في سوريا، وربما في بلدان عربية أخرى، هناك صورة مكرسة في أذهاننا ومكررة في حياتنا اليومية عن شخصية “الموظف الفاسد” داخل الدوائر والمباني الحكومية. تتمثل برغبة مواطن ما في تحقيق أهم حلم في حياته، وهو أن يحظى بوظيفة في مبنى حكومي.
يصبح المواطن “موظفاً حكومياً”، وتبدأ مساعيه الحثيثة إلى تثبيت جذوره في تلك الوظيفة، من موظف صغير إلى موظف “ذي منصب صغير”، حتى يصل إلى أعلى رتبة في السلم الوظيفي، مسؤول أو وزير، أو مدير، بحسب مشيئة السلطة الأمنية والسياسية.
هذه النوعية من الموظفين “الطموحين، والتي تعمل تحت ظل نظام سياسي مستبد وفاسد، مستعدة لتقديم الولاء المطلق بأشكاله كافة لتبقى مكانها. هذه المجموعة من الموظفين الفاسدين والمرتشين والموالين للنظام، لا يهمها أي شيء يحدث خارج هذا الكوكب/ المبنى الحكومي، بل إن أي تغيير في المنظومة التي حققت أحلام أفرادها، وجعلت منهم “موظفين”، تعتبره خطراً يهددها بشكل مباشر. كما أن “التكنيك” المتبع داخل عقول هذه النوعية من الموظفين في تشكيل صورة عن الواقع والزمن الحاضر الذي يعيشون فيه، هو إقصاء أي شيء خارج الصورة التي وضعها النظام السياسي الفاسد لفكرة الحياة والعمل والطموح والنجاح، وأي مشهد دخيل يهدد هذه الصورة، يُنفى ويمحى وكأنه “عطل فني” يجب إصلاحه، مهما كلف الأمر، قبل العودة إلى “حياتهم الطبيعية”.
ونظام الأسد في اللحظة الحالية، وفي ظل ارتباط مصيره بدولتين محتلتين مثل روسيا وإيران، وهما أكبر داعمين له، لا يختلف جزء من تكوينه وأدائه عن أداء موظف فاسد يعمل في إحدى دوائره الحكومية.
العامل المشترك بين نظام الأسد والموظف الفاسد، هو البقاء الأبدي في المنصب، الذي يتيح لكليهما نهب كل شيء في البلاد. يتجلى هذا التناص المجازي بأحدث صوره في أداء نظام الأسد في مسرحية الانتخابات الرئاسية في سوريا.
كما تضمن مرسوم العفو الجرائم المتعلقة بقانون الإرهاب الصادر عام 2012، مثل “المؤامرة لارتكاب عمل إرهابي”. كما شمل أيضاً “جرائم التعامل بغير الليرة السورية شريطة سداد الغرامات المترتبة لمصرف سورية المركزي”. وخفّض المرسوم عقوبة الإعدام إلى عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة على بعض الجرائم، والعفو عن أي مصاب “بمرض عضال غير قابل للشفاء يجعله بحاجة إلى معونة غيره”، أو الذي بلغ السبعين من العمر.
إلا أن المرسوم تضمن استثناءات عدة، من بينها “جرائم تهريب الأسلحة”، والخيانة والتجسس، والتعامل مع العدو، والمتفجرات، وجرائم الإرهاب التي تسببت بالوفاة.
ليبقى السؤال البدهي والمتكرر، ما مصير آلاف المعتقلين السياسيين الذين يوجه لهم نظام الأسد تهماً كثيرة، أبرزها تهريب الأسلحة والخيانة والتجسس والتعامل مع الخارج والإرهاب؟
بلغ عدد المعتقلين في سجون النظام السوري 131 ألفاً و106 أشخاص، منهم 3613 طفلاً، بحسب “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”.
كما وثقت الشبكة في تقريرها الصادر في 2 أيار، أي في يوم صدور مرسوم العفو “ما لا يقل عن 147 حالة اعتقال تعسفي/ احتجاز بينهم طفل و19 سيدة، قد تم توثيقها في سوريا في نيسان/ أبريل 2021” مشيرة إلى “أن عمليات الاعتقال/ الاحتجاز والاختفاء القسري مستمرة، وسوريا بلد غير آمن لعودة اللاجئين”.
كما أوضحَ تقرير الشبكة أنَّ “معظم حوادث الاعتقال في سوريا تتمُّ من دون مذكرة قضائية لدى مرور الضحية من نقطة تفتيش أو في أثناء عمليات المداهمة، وغالباً ما تكون قوات الأمن التابعة لأجهزة المخابرات الأربع الرئيسة هي المسؤولة عن عمليات الاعتقال بعيداً من السلطة القضائية، ويتعرَّض المعتقل للتَّعذيب منذ اللحظة الأولى لاعتقاله، ويُحرَم من التواصل مع عائلته أو محاميه. كما تُنكر السلطات قيامها بعمليات الاعتقال التَّعسفي ويتحوَّل معظم المعتقلين إلى مختفين قسرياً”.
لذلك، تعتبر “مراسيم العفو الرئاسية” مرتبطة بتبييض صفحة نظام الأسد في الإعلام، والتي تكررتأكثر من مرة بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية.
الرئيس متمسك بجدران مبنى القصر الرئاسي، لا يريد أن يغادره، عقله مثل عقل الموظف الذي لا يريد أن يرى شيئاً أبعد من المبنى الحكومي، وأي خطر يهدد وجوده، يحاول إقصاءه ونفيه من عقله، إلا أن الرئيس لم يكتفِ بإقصاء الشعب ونفيه داخل عقله فقط، بل يحاول وعلى مدار 10 سنوات قتل كل من يهدد وجوده في منصبه، ويسعى إلى إسكاته وتعذيبه… ذاك المنصب الذي قرر حلفاؤه الفعليون، والمحتلون، السماح له بالبقاء فيه، على رغم أنف الشعب وإرادته.

Social Links: