مئوية ناظم الغزالي.. “النهر الثالث”

مئوية ناظم الغزالي.. “النهر الثالث”

سليمان بختي – ضفة ثالثة:
عُرف بأنه سفير الأغنية العراقية، ولا تزال أغانيه تسمع في العراق، والعالم العربي، حتى اليوم. صوته العذب والحنون والقوي انطلق من شجن المقام البغدادي، ليصبح رمزًا للأغنية العراقية. إنه ناظم الغزالي (1921 ـ 1963)، الذي تصادف هذه السنة مئوية ولادته.
ولد ناظم أحمد الجبوري في حيدر خانه في بغداد. توفي والده وهو طفل، ثم توفيت والدته التي كانت تناديه “يا عيني”، وهي الضريرة، وكانت تعنيها، فرعته خالته مسعودة. عانى الفقر وقسوة العيش. درس في مدرسة المأمونية، وكان شغوفًا بسماع الأناشيد والمقامات منذ صغره. اتجهت ميوله في البداية إلى التمثيل، والتحق بالمعهد الوطني للفنون الجميلة. بعد فترة، ترك معهد الفنون، وهام باحثًا عن عمل، بعد أن ضاقت به السبل. عمل مراقبًا لمشروع الطحين في بغداد، ثم مراقبًا على الملاهي ودور السينما في أمانة العاصمة. ومع ثقل الأوقات، راح يغني في المكتب، ويسمع صيحات الإعجاب والتشجيع من زملائه.
عاد مجددًا إلى معهد الفنون دارسًا فن الإلقاء ومخارج الحروف على يدي حقي الشبلي، عميد المسرح العراقي. ولاحقًا، انضمّ إلى فرقة “الزبانية”، إحدى أشهر الفرق المسرحية آنذاك. حصل عام 1942 على دورٍ صغيرٍ في مسرحية “مجنون ليلى” لأحمد شوقي، وأدى أغنية “هلا هيا نطوي الفلا”. هذه الأغنية فتحت له باب الدخول إلى إذاعة بغداد. كان عضوًا في فرقة الموشحات الأندلسية، وتتلمذ على يد محمد القبانجي، أحد كبار مغني المقامات في عصره. انضمّ إلى فرقة الشيخ علي درويش (الموسيقار القدير الذي درس الموسيقى في تركيا ومصر وتونس وفلسطين)، والذي احتضن ناظم الغزالي، وأفاده من خبرته وعمله.
سافر عام 1946 إلى فلسطين، وغنى لقوات الجيش العراقي، وأدى القصائد والأغاني الفولكلورية، وأثار الإعجاب لبراعته وحضوره المسرحي الواثق.
تمتع ناظم الغزالي بثقافة عالية من مصدرين: الكتب، والاستماع إلى الأغاني، وخصوصًا القصائد العربية، ومقامات القبانجي، وأغاني محمد عبد الوهاب، في قصائد أحمد شوقي والأخطل الصغير.

كان عام 1952 نقطة تحوّل في حياته، فقد تعرف إلى المطربة سليمة مراد (الباشا)، التي كانت صاحبة صالون في بغداد يتردد إليه كبار الشعراء والفنانين والمتنفذين، إذ التقاها ذات سهرة لدى إحدى العائلات العراقية، ووقع في حبها من أول نظرة، وهي المطربة اليهودية القديرة التي تكبره بخمسة عشر عامًا. ومثلما أحبّ صوتها وحضورها، أحبت صوته وحسنه ولطافته. وبقدر ما أغدقت عليه من خبرتها، وما حفظته من التراث الغنائي البغدادي الأصيل الذي أجاده الموسيقيون اليهود، بقدر ما استفاد الغزالي من ثراء هذا المناخ الذي تبدد، أو كاد، بعد خروج اليهود من العراق.
لحن الغزالي أغنيتين ناجحتين هما: “قولي يا حلو منين الله جابك”، وأهداها إلى سليمة مراد. والثانية “أحبك واحب كل من يحبك”. كما عمل مع عازف العود الشهير، جميل بشير، وأنتجا أعمالًا مشتركة، مثل “فوق النخل”، و”مروا عليَّ الحلوين”. ومع جميل بشير، قلبا معًا مقاييس الغناء العراقي التقليدي لحنًا وغناءً. أما الملحن الذي تعهد أغلب أعماله، فهو الفنان ناظم نعيم، الذي هاجر إلى الولايات بعد سنوات قليلة من وفاة الغزالي، وتوفي هناك قبل سنتين.
غنى ناظم الغزالي القصائد والمقامات والأغاني التي عرفت شهرة بصوته، مثل: “طالعة من بيت أبوها”، و”حياك بابا حياك”، و”يا أم العيون السود”، و”ما ريدك”، و”حادي العيس”، و”سمارة”، و”ميحانا”، و”عيرتني بالشيب”، و”يا من لعبت به شمول”، و”أقول وقد ناحت بقربي حمامة” (أبو فراس الحمداني)، و”يا رب إن عظمت ذنوبي” (أبو نواس)، و”أي شيء في العيد أهدي إليك” لإيليا أبو ماضي، و”يا راهب الدير”، و”قل للمليحة”، و”سمراء من قوم عيسى”، و”تيهي على أرج”. تمتع الغزالي بصوت عذب وطويل النفس، وبأناقة حضور، وكاريزما، وحركة مدروسة على المسرح، مستفيدًا من دراسة التمثيل المسرحي التعبيري.
كان لقوة صوته لا يستعمل الميكروفون أحيانًا، ويهويه التطريب على مقام “اللامي”، ويختمه بـ”معلم على الصدعات قلبي”.
زار لبنان، وأحيا حفلات ناجحة، وشارك في فيلم “ليالي لبنان” بأغنية “يا أم العيون السود”. ظلّ يعمل باجتهاد لتطوير المقام العراقي شكلًا ومضمونًا، وفي نشره في العالم العربي.
سافر في أنحاء العراق، والعالم العربي، وأوروبا، وأميركا.
وكانت حفلة الكويت (احتفالات الاستقلال) (1963) أهم محطات حياته. هناك، التقى محمد عبدالوهاب، الذي وعده بأكثر من عمل مشترك، والتقى أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، ونجاة الصغيرة، ووديع الصافي. لاحظ خضر الياس، عازف الناي في فرقته، لأول مرة ارتباكه أمام الكبار، ولكنه أجاد واستعاد. وهناك أطلق عليه لقب سفير الأغنية العراقية. وعاد من أوروبا إلى العراق مرورًا بلبنان، حيث أحيا حفلة، ونزل في أوتيل النورماندي. وفي عزّ تألقه وأحلامه ومشاريعه، أصابته أزمة قلبية أنهت حياته في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1963، ولم يتجاوز الـ42 سنة من عمره القصير الجميل. فأوقفت إذاعة بغداد برامجها لأول مرة في تاريخها، لتعلن وفاة فنان كبير. بعد سبع سنوات، لحقت به زوجته سليمة مراد، ودفنت إلى جواره. وخسر الغناء العربي برحيله صوتًا صادحًا، ومدرسة فنية مميزة، في أصول الأداء وجرأة الصوت، فنانًا مقاميًا جيد المقام، أخذ المشترك إلى أغنية خفيفة وجميلة، وإلى أفق جديد.
لا تزال أغاني ناظم الغزالي تصدح، مثل الشجن العراقي الحزين والحنون. وكلما سمعناه يفوح عطر كالعطر العباسي القديم في زمن جديد، إذ يختزل صوته العراق، الذي لقَّبه بالنهر الثالث.
وجدوا في منزله مخطوطات حول المقامات، ونصوص الأغاني، وطبقات العازفين في العراق، لكن لم يعرف مصيرها.
قال عنه أستاذه محمد القبانجي يوم وفاته: “كنت نجمًا ساطعًا بفنّك وأدبك… كنت مثالًا للمغني الأديب الناجح، وقد أبيت أن ينعتوك بما أنت أهل له تواضعًا”.
بقي ناظم الغزالي وحيدًا في تجربته، مغردًا مثل قمر بغدادي يضيء ويتوهج ولا يكتمل.

  • Social Links:

Leave a Reply