هل نعمل لنعيش أم نعيش لنعمل؟ – سامر كعكرلي

هل نعمل لنعيش أم نعيش لنعمل؟ – سامر كعكرلي

سامر كعكرلي

طلبت منا مدرستنا الجميلة كتابة موضوع حول سؤال محدد هو (( هل نعمل لنعيش، أم نعيش لنعمل)). فكرت كثيراً بهذا السؤال. ووجدته سؤالاً صعباً، لأنه قد حير الفلاسفة منذ فلاسفة اليونان العظماء سقراط وأرسطو وأفلاطون، ومروراً باين خلدون و ورينيه ديكارت، وإيمانويل كانت وآدم سميث وكارل ماركس ، وصولا لفلاسفة هذا القرن.
وتكمن صعوبة الإجابة على هذا السؤال أن هذا الأمر أمر نسبي. أي تختلف الإجابة من شخص لآخر، وتعتمد الإجابة على الحالة المادية للشخص الذي يسأل. فعلى سبيل المثال لو أنني قد سألت رجلاً عادياً بسيطاً وربما فقيراً هذا السؤال : (( هل تعمل لتعيش، أو تعيش لتعمل)) لنظر إليك باستهزاء لأنه من الطبيعي أن يكون يعمل من أجل أن يعيش حياة جيدة بوجهة نظره. أما إذا سألك رجلاً من أثرياء العالم ، الذين يتحكمون بمصير معظم البشر، نفس السؤال لنظر إليك باحتقار، لأنه بكل تأكيد لا يعمل ليعيش بل يعيش ليعمل، لأن العمل لن يحقق له الحياة الجيدة لأنه يملكها بالأصل..
لذلك فقد قررت أن أعود لمخزوني الثقافي، وأن أبدأ بتعريف العمل كمدخل للإجابة على هذا السؤال الصعب. هنا وقعت في مشكلة أخرى، لأن تعريف كلمة “العمل”، يختلف حسب النظريتين الاقتصاديتين الرأسمالية الذي من يتزعمها أدم سميث والاشتراكية الذي من يتزعمها كارل ماركس.
فأدم سميث المؤمن بالقول ((دعه يعمل…. دعه يمر))، عندما عرف كلمة “العمل”، فإنه ضخم من شأنه على حساب باقي عناصر العملية الإنتاجية، وهذا طبيعي فهو يمثل رجال المال الذين يريدون من العامل تقديس عمله لزيادة أموالهم.
أما كارل ماركس ، فإنه على العكس تماماً، فقد قلل من أهمية العمل، على حساب رأس المال، الذي يراه ماركس أساس العملية الإنتاجية.
وبكل تأكيد، فإن كلاً من ماركس وسميث قد عرفا العمل بما يتناسب من نظريته الإقتصادية. ولذلك لم أستفد من مخزوني الثقافي للإجابة على هذا السؤال الصعب.
عند هذه النقطة، قررت أن أستعين بصديقي وصديق كل البشرية في هذا القرن، وهو السيد Google.
فسألته هذا السؤال (( هل نعيش لنعمل…. أم نعمل لنعيش)).
هنا جاءتني المفاجأة الكبيرة!!!!!.
لم يأخذ السيد Google هذا السؤال بالطريقة الفلسفية التي فكرت بها، بل أخذ السؤال ببساطة . ووضح لي بأن المقصود بهذا السؤال هو تحقيق التوازن بين العمل والحياة.
نعم هكذا بكل بساطة.
وأوضح لي السيد Google أيضاً بأن هذا السؤال مهم جداً في الدول المتحضرة، وأن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد أنشأت مقياساً خاصاً لهذا التوازن، يتدرج من الصفر حتى العشرة، وإن انخفاض الرقم يدل على عدم تحقيق توازن بين العمل والاستمتاع بالحياة، والعكس صحيح.
وأيضاً وضع لي السيد Google بأن الولايات المتحدة الأمريكية رقمها على المقياس /5.3/ـ بينما الدول الأوربية مثل الدانمرك والسويد وألمانيا رقمهم على المقياس /9.8/ .
وبعد أن فهمت ماذا كانت معلمتنا الجميلة تقصد بسؤالها، شعرت بشعور غريب. شعور ممزوج ما بين السخرية والحزن.
السخرية بسبب طريقة تفكيري المعقدة، التي تربيت عليها، والتي دائما ما تحاول تعقيد الأمور بدلاً من تبسيطها ،والتي صعبت علي الإجابة، وجعلني في حيرة من أمري.
وأما الحزن فلأنني- وإن انتقلت للعيش في دولة تحترم حياة الإنسان وتقدرها وجعلت لها مقياساً لقياس درجة راحته- إلا أنني ما زلت بداخلي أعيش في تلك الدول التي لا تعير لهذا الموضوع أي اهتمام.
فالإنسان وكرامته وحياته وحاضره ومستقبلة هو من المواضيع التي لا تناقش في بلداننا لأنها لا تهم القائد الحاكم.
لقد كنت أعيش في بلد، يعتبر العمل فيه، فقط لخدمة أصنام اخترعوها لنا لنقدسها، وتلك الأصنام هي: الرئيس والقائد والجيش وضباطه والأمن ومخبريه.
لقد كنت أعيش في بلد ، في بلد يعتبر العمل الطوعي المجاني في يوم العطلة الأسبوعي إنجازاً وطنياً هاماً، دون أي إحساس بأي مسؤولية تجاه حق الأطفال بأن يقضون يوم العطلة مع أهاليهم.
لقد كنت أعيش في بلد يُجر به العامل، كما يُجر قطيع الأغنام ليخرج في مسيرة تهتف بحياة قائد الوطن، دون التفكير بوقت عمله أو وقت راحته، أو حتى بالتفكير بكيفية عودته لمنزله من بعد ما تتوقف وسائل النقل خدماً لمسيرة القائد فترى البشر بعد انتهاء تلك المسيرة أفواجا أفواج متجهين لمنازلهم سيراً على الأقدام بعد أن أثبتوا للأجهزة الأمنية (عفوا أقصد للوطن ولقائد الوطن) ولائهم المطلق.
لذلك قررت أن أعتذر من معلمتي لأنني لا أستطيع أن أكتب في هذا الموضوع أي شيئ لأنني لم أعشه.

  • Social Links:

Leave a Reply