ثقافة الأمر الواقع …!! – رؤى عبد الصمد

ثقافة الأمر الواقع …!! – رؤى عبد الصمد

ثقافة الأمر الواقع …!!
رؤى عبد الصمد

لعل هذا الفرع من الثقافة هو من أهم فروع المعرفة  التي تؤثر في حياتنا تأثيرا” فعالا” و ترسم على أساسها سياسات الدول و تصرفات الشعوب ..

و نظرا” لأهمية الموضوع سأطرحه على عدة منشورات لسهولة القراءة .

البارحة كنت في نقاش مع أحد زملائي ، فقد طلب مني بعض المعلومات ، و قال إنه يعمل دراسة عن تاريخ الأكراد ليرى هل لهم الحق في إقامة دولة مستقلة أم لا ؟!

قلت له مستغربا” ، هل دراستك هذه ستغير من مجرى الأحداث ، هل سيسلم الجميع بنادقهم و مدافعهم و يغيروا اتجاه هدفهم إذا تبين لهم من دراستك شيئا” جديدا” مختلفا”؟!

الموضوع يا صديقي باختصار هو أن الأمر الواقع هو الذي يفرض أجندته ثم يبدأ بعد ذلك البحث عن المبررات و الأسس القانونية و المبادىء الايديولوجية و الحقائق التاريخية ..

نعم هذه هي الحقيقة باختصار ، فكل شؤون حياتنا تدار بهذه الطريقة .

و حين اعترض علي و سألني :

-و كيف ندافع عن حقوقنا إذا” ؟

قلت :

-ندافع عنها ضمن الحدود التي تسمح بها سلطة الأمر الواقع ..

نعم …

إن كل الإيديولوجيات و المبادىء التي نعلمها لأبنائنا و طلابنا في المدارس ، و التي تكون بعيدة عن الأمر الواقع ، إنما هي مجرد ذر رماد في العيون ، و غشاوة عن رؤية الحقيقة ، و سد أمام رؤية الطريق الصحيح للحياة ..

إن زرع افكار و أحلام لا تمت إلى الواقع في عقولهم هي عملية خيانة لحقائق العلم و الأخلاق  و قوانين الطبيعة ..

في هذا الجزء سنطرح بعضا” من ثقافة الأمر الواقع في السياسة ، و خصوصا” فيما يتعلق بمنطقتنا العربية …

و سنبدأ ببعض التفاصيل :

١-حقيقة الأنظمة الحاكمة :

الكل أصبح يعلم ، بما فيهم الغبي و الذكي و متوسط الذكاء ، أن كل الأنظمة العربية هي عميلة للقوى العالمية الكبرى ، و أن ما نراه من الديكتاتوريات في المنطقة هم مجرد وكلاء لتنفيذ استراتيجيات القوى الكبرى ..

و بالمقابل ، يمنح هؤلاء العملاء حماية ، و صفة قانونية ، و صلاحية مطلقة باتباع أية سياسة يرتؤونها باتجاه شعوبهم ..

( اعمل هيك إلنا ، و بعدين شو ما بدك اعمل بشعبك !!!)

هذه حقيقة لا يجهلها إلا الأخرس و الأطرش و الأعمى معا”

هذا أمر واقع مفروض على كل الأنظمة في منطقتنا ( و أغلب دول العالم المتخلف ) ، و إن أية ثقافة لا تأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار هي مجرد عوائق و خوازيق و غشاوة أمام التخطيط السليم لأي نشاط سياسي  ..

إذا” ما هو الحل ؟!

الحل أن نعمل مع هذه الحقيقة وجها” لوجه ، يجب أن نقر أن القوى الكبرى ستفرض أجندتها شئنا أم أبينا ، لذلك الأفضل أن نطلع على هذه الأجندات مباشرة ، و نحاول على الأقل أن نتفاوض عليها ، و أن نقبل بتنفيذ هذه الأجندات طواعية و علانية ، و يجب أن نصارح شعوبنا بهذه الحقيقة ، يجب أن نقول لهذه الشعوب ( اليد التي لا تقدر عليها ، قبلها و ادع عليها بالكسر )

و لكن بالمقابل :يجب أن نطالب هذه القوى بلجم أنظمتنا الحاكمة عن كل ما عدا ذلك ، يجب أن نطالب القوى الكبرى مقابل التزامنا بأجندتها الخاصة بها أن تكف يد  انظمتنا الحاكمة عن قهرنا و سرقتنا و قتلنا و تجهيلنا و ظلمنا …

و عندها يجب أن تمتلك الشعوب حق اختيار الأكفأ و الأجدر بقيادتها ضمن إطار و حدود تنفيذ أجندة القوى الكبرى ..

و عندها سنحصل على مكاسب لم نكن نحلم بها ، من الحرية و التنمية الاقتصادية و التعليم و الرفاهية و السلم و الأمان الاجتماعي ..

و في مقابل ذلك لن نخسر شيئا” فمصالح القوى الكبرى محفوظة رغما” عنا شئنا أم أبينا ….

٢- اسرائيل :

غذيت الشعوب العربية و على مدار عشرات السنين على ثقافة عدم الاعتراف باسرائيل ، ماذا يعني ذلك ؟! يعني أننا نخطط للحظة المناسبة لننقض على اسرائيل و نلقي 5 مليون اسرائيلي في البحر ، و نعلن فلسطين دولة محررة تحت قيادة ديكتاتور ما من اشباه حافظ او بشار الأسد ، صدام حسين . القذافي …أو …

ما هي الأسس العلمية و الواقعية لهذا التصور الذي يدرس في المدارس و الجامعات و دور العبادة و أجهزة الإعلام ..؟!

يجب أن تدرك الشعوب هذه الكذبة الكبرى التي تتلاعب بعقولها ، و تدرك أن شيئا” من ذلك لن يحدث حتى بالأحلام ..

يجب أن تدرك الشعوب أن القوة العسكرية لإسرائيل أكبر من قوى كل هذه الدول مجتمعة و التي لن تجتمع أبدا” ..

يجب أن تدرك الشعوب أن الأهمية الاستراتيجية لاسرائيل على مستوى العالم يفوق أهمية كل دول المنطقة الأخرى مجتمعة

يجب أن تدرك الشعوب أن هكذا تصور ، يعتبر سابقة في العصر الحديث يهدد حتى دول العالم المتقدم

فإزالة دولة من أساسها يهدد كل دولة فيما لو سمح لهكذا تصور أن يحدث

لذا يجب أن تدرك الشعوب أن اسرائيل دولة قومية متقدمة قائمة ، سواء أعجبنا هذا أم لم يعجبنا ، و أن تدرك أنه يجب التعامل معها على أساس أنها موجودة و بهذا الثقل ، و أن تكون كل الخطط معدة على أساس وجودها ..

و أن تهتم الشعوب لبناء دولها بدلا” من الاستماع المتكرر لخطابات التزييف و الكذب و الضحك على اللحى ….

٣- الخلافة الاسلامية :

لن ننكر حقيقة النهج المتعاظم لأنصار إقامة الخلافة الاسلامية ، سواء” من المتطرفين أو المعتدلين ، المحاربين أو المثقفين ..

و بغض النظر عن المواقف المؤيدة او المعارضة للفكرة فأنا هنا لست منظرا” عقائديا”  و لا سياسيا” ، أنا هنا أكتب عن ثقافة الأمر الواقع ..

و لذلك أقول :

حسنا” أخي الاسلامي المتشدد أو المعتدل ، لن أجادلك ، و سأعترف أنه لربما كان من حقك إقامة الخلافة الاسلامية بموجب تصورك و حتى أنا لن أناقشك بهذا التصور ، و لكن …!!

من حق أيضا” الدول التي تعارض هذه الفكرة ، (و أيضا” انا لن اناقش أسبابها) ، من حق هذه الدول أيضا” أن تعمل على إحباط مشروعك ..

و لا أبسط من ذلك .

ستقطع عنك الماء و الكهرباء بغض النظر عن النت و الاتترنيت و الفضائيات و ال

فيس بوك و حتى الاقلام و أوراق الدفتر ، طبعا” انا لن أذكر أنها ستمنع عنك البندقية و حتى الرصاصة ..

هذه حقيقة يدركها كل ساذج ، إذا أردت أن تعادي العالم المتقدم ، فاخرج أولا” من تحت سقف الاسمنت إلى سقف الطين ، و اشرب مياه المستنقعات ، و لا تشعل ضوءا” في الليل ، استغن عن السيارات و الموبايل و ماكينة الخياطة ، استغن عن المواد الغذائية الأساسية التي لم تعد تنتح إلا باستخدام آلات يقدمها لك الغرب المتقدم ..

و حتى لو أقمت الخلاقة هل يمكنك الصمود يوما” واحدا” لو أعلنوا عليك الحصار الشامل فضلا” عن إعلان الحرب ..

يجب أن تدرك الشعوب ، ان من يطرح هكذا إيديولوجية ما هو إلا حمار مطمش ، يتجاهل كل ما حوله و يجري باتجاه الهاوية …..

٤- الثروات الوطنية و القومية :

ترعرعنا على كذبة الثروات المعدنية الوطنية و القومية (البترول و قناة السويس ) ، و كنا دائما” نلقن كذبة أن العملاء آل سعود و غيرهم من شركاء أوبك يتآمرون على شعوبهم و يزيدون الانتاج ليخفضوا أسعار البترول كما تريد أمريكا و الدول الاستعمارية الأخرى ..

و كان يصب في أذهاننا ان امريكا و الغرب عموما” رقبتهم بأيدينا دائما” و أن بإمكاننا أن نبيع النفط بالغرام ، و بزجاجات كتلك التي تعبأ بها العطور ، و أن لا يقل سعر الغرام عن واحد دولار ، كما أنه يمكننا أن نغلق قناة السويس في وجه الملاحة الدولية مالم تدفع لنا سفن الشحن و النقل الدولي إتاوة دسمة ، و محرزة ، و إلا فعليهم أن يلفوا كل الكرة الأرضية و يعيدوا للنقل عن طريق رأس الرجاء الصالح ..

و كانت أحلامنا لا تقف عند حد ، أقلها أننا سنلف غندها رجلا” على رجل و نسخر الفتيات الأوربيات و الأمريكيات فقط ليدلكونا بأحلى و أمتع مساجات ، بينما يرجالهم سيعملون مثل حمير ليؤمنوا لنا احتياجاتنا من منتجاتهم و صناعاتهم  لتحقيق أعلى درجات رفاهيتنا ..!!

لن أناقش أيضا” بأحقيتنا بذلك أم لا ، فأنا لا أريد أن أشعب الموضوع ، و لكن أشير فقط أنه عندما ستفكر الأنظمة الحاكمة بذلك حتى مجرد تفكير ، ستصبح في خبر كان ، هي و شعوبها بالمناسبة ، صحيح أنهم هم من يسعر البترول و يحدد رسوم قناة السويس و غيرها و لكن هذا من البديهيات ، و إذا اقتضى الأمر و لم يعجبكم سيعاد التوزيع من جديد ، بدلا” من نصف لكم و نصف لنا ، كل شيء لنا و لا شيء لكم …

لذا على الشعوب أن تقبل بحصتها المخصصة من ثرواتها الوطنية ، و أن يكون ذلك رسميا” و علنا” و صراحة ، بعيدا” عن احتياج تلك الدول لعمالة آل سعود و آل قرود و غيرهم و غيرهم ..

٥-خاتمة

إن ما قدمته فيما سبق عن ثقافة الأمر الواقع لا يعني بحال من الاحوال الخنوع كما علقت منذ قليل إحدى الصديقات ،

بالعكس ، إنه دافع للتغيير و استعادة الحقوق ، و لكن وفق الاتجاه الصحيح ..

قد تكون في شبابك تحمل كيس اسمنت خمسين كيلوغرام بيد واحدة ، و انت اليوم بالسبعين لا تقوى على حمل يدك ، فهل تبني خططك على قواك السابقة أم على ضعفك الحالي ..

لك مطلق الحرية و لكن ثق تماما” حين ستبنيها على اوهام و خيالات سابقة فسيطحنك اول كيس اسمنت يقترب من جسمك الواهن ..

ابن خططك وفق قواك الحالية ، و وفق ما هو متاح لك من الطريق ، لن يمكنك في كل مرة أن تصعد الجبل ثم تهبط الوادي ، عليك أن تمشي في الطريق الذي يمكنك فيه من متابعة المشوار ..

علينا أن نقبل حقائق الامر الواقع و نمضي من خلالها ، و كل احلام وردية لا تمت إلى الحقيقة ما هي إلا مطبات ستقع فيها لا محالة

فإذا كنت  أعرف أن قدراتي الدراسية متواضعة ، فهل الافضل ان اتقدم لامتحان أعلى المستويات ، و أسقط حتما” في هذا الامتحان ، أم أختار امتحانا” يناسب مقدرتي فانجح فيه ثم أنتقل إلى مستوى آخر  ..

  • Social Links:

Leave a Reply