ألكسندر زابولسكيس /ترجمة الرافد عن iarex.ru
اكتسب الغزو الأمريكي المباشر لإيران شعبية مرة أخرى. بعد ليلة من الضربة الجوية التي شنتها القوات الأمريكية وأصابت فيها أهدافا لحزب الله على الحدود السورية العراقية ، والتي جاءت تتويجا لنداء الرئيس بايدن المتكرر على مدار 24 ساعة للرئيس الإيراني كي ” يتوخى الحذر” .
وبالرغم من أن الطرفين يختلفان على تفصيل هنا وأخر هناك الا انهما متفقان على أن البرنامج النووي هو العقبة الكأداء امام الوصول الى تفاهمات مريحة للطرفين .
يجادل الإيرانيون قائلين : أن كل من إسرائيل وكوريا الشمالية تمكنتا من الحصول على أسلحتهما النووية “خارج النادي النووي الكبير” ولم يترتب على ذلك أية عقابيل فلما يكون الأمر مختلفا مع إيران .
ان أمر إيران مختلف تماما، بحسب منطق مغاير. فبمجرد نيلها رسميًا للعصا نووية ، سيبدأ على الفور عرض دراماتيكي سريع لهذا السلاح في بلدان أخرى . بدءا من إسرائيل التي امتلكته دون ان تعترف بذلك حتى الان ، إلى تركيا ودول الخليج ومصر، حيث سيكون الحصول على القنبلة الذرية الخاصة بكل دولة مسألة ضمان للأمن القومي ومسألة حفاظ على المكانة في نفس الوقت . أما نظام الأمن النووي الدولي برمته ، والذي بُني على مدى نصف قرن ، فسيذهب إلى الجحيم، وسيكون القلق المترتب عن هذه الفوضى معبرا عن مشاعر العالم اجمع ، الا الولايات المتحدة الأمريكية .
التي سيكون تفكيرها منصبا على نقطة أخرى مختلفة تماما . فبمجرد أن يمتلك “الجميع” أسلحة نووية في الشرق الأوسط ، سيختفي ما تبقى من احترام للتفوق الأمريكي. لكن الولايات المتحدة لا تستطيع السماح بذلك. لأن البترودولار ، الذي يشكل أساس هيمنة الدولار على العالم ، والذي تعيش الولايات المتحدة الآن معه ومن اجله فقط ، سيتعرض للتهديد تلقائيًا.
ولان الامر كذلك ، فإذا فشلت في “إجبار إيران على العودة إلى الاتفاق النووي” ، فلن يكون أمام واشنطن الا خيار الغزو العسكري المباشر واحتلال كامل الأراضي الإيرانية على غرار ما فعلته في العراق المجاور. لأنها ببساطة قد استنفذت كل “الخيارات التأديبية” .
وهو منطق كان صحيحا من الناحية النظرية بل وشغال في التكوينات الجيوسياسية السابقة ، اما الان فجدواه موضع شك . والمشكلة هي في أن عددًا من الأسس التي يرتكز عليها التفوق الأمريكي قد خضعت إلى تغيير نوعي جعلت هذا المنطق غير متوافق والتطورات التي نالت منه . فواشنطن اليوم ليست قلقة ان امتلكت إيران أو أي من دول المنطقة للسلاح النووي أو افتقرت اليه فالأمر بالنسبة لواشنطن سيان .
للذين فاتهم رؤية ما احدثته ثورة المعلوماتية ، نقول ان ثورة عالمية قادتها شركات ما بعد الصناعة العابرة للوطنية في أمريكا. فقد استحوذت هذه الشركات العالمية على مؤسسة الدولة وهي الآن تقوم بحل أهم مشكلتين تواجهها .
تتمثل المشكلة الأولى في ، إعادة تنظيم آليات الإدارة العامة بموجب قواعد جديدة. كان هذا هو الحال بعد الثورة الفرنسية ، وكان هذا هو الحال بعد حرب الاستقلال في الولايات المتحدة ، وكان هذا هو الحال بعد عام 1917 في روسيا. اذ لا يكفي الاستيلاء على السلطة ، فهي لا تزال بحاجة إلى تعزيز لقوتها. وعلى هذا الطريق الطويل ، يجب التخلص من “رفقاء المسافرين” غير الضروريين. أليس هذا بالضبط ما قام به بايدن “بتوجيه الاتهام إلى” زوكربيرج “بالكثير من الوقاحة”.
لكن المشكلة الثانية أكثر تعقيدًا. فبعد ان تمكنت الشركات المالية ، من تشكيل أسس اقتصاد جديد قائم على “رأسمالية بدون نقود” ، حيث من المتاح طباعة أغلفة الحلوى بلا نهاية ومن فراغ. على الأقل ، هكذا يبدو الأمر الآن لقيادة البنك الاحتياطي الفيدرالي.
ان ضمان استقرار النظام الجديد يتطلب توسيع حدوده للمدى الأقصى. أي الاحتلال السياسي والاقتصادي للاتحاد الأوروبي وجميع مناطق الهيمنة الأمريكية السابقة ، والتي لا تزال قائمة. أما الشرق الأوسط فهو يمتلك ثاني أهم كتلة مالية في القائمة ، لكنه ،ربما يكون الأول من حيث سهولة الجباية .
أمريكا بحاجة ماسة إلى تكرار النهج الماكر للرئيس روزفلت ، الذي نجح في دفع أكبر قوتين استعماريتين – إنجلترا وفرنسا – ضد ألمانيا هتلر ، بينما حل محل “بائع المجارف وملابس العمل”.
خلال حقبة الاندفاع نحو التنقيب عن الذهب ، فقط السذج ظنوا ان أولئك الذين يغسلون الذهب بأنفسهم سيصبحون الأثرياء. في حين تراكم النصيب الأكبر من الثروة المكتسبة في أيدي أولئك الذين قدموا الأدوات والملابس والأحذية والمواد الاستهلاكية.
لقد “كسب” الاقتصاد الأمريكي أكثر من 14.8 تريليون دولار من الإمدادات إلى الدول المتحاربة ، لكن الجزء الآخر من “النصر” اتضح أنه ألذ بكثير وأكثر أهمية. والذي تضمن بالإضافة إلى الموافقة على سداد القروض فتح الأسواق للسلع ورؤوس الأموال وهو ما اضطرت عليه إنكلترا على سبيل المثال ، فقد فتحت لندن رسميًا أسواق مستعمر العملاقة للسلع ورؤوس الأموال الأمريكية ، لم تحتسب إيرادات هذه الحرب بدقة حتى اليوم لكن الخبراء يقدرونها بما يعادل 80 ترليون دولار بأسعار اليوم ،وهو رقم يظهر بوضوح كيف تمكنت واشنطن بعد ذلك من إعداد الأساس لاتفاقية بريتون وودز ، التي قدمت لأمريكا أكثر من نصف قرن من الازدهار وضمان المهيمنة على العالم.
ان النخبة الحاكمة الأمريكية الجديدة بحاجة الآن إلى نفس الحرب بالضبط. لا فيتنام ثانية ولا أفغانستان أو حرب عراق جديدة. سئم الأمريكيون القتال بحرابهم الخاصة وأتعبهم ربع قرن من الحروب .
ان جل الأشخاص الذين يقفون وراء “إدارة كامالا هاريس” هم الأكثر اهتمامًا بتكرار اصطفاف الحرب العالمية الثانية ، شريطة ألا تتجاوز الشرق الأوسط ، ولذا فإن السكان المحليين هم فقط الذين سينطحون بجباههم رؤوس خصومهم الصلبة .
إن فكرة إنشاء “حلف ناتو للشرق الأوسط” لم تطوى ولم تلغى من الأجندة الأمريكية ،علاوة على ذلك ،تقوم تل أبيب بتنفيذ هذا الملف بهدوء. كما ذكرت قناة i24 التلفزيونية والتي أضافت ، أن كل من إسرائيل والبحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تتفاوض لإنشاء تحالف عسكري. ليس من الصعب التكهن ضد من يتم انشاء هذا التحالف ،فمن الطبيعي ألا يكون موجها ضد جنوب افريقيا او الارجنتين ؟!
هذا التحالف لا معنى له إلا في حرب موعودة ضد إيران . ولا شيء غير ذلك. والولايات المتحدة ستبيعهم “معاول”. الحرب دائما باهظة الثمن والحرب الحديثة لن تشذ عن القاعدة .
ان أبسط صاروخ مضاد للطائرات يكلف نصف مليون ، أما الصواريخ الأكثر جودة أي الأكثر خطورة فيتجاوز سعر الواحد منها العشرة ملاين ، لذلك على الذين تجف سيولتهم ان يقترضوا، بشروط تفضيلية. وبمعدل فائدة مريح ولمدد طويلة ومع التزامات صغيرة ، شبيهة بشروط “البترودولار”.
هذا هو المكان الذي يتم فيه الإجابة على السؤال الأصلي قيد المناقشة ، حول حقيقة استعداد المشاة الأمريكيين للهبوط على الأرض الايرانية مباشرة. ثم ، في النهاية ، لتعزيز دور الولايات المتحدة الحاسم في الانتصار على “شر العالم” ، عندما يهزم العدو بالفعل من قبل حلفائه ، فإن واشنطن ستتخذ هذه الخطوة بلا شك. لكن لم يحدث من قبل. وبالتأكيد لن يكون الجيش الأمريكي أول من يكشف صدره لرشقات رشاشات الخنادق.
وبالتالي ، وفي ظل الظروف الراهنة ، ستقتصر أقصى الجهود العسكرية للبنتاغون على محاولة تنظيم غارة صاروخية محلية ولمرة واحدة حصريًا ، على غرار الضربة على سوريا. ومع ذلك ، ستتفهم وكالة الاستخبارات الأمريكية أيضًا أهمية الفروقات في القدرات العسكرية بين سوريا وإيران. لذلك ، فإنهم هم أنفسهم يخشون تجاوز خط التهديدات الرهيبة للغاية المتربصة بهم ، حتى لو كان التجاوز عن طريق الخطأ.
كل هذه الرقصات مع “ناتو الشرق الأوسط” لا معنى لها إلا إذا كانت إيران خارج أي من تحالفات المنطقة العسكرية أو العسكرية السياسية الجادة. تتفهم سلطات الجمهورية الإسلامية ، ان الاختلاف في حجم الاقتصادات والملائة المالية ، مع من يحظرونه – سواء مع الصين أو مع روسيا – يترك لهم فرصة ضئيلة للغاية للشعور بالندية في سياق أي تحالف.
لذلك ، لا ترى الإيرانيين مندفعين في هذا السياق وهم يقلبون احتمالات الحد الأعلى من الفوائد بأقل التكاليف ، ولا سيما تكاليف الفوائد غير القابلة للاسترداد ، على مستوى السيادة والخضوع الجيوسياسي.
لكن تطور الأحداث أصبح متصاعدا بالفعل وغير متذبذب . فالشركات الأمريكية لديها القليل من الوقت قبل الموعد النهائي حتى 2028 ، وبعد ذلك ستصبح القوة العسكرية والاقتصادية للصين عصية على التدمير من قبل الولايات المتحدة الامريكية ، وسيصبح وضع “النموذج الجديد لدولار ما بعد الصناعة ” تحت التهديد القاتل المتمثل في تدميره نهائيا ، لذلك ليس لدى بايدن مكان “خلف واشنطن” ليتراجع اليه. والتصعيد العسكري المترتب على ذلك في الخليج يظهر بوضوح أن خيارات إيران وأفاقها محدودة.
لا تستطيع طهران وحدها مقاومة التحالف العسكري الرسمي للممالك السنية تحت الحكم الإسرائيلي ومقاومة الولايات المتحدة، وسبيلها الوحيد للهروب من مأزقها هو عقد تحالف استراتيجي ثلاثي مع موسكو وبكين.
علاوة على ذلك ، فإن مثل هذا الاتفاق ، يعطي فرصة لزحزحة العدو في سوريا والعراق واليمن وحتى لبنان على أقل تقدير . وربما يجذب مصر وجزء من ليبيا إلى جانبنا. مع توقع الاحتفاء جيدا بترسيخ “الهلال الشيعي” في تل أبيب.
وفق هذه الرؤية ستنضم طهران على الأرجح إلى التحالف الثلاثي. بعد ذلك ، لن يكون على “ناتو الشرق الأوسط” سوى تفكيك نفسه ، لأن غزو إيران سيضع المعتدي تلقائيًا في مواجهة الترسانات العسكرية للصين وروسيا.
من غير المرجح أن تدخل القوات الخاصة الروسية أو الدبابات الصينية في المعركة، لكن من غير المعروف وليس من الواضح كيف ستتدفق مختلف أنظمة الأسلحة الحديثة الى الجيش الإيراني وكيف ستتشكل فجأة و “بكميات قابلة للتسويق” مع تعليمات مفصلة باللغة الفارسية ومدربين أذكياء على استعداد لتدريب الأطقم على اجراء الحسابات على مدار الساعة.
لذلك نرى أن الوضع الحالي في حالة توازن ديناميكي ، حيث لا يكون للغزو العسكري المباشر لإيران من قبل الجيش الأمريكي أي فرصة واضحة للنجاح. وهذا يعني أن السلطات الأمريكية لن تتخذ مثل هذه الخطوة الانتحارية ، هم أي شيء لكنهم ابدا ليسوا أغبياء.

Social Links: