أعوج وسيبقى معوجا
في الأمثلة الشعبية يعتبر الجهد المبذول لتقويم زيل الكلب جهدا ضائعا ،وانا اليوم لن أتحدث عن زيل الكلب بل عن الكلب شخصيا.فهو ايضا لن يتطبع بطبع حسن يغلب او يغطي سوء طويته .
في مؤتمره الصحفي أصر بوتين على خرق شرعة حقوق الانسان ،ووجدها تتنافى والأمن القومي الروسي ، فهو لن يتوقف عن التنكيل بمعارضيه الروس وتعذيبهم أوتسميمهم بغاز الأعصاب، صونا لهذا ” الأمن القومي ” المفصل على قياسه الضئيل ،انه الطبع الروسي المتأصل منذ ايفان الرهيب مرورا بالأباء المؤسسين لدكتاتورية السوفيت وصولا لعميل الكي جي بي الصغير ،الذي يرى انه بسحق المعارضة ربما يستحيل قيصرا ، في عصر اختبرت فيه الشعوب شتى انواع الأنظمة الشمولية وصوتت عبر عواقب تجاربها على ضرورة الأخذ بالديمقراطية لصون كرامة الانسان وحقوقه بدأ من حقه في الحياة وصولا الى حقه في السياسة .
عندما اجاب السيد بايدن على اسئلة الصحفين ، لم يغفل أنه طلب من بوتين الحرص على حياة السيد نفالني كي لا تتعرض العلاقات مع الولايات المتحدة الى انكسارات يصعب جبرها، وبين لسائليه أنه طالب النظام الروسي بضرورة الالتزام بحقوق الانسان ،ولم نكن بحاجة لسماع مفاعيل الطلب الأمريكي ، فقد سبق وسمعنا رد بوتين المشين في مؤتمر سبق به مؤتمر بايدن والذي جاهر فيه على خرق حقوق الانسان لانها تتعارض وأمنه القومي القائم على انتهاك واستباحة الانسان، معتبرا ان منظمات حقوق الانسان الروسية ليست الا العوبة بيد الأمريكان ولا تهدف الا الى النيل من سيادة الاتحاد الروسي وموارده، وقيمه “النبيلة” الممثلة في تعظيم المجرمين وأسطرتهم .
قد يكون الرئيس الروسي قاتلا ومجرما بل وسفاحا أيضا ،لكنه ليس غبيا فهو ما انفك يباشر جرائمه وفق خطة مرسومة وصولا لهدف ، يعبر عن رؤية هذا النظام الشمولي ، فقد دخل بسجال اعلامي وصراع دبلوماسي مع بريطانيا عندما وجه عملائه لقتل سكرابل وابنته في بريطانيا ، وتمثلت رؤية النظام الشمولي في موسكوا بما يلي “نحن الروس غير معنيين بديمقراطيتكم ولا بقوانينكم المستمدة من هذه الديمقراطية ، واحترام ديمقراطية الغرب يأتي من باب عدم التدخل بشؤن الديمقراطيات الغربية ليس الا ،وعليكم ان تحترموا السلطة الروسية و شكل وأليات تطبيقها بالمقابل ، ثم على الغرب أن يكف عن تطبيق قوانينه على رعايا الاتحاد الروسي باسم الديمقراطية والحريات ، فللدولة الروسية الحق في قتل وتسميم رعايها اذا وجدت في ذلك مصلحة “قومية “حتى على اراض تابعة لدولة أخرى كبريطانيا لذلك على بريطانيا أن تكف عن التهديد بمعاقبة روسيا لمحاولة اغتيال المارقين على النظام الروسي حتى لو كانو ممسكين في عامود خيمة الغرب الديمقراطي ” .
لقد كرر بوتين ما ارتكبته أجهزته في بريطانيا مرة أخرى، عندما سمم نافالني بسم لا يتواجد الا لدى أجهزة أمن بوتين . في حين كان قتله بحادث مدبر كما اعتادت هذه الاجهزة أن تفعل دون أي رادع ، خيارا متاحا من خيارات عديدة ،لكنه ارد للجميع ان يعرف في الداخل والخارج ، أن بوتين شارعا في قتل هذا المعارض بعد أن خرق “نمط” المعارضة المباحة روسيا ، فجريمة نفالني الكبرى ،ليست في كونه معارضا للنظام البوتيني فهؤلاء المعارضين كثر وهم لا يجدون غضاضة في ان يجتمعوا مع سيد الكرملين بعيد خسارتهم المتوقعة للانتخابات ليستمعوا من قيصرهم الفائزالى درسا في الوطنية ،أما نافالني فقد قدم نفسه كمعارض ليبرالي على نمط معارضي الغرب الديمقراطي الذين ينافسون للوصول الى السلطة ، لا كعنصر تزيني في زخارف الطغمة المستبدة. ولذلك استحق القتل في شرعة بوتين .وفي هذا جواب على سؤال بدا محيرا حتى على انصار نافالني ، فالجميع يعرف في روسيا وفي الغرب ان معارضة نفالني لا تشكل تهديدا لسلطة بوتين ، وقتله أكثر ضررا من بقائه ، الا ان السلطة الروسية أرادت ان تظهر بوضوح قواعد المعارضة في النظام الشمولي ،وتظهر حزمها في ملاحقة اي شكل من المعارضة الديمقراطية .
ولعل اجبار الطائرة اليونانية على الهبوط في بلا روسيا واعتقال الصحفي رومان بروتاسيفيتش المعارض لنظام منيسك يندرج في نفس السياق فهذا الصحفي لم يشكل خطرا على النظام الروسي أو البلاروسي ومع ذلك لم يستطع هذا النظام ان يتسامح مع وجود معارض حقيقي واحد خارج زنزانته وفضل خرق القانون الدولي وتعريض امن الطيران المدني لاشد الاخطار على ان يسمح بتشكل معارضة جادة ،فهذه الانظمة تكرس كل مواردها لقتل أجنة الديمقراطية ،تاركة شعبها يغرق في الجهل والجوع .
صفوان موشلي 18/6/2021

Social Links: