عبد القادر الحصني شاعر الأمل – المعتصم الخالدي

عبد القادر الحصني شاعر الأمل – المعتصم الخالدي

ولد عبد القادر بن محمد الحصني سنة 1953 م في حمص ونشأ بها في عائلة تهتم بالأدب والتصوف وقرأ على عمه عبد الرحيم الحصني اللغة والأدب العربي. درس بها وبعد إتمام دراسته الثانوية انتقل إلى دمشق للدراسة بكلية الهندسة، ولكنها تركها في السنة الأخيرة. عمل مساعد مهندس، ثم سكرتير تحرير لمجلة الثقافة السورية، وعمل منذ 1980 وحتى 1992 مديرًا للشؤون التعليمية بسفارة الجمهورية اليمنية بدمشق، اعتزل بعدها وعمل بأمانة سر جمعية الشعر باتحاد الكتاب العرب بدمشق من 1989 حتى 1990 وهو عضو فيه منذ 1980.
عاش في اللاذقية والقاهرة و دمشق و حمص.
وكتب في مذكراته أنه في شبابه المبكر عشق ابنة الجيران وكتب عن ذلك:
“عندما كنت شابا أحببت ابنة الجيران وأصبت بمصاب كبير عندما ماتت بعد سنتين وتركت آثاراً كبيرة في حياتي”.كانت لديه ميول صوفية، في يونيو 2018، أعلن اعتزاله كتابة الشعر.
ومن أشهر مؤلفاته الشعرية والتي ساهمت بإبراز اسم الحصني على مستوى سورية والعالم العربي هي:
بالنار على جسد غيمة، 1976،الشجرة وعشق آخر 1993
ينام في الأيقونة، 2008
سارقو النار، 2014
في محبتها، 2014
وله أيضًا:
شرح ديوان الحلاج، 2007
الطواسين، 2014
كما حاز الحصني على جائزة الشعر العربي من مدينته حمص عام 1970،جائزة الشعر من جامعة دمشق عام 1974م.

يشغل الشاعر السوري عبد القادر الحصني مكانةً مميزةً في الساحة الشعرية السورية، لاتقلّ عنها على الصعيد العربي، حيث تمتدّ تجربته الإبداعية عبر ما يقارب نصف قرن، تفرّد بها عن مجايليه بصوتٍ خاص به وسمَ نتاجه، وبالقدرة على التجديد والعمق في تناول موضوعاته.

الحصني يكتب قصيدته بعمقٍ معرفيٍّ وشعوريٍّ كبيرين، وبوعي، أو لأقل بمراقبة واعية لتجليات نصّه بدءً من مكمنه في روحه الشاعرة والمترفة بالحدث الشعري، والمتشبّعة بكلّ أبعاده حدّ القدرة على فلسفته، وحتى صهره حروفاً على ورق الكتابة.

حمص والشاعر الحصني

حمص، لديه حاضرة لا تغيب، وإن غابت يغيبها عنه الطغاة قسراً، ويمكننا من خلال نتاجه استقراء علاقته بمدينته وفق مستوياتٍ ثلاثة:

1- علاقته بحمص كمكانٍ للمولد والطفولة: حيث تظهر حمص القديمة في هذا المستوى كرَحمٍ ثانٍ له، ففي حاراتها وبين ساباطاتها ومساجدها وكنائسها، وعلى ضفاف نهرها العاصي أمضى طفولته، ولعب في أزقتها مع أصدقاء الطفولة في ذاك الماضي الجميل من يوميات الحياة التي تسودها البساطة والطيبة والتكافل بين أهل الحارة، وهذا ما كان يميز أهالي حارات المدن في أواسط القرن الماضي، حمص بالنسبة لشاعرنا موطن ذكريات وحكايات واعتقادات الأطفال، والطفولة الاولى الباقية في روحه مهما تقادم الزمن، يقول:

فيا أصدقاء الطفولةِ

هل تذكرون الأزقة والزنزلختَ وساباط حارتنا

والعفاريت تقفز منه إلى أول العمر.. مغزولة ً بالمغازل

والجان تحرس ملك سليمان

غلاف مجموعة “كأني أرى” للشاعر السوري عبد القادر الحصني

2 – حمص كبعد إنسانيٍّ حضاري: لا تظهر مدينة الشاعر في هذا المستوى كمدينةٍ منبتّةٍ عن السياق التاريخي والحضاري والإنساني للمنطقة، بل هي مدينةٌ مغرقةٌ في الحضارة والانسانية، سكنتها عبر التاريخ قوميات وطوائف مختلفة سادت بينهم أواصر العيش المشترك المبنية على حب الله والأرض، ففي سماء حمص تتعانق قباب الكنائس بمآذن الجوامع كتجلٍّ حقيقي للإعتراف بالآخر وحبه، ولذلك كان إبراز الشاعر لحمص كمدينة قدمت مثالاً للمحبة والتسامح والتعاضد يورثها أهلها لبعضهم، كانت تلك القيم جزءاً من دين يدينون به كالعبادة والصلاة، ها هو يقول في ذلك:

أنا مفردٌ مثل قلب..

وحمص التي أيقظتني على الحب والله

لمّا تزل في المساء

تذوب حناناً

وتهمي طيوفاً ملوّنةً من عيون النساء

وهنّ يُطرزنَ أغطيةً للصّلاة ويمنحنها للصّبايا

ويقول في موضعٍ آخر أيضاً:

ما أحلى ضحكَ أساورها في معصمها

والأجراسَ القدّوسةَ في أعلى أبراج كنيستها

تهبط في قطراتٍ

من حلماتِ الشمع على صمغ الأيقونات.

3 – الحصني وحمص وتجلياتها في الغياب: ربما تبدو علاقته بحمص على مستوى الغياب قابلةً أكثر للتأويل والجدلية، حيث يبدو واضحاً استحضار الحصني لشاعر حمص عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن الحمصي ظاهراً بقوةٍ لدى الحديث عن حمص، ولعل ّ ما دعا الحصني لهذا ذلك التشابه بينهما في عشقهما، فالشاعر الحصني مفردٌ ومتميزٌ كما بدا لنا بعشقه لمدينته حمص، تماماً مثلما ديك الجن الحمصي بعشقه لحبيبته ورد، ويستمر هذا العشق وهذه العلاقة والصلة الروحية متأججة بالرغم من الغياب في الحالتين، على اعتبار أن موت ورد هو غياب بالجسد لها، وكذلك بُعدُ الحصني عن حمص في منفاه، عبارة عن غياب بالجسد عنها، ولكنه في الحالتين ما انقطع العشق بينهما، يقول:

أنا مفردٌ.. غير أنّ لحمص لياليها البيض

تنساب من ياسمين العشيات نحو قلوب الندامى

وتسيل أهدابها الضّافيات على وجع الروح

تسبغ طهر يديها على أوجه المتعبين.. ندىً وسلاما

غلاف مجموعة “سارقو النار” للشاعر السوري عبد القادر الحصني

وما زالت حمص من على البعد في منفاه تسقي روحه بغمامات الأمومة والسلام وتمنحه الأمل بالنصر على الطغاة الذين دمروها مهما عتوا واستبدوا بها وبأهلها:

سلاماً يا منازلها ورفقا

بما أخذ الهوى مني وأبقى

فأعلى أنتِ ما أهلاً وداراً

إذا غدتِ الجراحُ أشدّ عمقا

نأيتُ، وبيننا ما زال غيمٌ

يقول: إذا عطشتَ فأنت تُسقى

ولي بين المنازلِ أختُ شمسٍ

سيرحل ألف طاغيةٍ وتبقى

حتى في غمرة الألم، هناك حضورٌ كثيفٌ لجميع الحواس: السمع، والنظر، والشم، والذوق، واللمس. وهو حضور حسّي جميل بكلماته الموحية المنتقاة وهذا ما يؤكد تفرّد الحصني في هذا المجال، بما أعاد إلى الكلمة الشعرية، إضافة إلى التعبير والإيحاء، شكلها الجميل، وجهها الصافي، من دون ديباجة إنشائية مطنطنة، وبعيداً عن جميع أركان البلاغة المستحاثة.

على أن القصيدة الحصنية تعتمد في معماريتها، إضافة إلى فيض الأحاسيس المتجسدة في كلمات جميلة، على أركانٍ رديفة يمكننا تبويبها على التوالي: وحدة الصورة الشعرية على امتداد القصيدة المنحى الأسطوري أحياناً التضمينات أو التناص باستمرار وتأرجح الوجدان الشعري بين التراث والحداثة. فقصيدته لوحةٌ متكاملة، من دون الضياع في متاهة «التعبيرات المصوّرة»، لأنه يركّز على نضارة التعبيرات الحسّية.

ولا ينتهي الحصني في قصائده من التضمين والتناصّ، إلا في خلقٍ جديد، ومن بعد تمثّلٍ شديد الخصوصية. فيمكننا قراءة هذه الحالة من خلال التأرجح الإبداعيّ بين المدّخر التراثي الكامن في أعماق اللاوعي وبين النزوع الواعي وهو لدى شاعرنا، نزوعٌ راسخٌ إلى الحداثة بفعل موقفٍ فكري وجمالي اختياري، إضافة إلى القراءات الكثيرة في هذا الميدان. هذا التأرجح في عفوية وصدق مع النفس ميلاً إلى القديم حيناً، وإلى الحديث حيناً، وإلى الإبداع الأصيل دائماً، هو ما يجعل الحصني، من دون أدنى تناقض، ينتج القصيدتين: العمودية والمرسلة، على حدّ سواء.

  • Social Links:

Leave a Reply