الصحافة السورية في ظل الثورة السورية
د. خالد المسالمة
عاشت سوريا قرابة نصف قرن ونيف بدون اي نوع من انواع الصحافة الوطنية الحرة. وقد غابت بشكل مطلق مهنة ووظيفة جوانب الاعلام ومنها الصحافة الورقية التي تهتم بالشان العام وتسلط الاضواء على الجوانب السياسية والاقتصادية والاحتماعية والعسكرية للدولة والمجتمع السوري ، والتي تقوم بنفس الوقت بدور الرقابة الشعبية المفتوحة على عمل مؤسسات الدولة العامة والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في الدولة السورية. لقد اخضعت جميع أشكال الصحافة والاعلام في سوريا منذ اليوم الاول لانقلاب الطغمة العسكرية في سوريا في 8. اذار من عام 1963 المشؤوم لسلطة وهيمنة الاجهزة الامنية، وفرض حالة الطوارئ وتعطيل الدستور، وإلغاء الحريات العامة، ولم يعد مسموح بعد ذلك كتابة اي نص او اذاعة اي خبر في اي وسيلة من وسائل الاعلام السورية بدون موافقة اجهزة الامن السورية على اختلاف مسمياتها.
وقد دامت هذه الحال في مجال الإعلام والصحافة في سوريا حتى تاريخ انطلاقة ثورة الحرية والكرامة السورية الباسلة في 18.03.2011 ، التي كسرت الكثير من القيود والاقفاص التي وضعت بها مهنة الصحافة والاعلام السورية طوال العقود الطويلة الماضية. فقد تحررت قطاعات واسعة من المجتمع السوري، وتحرر الانسان السوري من عقدة الخوف وتخلص جزء كبير من الشعب السوري من قبضة وسطوة أجهزة القمع الحكومية. وقد دخلت فئات كثيرة وكبيرة في مجال الكتابة الصحفية وفي مجالات الاعلام المختلفة الأخرى، المكتوبة منها والمسموعة والمرئية. وقد ساعد على انتشار ممارسة مهنة الصحافة والاعلام في اوساط السوريين انتشار وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة المختلفة. من الوتس أب للفيسبوك والتويتر وغيرها من تلك الوسائل. ومع مرور الأيام وفي زحمة الصراع مع قوى الشر وبقايا نظام الشبيحة تاسست مؤسسات وهيئات اعلامية سورية متخصصة تهتم بالشان العام السوري، وخاصة الجانب السياسي منه.
لقد مرت الصحافة السورية الوطنية المتحررة من سيطرة نظام الاسد، وهيمنة اجهزته الامنية، في الفترة الاولى من عمر الثورة السورية بحالة ارباك وتخبط وفوضى كبيرتين. سببها بالدرجة قلة الخبرة النظرية والعملية في مجال العمل الإعلامي، نظراً لغياب الإمكانية وغياب الحرية الفكرية في مجال العمل الإعلامي، وطغيان حالة الانقسام والشرذمة التي سادت بعد دخول القوى العربية والأجنبية إلى الساحة السورية وشد وجذب أعداد وتيارات فكرية سورية إلى جانب هذه الإطراف ، وإنسلاخ أعداد كبيرة من القوى السورية الناشطة في الساحى السورية إلى مصالح ومشاريع القوى الإقليمية والدولية، والإبتعاد قليلاً أو كثيراً عن المشروع الوطني السوري المنشود ، والذي خرجت الجماهير في مدنها وقراها تواجه عصابات النظام من أجل تحقيقه. وربما كان غياب حالة التنافس السياسي والإعلامي المهني وحلول حالة التناحر البدائي الإقصائي بشكله السطحي والطفولي في شارع الصحافة السورية الوطني المعارض لنظام الشبيحة ولحلفائه الغزاة الفرس والغزاة الروس.
لكن ومع بداية النصف الثاني من عمر الثورة السورية، في عام 2017 اخذت تتبلور حالة نضوج ووعي بشكل متدرج في فهم مهمة الاعلام الاساسية، بالنسبة لقضايا الشعب الملحة، والنضج في التعبير عن مشروع الدولة والنظام السياسي المنشود لسوريا المستقبل. وقد تكونت في الأعوام الأخيرة قناعات في بعض الدوائر والأوساط السياسية والحزبية السورية الثورية والمعارضة بضرورة ماسسة الجانب الإعلامي والصحافي، ورفد تلك المؤسسات بكوادر وخبرات جديدة شابة، متحررة من الموروث العام والمعرفة والثقافة المزيفة حول الصحافة والإعلام، الذي كان سائدا في دولة عصابة حزب البعث الإقصائي والقومي المتعصب ، وفي دولة عائلة الأسد الطائفية الإرهابية، طوال فترة نصف القرن الماضية في سوريا، وقادرة على مواكبة متطلبات المرحلة ومواكبة تطور المجتمع السوري الذي سنحت له الظروف بالإحتكاك مع دوائر إعلامية إقليمية وعالمية أكثر تطوراً، وأكثر وعيا بمهام الصحافة والإعلام الأساسية، تجاه المواطن والمجتمع والدولة. وقد نشا في بلدان الشتات ودول الجوار السوري، وداخل الأوساط السورية والتجمعات السورية عدد من الصحف الالكترونية السورية، والتي تصدر بشكل يومي او دوري، وتتمتع بمصداقية ومهنية عاليتين، ولها جمهورها ومتابعيها بشكل ثابت ومستمر، وتتناول قضايا الشعب والدولة والاحداث اليومية السياسية والعسكرية والإقتصادية والأجتماعية السورية وغير السورية التي لها علاقة وتأثير بالوضع السوري، بأكثر دراية ومهنية.
صحيح أن هذه التجارب والنماذج الإعلامية الناشئة لم تتحرر بعد من تأثير الإنتماء الفئوي والإيديولوجي بشكل كبير، لكنها فتحت المجال وبحد أدنى ومرضي للراي الأخر، وللجانب النقدي على صفحاتها. وخطت خطوات لاباس بها بإتجاه ممارسة العمل الإعلامي والصحفي الوطني، والمنحاز بالدرجة الأولى لمصلحة المجتمع والمواطن. ومن هذه التجارب والنماذج ا‘لاعلامية الوطنية الناشئة على سبيل المثال: مؤسسة كلنا شركاء، ومؤسسة الرافد لحزب اليسار الديمقراطي، ومدونة الحقيقة، وغيرها الكثير من هذه المؤسسات الاعلامية المكتوبة و المقروئة الواعدة، والتي من الممكن أن تؤسس لصحافة وإعلام سوري متطور يتناسب مع عظمة الشعب السوري، ومع عظمة الثورة السورية ، ومع حجم تضحيات هذا الشعب الأبي.
فالصحافة والإعلام هما أحد دعامات المجتمع المتطور الحديث ، وأحد أركان الدولة العصرية التي ينشدها الشعب السورية وشعوب المنطقة من خلال إنطلاق ثورات الربيع العربي، وثورة الحرية والكرامة السورية الباسلة . ولا بد من العمل الجاد على تطوير هذا الركن الأساسي من مستقبل سوريا والشعب السوري.

Social Links: