الأمم ثراءاً كما حدث مع بريطانيا وكما هو الآن حال ألمانيا والدول الاسكندافية.
من هذه المقدمة أردت الإشارة إلى نقطتين: دور التاريخ بما تتشابك به من عوامل طبيعية وبشرية في تشكل نظم الإنتاج في منطقة، وأهمية العامل الموضوعي فيه. فمع أن عبارة “سورية مهد الحضارات” صحيحة من الناحية التاريخية إلى أنه ليس لها أي قيمة فكرية أو سياسية أو “هوياتية” بالنسبة لسوريي اليوم. إذ أن تلك الثورة التي جعلت سورية مهداً للحضارة كانت قد فُرضت بعوامل موضوعية بحتة. فالمجتمعات الأولية التي بدأت تمارس المكاثرة والادخار في تلك المرحلة ، والتي امتدت من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد، لم تكن تهدف إلى إحراز التقدم بل كانت تكافح لأجل البقاء فقط، فالمكاثرة والادخار كانت بالنسبة لهم استراتيجيات البقاء، أما التقدو فكان النتيجة الموضوعية لهذه السيرورة التي امتدت لأكثر من 3 آلاف عام.
بالمختصر ليس لسوريي اليوم أن يفخروا بما تحقق على أرضهم في تلك الفترة.
كيف تطور النشاط الزراعي في العصور اللاحقة على الثورة الزراعية؟
سمح التقدم التقني بالتزامن مع نشوء الدول بحشد استثمارات كبيرة نسبيا سمحت بشق قنوات الري واستخدامه بالزراعة بشكل أدى إلى رفع وتيرة الإنتاج، ونمت المجتمعات البشرية بشكل أساسي قرب موارد المياه. لكن الطبيعة الجغرافية لبلاد الشام التي تدفع التجمعات البشرية للتبعثر كانت عائقا هاما أمام تشكل سلطة مركزية قوية، وساهم في ذلك تبعثر الموارد المائية، فبعكس مصر والعراق الذين يعتمدان على أنهار كبيرة دفعت ضرورة إدارتها إلى تشكل دول مركزية في مرحلة مبكرة، عاشت بلاد الشام معظم أزمانها ممزقة وتابعة لقوى خارجية – القريبة منها والبعيدة – وبقيت الزراعة فيها معتمدة بشكل رئيسي على الأمطار (ليس مصادفة أن نسمى الزراعة المطرية في سورية بالبعلية نسبة على ما يبدو للإله بعل) مما جعل استقرارها كمصدر رزق معرضا دائما لتقلبات المناخ وموجات الجفاف، وقد ساعد وقوع سورية على طرق التجارة الدولية تاريخياً إلى تطور حركة التجارة التي باتت مصدر الرزق الأساسي للنخب المحلية. ومع ندرة الدراسات التاريخية الجادة عن النشاط الاقتصادي بالعموم في سورية ما قبل الاستعمار الفرنسي يصعب التكهن بأهمية الزراعة كمصدر للرزق والعيش لعموم سكان البلاد.
في العصر العثماني يمكن القول ان الزراعة في سورية بقيت خارج دائرة الإنتاج الحديث حتى مجيء سلطة الانتداب الفرنسي. إذ لم يطرأ حتى تلك الفترة ومنذ القرن السادس عشر (قرن بدأ النهضة الأوروبية الحديثة) أي تطور ملحوظ على تقنيات الإنتاج المستخدمة فبقي الإنتاج الزراعي يدور في فلك الكفاية ويفشل فيها في كثير من الأحيان بسبب غياب دور الدولة من جهة وكثرة موجات الجفاف من جهة أخرى مما أدى إلى انتشار المجاعات على نطاق لم تعرفه المنطقة في تاريخها، فانخفض عدد سكانها للمرة الأولى في التاريخ إلى أقل من مليون نسمة في سنة 1800. ومع ضعف الدولة كحافظ للأمن ، كثرت الفوضى ويحدثنا في هذا الصدد البديري الحلاق عن غزو البدو للمدن والبلدات في سنوات الحفاف للاستيلاء على المؤن.. وفي وصفه لهذه الأحداث يسرد أفعالاً همجية تقشعر لها الأبدان.
الانتداب الفرنسي على سورية :
القطاع الزراعي ينقسم إلى قطاعين ،عندما تأسست سوريا ككيان سياسي بحدوده الحالية كانت الزراعة تشكل القطاع الاقتصادي الأكبر، الأمر الذي ألقى بظلاله على التركيبة المجتمعية وعلاقات الإنتاج التي كانت بمجملها علاقات ذات طالع ريفوي. كانت النشاطات الزراعية تعاني من مشكلات مركبة ليس أقلها ضعف الإنتاجية بسبب المناخ شبه الجاف وتقلب معدلات الأمطار كما أسلفنا. وفي ظل غياب كامل للبنى التحتية بقي الجزء الأكبر من الريف السوري معزول عن بعضه البعض وعن المدن حيث تتركز النشاطات التجارية والحرفية مما أدى إلى ضعف الترابطات بين الزراعة كإنتاج أولي وبين باقي النشاطات الاقتصادية المنتجة للقيمة المضافة فكانت الكتلة الرئيسية من الإنتاج تُستهلك وتسوق محليا، كما أن ضعف البنى التحتية لم تساعد على حشد موارد مائية للتوسع الأفقي والعمودي في الإنتاج فالري كان محدوداً في المناطق المجاورة للأنهار والينابيع والبحيرات الطبيعية التي كانت قليلة نسبياً قياساً بمتطلبات توسع القطاع كما كانت تتعرض الأراضي الأكثر خصوبة لمخاطر الطم في مواسم الربيع نتيجة قربها من الأنهار. أي أن النشاط الزراعي عموما كان نشاطا بدائيا محفوفا بالمخاطر في ظل غياب كامل لأي دور للدولة في تحفيز الإنتاج.
وارتكز تنظيم القطاع الزراعي آنذاك – الموروث من الفترة العثمانية – على ملكية أجزاء واسعة من الأراضي من قبل عدد قليل من الأسر المدينية (الملاك الغائبون) بينما تدار النشاطات الزراعية من قبل سكان الأرياف الذين كانوا يشكلون 80% من سكان سورية، وذلك عبر نظام من المشاركة المحصولية (المرابعة) وفق نسب جائرة بحق الفلاحين. وفي غياب سياسية حكومية للتنمية الزراعية لم يخلق هذا النظام حوافز للاستثمار الزراعي فبقي القطاع راكداً بأغلبيته بالكاد يلبي احتياجات الحد الأدنى لعموم السكان دون مرونة كبيرة تسمح بالتصدي للأزمات التي كان يخلقها الجفاف ويتسبب أحيانا بالمجاعات.
عندما استقر الوضع في سورية لسلطة الانتداب الفرنسي دأبت تلك الأخيرة على إحداث تغييرات جوهرية بهدف الاستفادة من هذا القطاع “الخام” لكن الواعد في نفس الوقت. فأدخلت بدءاً من العشرينيات تغييرات بنيوية من خلال فتح البلاد للشركات الفرنسية التي شجعت التوسع في زراعة القطن والقمح واستخدام الري ما أمكن بهدف رفع الإنتاجية والتخفيف من آثار تقلبات الأمطار. لكنها لم تقترب من البنية التي تقوم عليها ملكية الأراضي بل استغلتها لتسهيل عقد الصفقات والتبادل التجاري التي كان محصول القطن عصبها الرئيسي. هذه التحولات التي لم تصب إلا جزءاً صغيراً من القطاع الزراعي كان لها أثرين رئيسيين. الأول أن عملية التحديث التي طالت جزءاً من القطاع الزراعي أدت إلى تراكم رأسمالي محدود في أيدي ملاك الأراضي قاموا باستثماره تدريجياً في نشطات صناعية وتجارية فتحولت “الطبقة” الاقطاعية إلى طبقة ذات طبيعة مزدوجة إقطاعية-رأسمالية بخلاف التطور الذي حدث في أوروبا عند بداية صعود الرأسمالية (حيث نشأت ونمت الطبقة الرأسمالية من خارج طبقة ملاك الأراضي وبالضد منها). الأثر الثاني كان تحويل الاقتصاد بكليته إلى اقتصاد مزدوج: فجزء منه، صعير نسبيا تحول إلى قطاع حديث ذو إنتاجية عالية وعلى احتكاك مباشر مع متطلبات السوق ويستخدم تقنيات متقدمة في الإنتاج ويعتمد بشكل أساسي على الصناعة والتجارة والخدمات المصرفية، ولا يخلو من استثمارات زراعية محدودة ذات طابع تكثيفي-رأسمالي، بينما بقي الجزء الأكبر الاقتصاد متخلفا ويستخدم تقنيات بدائية وينتج غالبا للاستهلاك المنزلي وغير مندمج بالسوق إلا المحلية المباشرة.

Social Links: