“إسرائيل” تقايض دعم إعادة تأهيل النظام بتنازله عن الجولان
أحمد مظهر سعدو
تبيّن متابعة الحراك السياسي في المنطقة أن “إسرائيل” تحاول اختراق الموقف الدولي، وإعادة المصادقة على الموقف الأميركي، بشأن الجولان السوري المحتل، الذي أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق جيرالد فورد، في 1974. وفي هذا السياق، أعلن وزير المخابرات الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في 23 أيار/ مايو المنصرم، أن “إسرائيل تضغط على إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للاعتراف بسيادتها على هضبة الجولان، وأنها تتوقع موافقة الولايات المتحدة الأميركية على ذلك، خلال الشهور المقبلة”. وأكد أن “الاقتراح يتصدر جدول أعمال المحادثات الديبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية، حيث طرحها نتنياهو، في أول اجتماع له مع الرئيس ترامب في شباط/ فبراير 2017، وهي قيد النقاش (حاليًا) على مستويات متعددة داخل الإدارة والكونغرس”.
وبما أن هذا الشأن يشغل بال السوريين، لما له من أهمية على مستقبل سورية؛ فقد سألت (جيرون) بعض الباحثين والسياسيين عن رأيهم في إمكانية أن تسير الإدارة الأميركية الحالية وفق الهوى الإسرائيلي، وتعترف بضم الجولان، وإذا حصل ذلك، فهل سيتغير الموقف الدولي أو الأممي داخل أروقة الأمم المتحدة، وصولًا إلى ابتلاع الجولان في سياق مواقف للنظام السوري ترتجي رضى الإسرائيليين، بعد التوافق المفضوح حول الجنوب والقنيطرة؟
في هذا الموضوع، قال أستاذ الفلسفة أحمد نسيم برقاوي، لـ (جيرون): “مضى على احتلال الجولان خمسون عامًا وعام. نصف قرن والجولان محتل، والسلطة الحاكمة هي هي؛ فوزير الدفاع والقائد العام للجيش والقوات المسلحة الذي وقعت الهزيمة في زمانه هو نفسه الذي وقع فصل القوات عام 1974، وهو الذي ترك الجولان بيد العدو. ووريثه استمر على منواله، فلا النظام حارب لاستعادته، ولا اتفق مع إسرائيل لاسترجاعه”.
وأضاف: “مصير الجولان لا يقرره اعتراف أميركا بضمه، أو عدم اعترافها. إنما يقرره الجانب الذي وقع عليه العدوان، أي سورية. لكن سورية التي وقع عليها العدوان لم تعمل يومًا على استعادته، بل اكتفت بأمرين: فصل القوات من جهة، وخطاب يؤكد أن الجولان سورية. وهذا عمليًا يخلق الشرط الأمثل لاحتفاظ إسرائيل بالجولان التي أصدرت قرارًا بضمه أيام بيغن. سواء أعترفت أميركا بضمه أم لم تعترف. لا سيما أن الجماعة الحاكمة في سورية خلال نصف قرن لم تجعل من الجولان همًا من همومها”. ونبَّه إلى أن “مرور زمن طويل على استمرار أي واقعة، وبخاصة واقعة الاحتلال، يخلق أمرًا واقعًا، إلا إذا قُيضت لسورية سلطة وطنية ينتجها عقد وطني واجتماعي، عندئذ يمكن لهذه السلطة أن تجعل من تحرير الجولان هدفًا من أهدافها، وتسترجعه بشتى الوسائل الممكنة. أما مع بقاء هذه الجماعة في الحكم؛ فهذا يعني ضياع الجولان حتمًا”.
الكاتب السوري محمد خليفة قال في حديث إلى (جيرون): “لا أعتقد أن إسرائيل في حاجة إلى افتعال مشكلة، والتسبب في مزيد من الإحراج للإدارة الأميركية، بعدما سببته قضية القدس لها وللإدارة، خصوصًا أنها ضمت الجولان منذ عام 1980، وطبقت عليها قوانينها من دون ردة فعل جدية من الدولة السورية”. وأضاف: “أعتقد أن ما يحكم (الجولان) أبعد من اتفاق حافظ الأسد وإسرائيل بوساطة كيسنجر ونيكسون عام 1974، إنه التفاهم السري بين الأسد وإسرائيل عام 1967، حين سلمها الجنرال وزير الدفاع للعدو من دون طلقة نار واحدة. وكلنا يعلم أن انقلابه عام 1970 كان مكافأة له، بعد تلك الصفقة”.
أكد خليفة أن “بعض السوريين يرى أن الرواية التي يتمسك بها سوريون آخرون على نطاق واسع تنطوي على اتهام غير مثبت، ولكن الوقائع والتطورات التي تلت ذلك، ومنها حرب 1973، ثم اتفاق الهدنة 1974، وأخيرًا صفقة تسليم لبنان للأسد عام 1976 (حتى 2005) كبديل عن الجولان، حسب بعض الشهود والمحللين. وصولًا إلى يومنا الحاضر، تحمل كثيرًا من القرائن العقلية والمادية، على وجود تواطؤ بين الأسد والعدو الإسرائيلي، وتعاون مستمر على المستوى الثنائي والمستوى الإقليمي”. وأشار إلى (الغبطة) الصهيونية التي صدرت عن نتنياهو ووزير دفاعه المتطرف ليبرمان قبل أيام، بمناسبة عودة جيش الأسد إلى الحدود، عادًا ذلك دليلًا إضافيًا على الثقة المتبادلة بين الطرفين، وقال: “أتصور أن التفاهم السري بينهما أقوى وأرسخ من أي اتفاق مكتوب كاتفاق وقف إطلاق النار 1974، وأقوى من معاهدة (كامب ديفيد) بين مصر وإسرائيل، ومن معاهدة (وادي عربة) بين إسرائيل والأردن، بدليل أن الأمن السائد بينهما أقوى من مثيله بين الأردن ومصر طوال 40 سنة”.
يرى خليفة أن “التفاهم السري لعلاقة تبادلية قوية يؤسس مع اتفاق 1974 نوعًا من الترسيم القانوني والدولي الدائم للحدود بينهما، وكأنها حدود شرعية بين دولتين. كما كرس التعاون بينهما في لبنان الساحة الفلسطينية كمصالح استراتيجية، لمسنا تجلياتها بشكل واضح، خلال ثماني سنوات من الثورة، حيث رفض العدو إسقاط الأسد، وعملت إسرائيل على حمايته وفقًا لقاعدة (أمن إسرائيل من أمن سورية، والعكس بالعكس) التي صاغها رامي مخلوف عام 2011″. وأشار إلى أن وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية كثيرة رددت معلومات عن اتفاق سري جديد، بين بشار الأسد وإسرائيل، بوساطة العراب الروسي (لا الأميركي!) على دعم إسرائيل لإعادة تأهيل الأسد دوليًا، مقابل التنازل عن الجولان نهائيًا، وعدم المطالبة به مستقبلًا، استكمالًا لصفقة الأسد الأب عام 1967 و1974”.
وأضاف: “العلاقة بين آل الأسد والصهاينة تشبه علاقة زواج مصلحة غير معلن، ولا رغبة لدى كلا الطرفين في إشهارها. وإذا كان (القاضي راضي) فلا حاجة إلى تدخل الإدارة الأميركية، ولا حاجة إلى دور للأمم المتحدة”. وختم خليفة بالقول: “أؤكد أن مصير الجولان المحتل مؤجل، ومرهون باستعادة الشعب السوري حريته ودولته المغتصبة من أيدي العصابة الحاكمة، وعندئذ لن يكون لديه سوى خيار وحيد هو تفعيل القانون الأزلي: (ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة)، ولن يذهب إلى الأمم المتحدة، بعد تجارب العرب الخائبة منذ 1948”.
في الموضوع ذاته، قال الباحث السوري محمود عادل باذنجكي لـ (جيرون): “إنّها الفوضى. وبالنسبة إلى إسرائيل هي فرصة من ذهبٍ لاقتناص اللحظة. ترامب رجل القرار الحاسم الذي لا يكترث لمرجعيات مَن سبقه، مخلص لوعوده التي أطلقها أمام (أيباك) بحماية ودعم إسرائيل، وهو الذي نفّذ أول وعوده بنقل السفارة الأميركية إلى القدس غير عابئ بمواقف أسلافه، ولا بالمواقف الدولية أو العربية. زِد على ذلك شبق السلطة لدى بشار الأسد الذي سيوافق سرًا، ويقتنص الفرصة أيضًا للمزاودة على الشعب، برفض وشجبٍ واستنكارٍ ولجوء إلى الأمم المتّحدة ومجلس الأمن، بينما هو يفرك يديه فرحًا وتشبّثًا بالكرسي الملطخ بدماء الأبرياء”.

Social Links: