سوريا بين أصوليي الخوذ العسكرية وأصوليي العمامة

سوريا بين أصوليي الخوذ العسكرية وأصوليي العمامة

الفيلسوف أحمد برقاوي:


ليست الأصولية اليوم تعبيراً عن العودة إلى الأصول كما يدل معناها كما أن السلفية ليست عودة إلى السلف الصالح .
الأصولية اليوم – وقد بعدت عن معناها المعجمي – هي نزعة تعصب مهما كانت درجة التعصب وأياً كان أساسه تنفي الآخر عبر العنف بكل أشكاله .
الأصولية أيديولوجيا جماعة تحتكر الحق و الحقيقة وتنطوي على نزعة عدمية تجاه المخالفين لها , نزعة عدمية تصل حد القتل والتدمير .
الأصولية – بهذا المعنى – بنت الحياة في أدنى درجات تطورها وضد الحياة في أعلى صورها .
أجل هي بنت الحياة وضد الحياة . وليس هناك فرق أبداً بين الأصولي لابس الدشداشة وراخي اللحية ومعتمر اللفة وبين الأصولي لابس البزة الإفرنجية وربطة العنق الباريسية . فكل منهما يمارس مهنة تدمير الحياة ومنع إزدهارها . كلاهما يعلن موت الإنسان , موت الآخر .
ولهذا ليس هناك فرق – بالمعنى التاريخي – بين أصولية داعش وأصولية النظام . فليس الصراع المسلح هو الذي يبرز التناقض بين الطرفين .
كلاهما يدفعهما التعصب إلى القتل وإن إختلفا في الشكل .
فالإختلاف لا يظهر إلا في الماهية أصلاً وإن كان الشكل يظهر المضمون أحياناً .
إن نقيض النظام الديكتاتوري حركة ديمقراطية , نقيض الطائفية حركة وطنية – شعبية , نقيض حرّاس الإستبداد بناة الحرية .
إن أخطر حالة صراع مسلح هو الصراع بين المتشابهين . بل إن الصراع بين المتشابهين لا ينتج إلا القديم نفسه .
وصراع التشابه لا معنىً له . وآية ذلك أنه لا يحمل في أحشائه البديل و الجديد المتجاوز .
وعندي أن خطر الأصوليات الدنيوية أكبر من خطر الأصوليات اللابسة عباءة الدين .
حيث هذه الأخيرة واضحة بذاتها وتعلن عن ذاتها صريحة وتحارب من أجل هدف مستحيل ألا وهو إعادة الحياة إلى الوراء عبر قتل منطق الحياة . فيما الأصولية الدنيوية تعيد الحياة إلى الوراء وتقتل بذور المستقبل بإسم الدفاع عن الحياة وتمويه الأهداف الوضيعة بأهداف نبيلة .
ومن هنا نفهم لماذا تتحد الأصوليتان ضد البديل الديمقراطي – العلماني .
البديل الديمقراطي هو ابن الحياة ومن أجل الحياة . ذلك أنه الفضاء الضروري للإعتراف والتعايش والسلم الأهلي وحرية الحضور والإحساس بالكرامة الإنسانية ورفض القهر من أية جهة كانت .
ولمن لا يعلم من أولئك الغرباء الذين يحللون الوضع السوري أن البنية النفسية للسوري بنية عصية على الإقهار .وهي بالتالي عصية على الخضوع للأصوليين أياً كان نوعهم .
وعندي أن كل أصولية في سوريا – وإن كانت ذات جنسية سورية – هي غريبة عن بنية الذهنية السورية المتكونة والمتطورة في مسار التعايش والإعتراف . وإن ما نشهده اليوم من أصوليتين : دينية ودنيوية إن هو إلا مرض , وحالة غير طبيعية في مجرى التاريخ السوري المعاصر والقديم .
ولو إكتفينا بتتبع سورية التي رُسمت حدودها بعد الإستعمار الفرنسي لوجدنا أن حرباً أهلية واحدة أو ما شابه ذلك لم تحدث , لوجدنا أن أعتداءً واحداً من قبل طائفة على أخرى لم يحدث .
ولمن لا يعلم أن حماة المدينة الأشهر من حيث التقاليد المتزمته يعيش فيها المسيحيون منذ ما قبل الإسلام ودون أن يخدش أحدٌ كرامتهم . ولمن لا يعلم أيضاً أن محردة المدنية المسيحية بالكامل الجارة القريبة لحماة هي التي أنجدت حماة بالغذاء والحماية أيام المجزرة الشهيرة التي إرتكبها النظام من 2 – 28 شباط 1982.
في قرى حوران عشرات القرى ذات السكن المشترك : شيعة وسنة ومسيحيون يسكنون معاً ولم تشهد حادثة واحدة من الصراع الطائفي .
عشرات الآلاف من السنة مشو وراء ميشيل عفلق المسيحي و وهيب الغانم العلوي وأكرم الحوراني السني .
لهذا فالتعصب الطائفي لدى بعض الجماعات في سورية مرض غير طبيعي أبداً .
ولهذا فإن سوريا لن يحكمها الأصوليون أبداً من أي نوع كانوا .أصوليو الخوذ العسكرية أو أصوليو العمامة .

  • Social Links:

Leave a Reply