«قواعد لتدبير العقل» لديكارت: نص «منسيّ» لتأسيس منهج التفكير
ابراهيم العريس
«ديكارت هو في الواقع المؤسس الحقيقي للفلسفة الحديثة، من حيث إنها تتخذ من الفكر مبدأها. ولن نكون على الإطلاق مبالغين مهما تحدثنا عن فعل هذا الرجل في عصره وفي الأزمنة الجديدة. فهو بطل حقيقي، بطل استعاد الأشياء من البدايات، واهتدى من جديد الى الأرض الحقيقية للفلسفة، بعد أن خلت عنها طوال ألف عام». من الواضح أن الفيلسوف الألماني هيغل حين كتب هذا الكلام عن سلفه الفرنسي الكبير، كان يتوخى بالتحديد القول إن ما أضافه ديكارت الى الفلسفة في زمنه، إنما كان العودة بها الى ما كان أرسطو قد توقف عنده: الفلسفة في منهجها ومنطقها. وبالتحديد عقلنة الفكر الإنساني وذلك عملاً بالمنطق ذاته الذي استخدمه سان سيمون ليقول عن ديكارت نفسه أنه كان المفكر «الذي انتزع صولجان العلم من يدي الخيال، ليضعه بين يدي العقل، هو الذي وضع المبدأ الشهير القائل: لا يجوز للإنسان أن يصدّق سوى الأشياء التي يقرّها العقل وتؤكدها التجربة، ذلك المبدأ الذي سحق الخرافة وغيّر الوجه الخلقي لكوكبنا». كان ديكارت إذاً، انطلاقاً من هذه الأحكام التي لا تردّ، الصانع الأكثر حداثة وصرامة في زمنه للمنهج، وبالتالي المفكر الذي أعاد الاعتبار الى المنطق الرياضي، والذي يكاد يكون قائماً على الجبر، في الفلسفة. وهكذا بالتحديد فهمه مفكر كبير آخر معاصر له هو سبينوزا، الذي كتب في ضوء صياغته المنهجية الرياضية واحداً من أعظم الكتب الفلسفية في التاريخ.
> وفي هذا الإطار، لن يكون من الصعوبة إدراك العنوان الذي وضعه ديكارت للكتاب الذي يعتبر سفره الأساسي «مقال في المنهج» (1637)، بيد أن الصعوبة تبدأ منذ اللحظة التي يُستشعر فيها في هذا الكتاب بالذات أن هذا العمل لا يمكن أن يكون قد طلع من لا شيء ليسجل فيه ديكارت أفكاره في المنطق. حيث إن ثمة دائماً هنا ما يحيّر القراء من ناحية إدراكهم بسرعة أن هذا الكتاب إنما يأتي استكمالاً لشيء سبقه، ونعرف بالتالي أن الباحثين في العمل الديكارتي اشتغلوا طويلاً- وبكثير من الشك الديكارتي (!) على أي حال- حتى توصلوا في نهاية الأمر الى تأكيد أن ما سبق «مقال في المنهج»، وفي السياق المنهجي أكثر مما في السياق الفكراني، إنما كان ذلك الكتاب الصغير الذي وضعه ديكارت قبل نحو عشر سنوات من إصداره «مقال في المنهج» لكنه لم يستكمله أبداً. ونعني به «قواعد لتدبير العقل» الذي بات يعتبر باكورة كتبه الفلسفية الكبرى بل الممهد لها، حتى وإن لم يطبع وينشر إلا عام 1701، في أمستردام بعد أكثر من نصف قرن مضى على وفاة الفيلسوف، وفي زحام العديد من النصوص التي طبعت لديكارت بعد رحيله وبعد ثلاثة أرباع القرن من صياغة ما صيغ منه.
> وما صيغ بالفعل من «قواعد لتدبير العقل» كان ثماني عشرة قاعدة دبجها الفيلسوف الشاب خلال أول زيارة قام بها الى باريس وكان لا يزال في آخر ثلاثينياته. ثماني عشرة قاعدة من أصل واحدة وعشرين كان قد خطط لوضعها بالفعل، تاركاً الثلاث الأخيرة مجرد عناوين. والحقيقة أن في إمكاننا مع شيء من الإنصاف، أن نكتشف كم أن كل ديكارت، في العناوين الرئيسة لفكره على الأقل، موجود هنا في تلك القواعد التي سيعتبرها كبار الدارسين الديكارتيين، قواعد مؤسسة لمنطق التفكير نفسه، ومبادئ لا يمكن أي فكر حقيقي، بما في ذلك الفكر الأخلاقي، إلا أن يسير على هديها. أما لماذا لم يعد ديكارت الى استكمالها، فلا شك أن سببه كون المفكر قد وسّع لاحقاً من أفكاره الواردة فيه نفسها وشعر بأنه لم يعد في حاجة إليها مستقلة في سياقها الأصلي، وربما كان ذلك هو أيضاً سبب استنكافه عن نشرها في حياته. فما هي هذه القواعد؟ وما هو هذا الكتاب على أي حال؟
> ربما يمكننا أن نجيب، في اختصار شديد يستأنف ما قلناه قبل سطور، أن أولى تلك القواعد تتناغم تماماً مع ما شكل بالنسبة الى ديكارت القسم الثاني من «مقال في المنهج»، ولا سيما تأكيد ما سوف يصبح لدى ديكارت، القواعد الأربع الأساسية للمنهج: «أن لا أسلّم شيئاً إلى أن أعلم أنه الحق»؛ «أن أقسم كل مشكلة تصادفني ما وسعني التقسيم، وما لزم لحلّها على خير وجه»؛ «أن أسير بأفكاري بنظام، فأبدأ بأبسط الموضوعات وأسهلها معرفة، وأرتقي بالتدريج الى معرفة أكثر الموضوعات تركيباً، فارضاً النظام حتى بين الموضوعات التي لا تتتالى بالطبع»؛ وأخيراً «أن أقوم في كل مسألة بإحصاءات شاملة، سواء في الفحص على الحدود الوسطى، أو في استعراض عناصر المسألة بحيث أتحقق أني لم أغفل شيئاً». والواضح هنا هو أن ما يتوخاه ديكارت من هذه القواعد، التي قد يكون من الأنسب تسميتها بـ «المسلّمات»، تدبير العقل، أو توجيهه بطريقة يمكنه بها أن يصدر أحكامه صلبة وحقيقية على كل الأمور التي تواجهه. وذلك هو الهدف المرتبط بكل دراسة وبأيّ دراسة. أما بالنسبة الى غرض الدراسة، فإن ديكارت يؤكد لنا أنه لا يتوجب أبداً السعي الى معرفة آراء الآخرين، بل الالتفات وحسب الى ما تمكن رؤيته بكل وضوح وببداهة، أو يمكن استنباطه بكل يقين. أما حين يستخدم ديكارت في هذا السياق هنا مسألة الحدس كعنصر فاعل في هذا السياق، فإنه لا يعني تصديق الشهادات المتغيرة من حول أحكام خاطئة وخدّاعة تشتغل على المخيّلة، بل ما يمكن العقل النبيه والسليم أن يستخلصه غير تارك أية ظلال شك تتعلق بما يتفحصّه.
> ويرى ديكارت هنا، أن منهج البحث عن الحقيقة يقوم في تقليص المقترحات الغامضة والقلقة الى أدنى الحدود الممكنة «أو، إذا ما انطلقنا من الأمور الأكثر بساطة، أن نجهد للارتقاء تدريجياً الى معرفة كل الأمور الأخرى». لكن ديكارت يقول لنا في السياق نفسه، أن علينا، وقبل أي شيء آخر «أن نميز بين الأمور البسيطة والأمور المعقدة لنتابع بحثنا في شكل منتظم بحيث نسعى للعثور، في كل أمر وفي كل حقيقة، على عنصرها الأكثر بساطة وكيف تتحدر منه بقية العناصر التي تكون عادة أكثر تركيبية منه. أما لكي نستكمل سبيلنا العلمي هذا، فيتعين علينا أن نستعرض كل الأمور ذات العلاقة بالهدف الذي نتوخاه ومن ثم نجمعها الى بعضها بعضاً في انتظام واضح وتراتبي وصارم. « فإذا ما صادفَنا، خلال عملية البحث، عنصرٌ يبدو لنا غير مفهوم أو يخرج ولو الى أدنى حد عن السياق، يكون علينا أن نتوقف ولو موقتاً عن البحث فيه، للعودة إليه لاحقاً» حيث «إذا تعذر سبر أغواره بفضل المعارف المتوافرة لنا في تلك اللحظة، يكون لا بد لنا من أن ننهل، في مجاله، من معارف الآخرين» الذين سبقونا في تفحصه والاستدلال عليه و «دائماً باللجوء الى صنوف علم وبحث تكون شديدة البساطة حتى وإن كانت أقل أهمية». ومن أجل الوصول الى دليل قاطع لا يترك مجالاً للشك، من أجل الوصول الى ما يوسّع من إمكان عقل هذا الشيء، «يتعين التفكير ملياً في العلاقات المتبادلة بين المقترحات، سواء كانت بسيطة أو متحدّرة من تلك البسيطة، وذلك في حراك فكري متواصل غايته الوصول الى أكبر عدد ممكن من نقاط التقابل بين المقترحات». أما في حال «اكتشافنا بالنسبة الى مسألة معينة، أن العناصر التي باتت معلومة لدينا ترتبط بعلاقة ما بعناصر غير معلومة، وبالتالي لا يبدو واحد من تلك العناصر محدداً في شكل واضح وصريح، سيتعين علينا أن نعتبر العنصر غير المعلوم عنصراً معلوماً، تماماً كما يقوم الأمر في الجبر». وذلك هو أساس المنهج الرياضي لدى ديكارت، حيث نراه هنا يستند الى العمليات الحسابية الأربع كوسيلة للوصول الى الهدف الأسمى، حتى وإن كان يستطرد قائلاً لنا، أن القسمة والضرب نفسيهما قد يمكن الاستغناء عنهما! وفي النهاية قد ينبغي علينا أن نلاحظ هنا، من طريق الاستنباط أن القواعد الثلاث التي تحمل الأرقام 19 و20 و21 والتي لا يبدو أن ديكارت استكملها، تتسم كلها بسمات رياضية جبرية من الواضح أن مجمل أعمال ديكارت التالية قد دفعته الى التغاضي عنها، تماماً كما أن تلك الأعمال- وتطويرها في عدد كبير من مؤلفات أكثر تحليلاً وإسهاباً- دفعت رينيه ديكارت (1596 – 1650) الى تناسي هذا النص المؤسس برمته.

Social Links: