نظرياً قد لا يجمع رابط بين الوقائع الدموية التي يشهدها العراق، وتلك التي تجري في فلسطين، سوى دمويتهما ومشرقيتهما! لكن المرء إذا ما أعمل مزيداً من سوء النوايا بأنظمة هذا الإقليم البائس، وهو ما عليه أن يفعله، سيعثر على مزيد من العلاقات العنفية التي تربط عواصم هلال البؤس والاستبداد، من القدس إلى بغداد، ومن طهران إلى دمشق، مروراً ببيروت النائمة بدورها على انهيار وانفجار واحتمالات مجاعة.
نيران إسرائيلية على المصلين في المسجد الأقصى، وفرق موت عراقية مدعومة من طهران تقتل الناشط والصحافي إيهاب وزني برصاصة في رأسه في مدينة كربلاء (المقدسة)، ورصاصة أخرى تصيب الصحافي أحمد الحسن في مدينة النجف (الأشرف)! وبين النجف عاصمة (التشيع الأولى)، والقدس (ثاني القبلتين)، جرائم موازية في محيط المسجد الأموي في دمشق، هناك حيث يستعد رئيس النظام السوري بشار الأسد لإجراء انتخابات يجدد فيها العهد على مزيد من الجرائم، وليس بعيداً منه يقيم صديقه وحليفه في بيروت ميشال عون جمهورية “الفساد المقدس” المحمي بسلاح المقاومة، وهو السلاح الذي يمت بعلاقة قرابة مع سلاح فرق الموت العراقية.
لا يمكن مقاومة الشبه الذي تنطوي عليه الجريمة المعلنة في العراق والسطو المعلن والمصور في حي الشيخ جراح. قتلة الصحافي أحمد عبد الصمد في البصرة (جنوب العراق) أُعلنت أسماؤهم وبدل أن يتواروا عن الأنظار لجأوا إلى بغداد حيث تحميهم فصائل من الحشد الشعبي، تماماً مثلما فعل ذلك المستوطن الذي راح يقول للسيدة الفلسطينية أنه ما لم يحتل منزلها فسيأتي غيره ليحتله. ألا يردنا هذا الفعل إلى ذاك؟ انعدام الحاجة لتورية وجه القاتل في كلا الحالين هو مرحلة جديدة من مراحل الجريمة.
نعم تحضر الجريمة في كربلاء في موازاة الجريمة في القدس، تماماً مثلما تحضر الأخيرة في موازاة جريمة اتفاقات ابراهام بوصفها تفويضاً للمستوطن بالسطو على حي الشيخ جراح. وتحضر أكثر إذا ما أراد المرء رصد مستويات العنف كممارسة سياسية وحيدة في هذا المشرق البائس. العنف كعلاقة “ضرورية” بين أنظمة صارت تدرك أن لا سبيل لبقائها سوى بالمزيد منه، وأن الحروب هي ضمانة استمرارها، وأن الجريمة هي الرسالة الوحيدة التي تخاطب عبرها مجتمعاتها. نعم من كربلاء إلى القدس هذا هو المشهد.
Social Links: