مفهوم النظام الشمولي – د.فالح عبد الجبار /1/

مفهوم النظام الشمولي – د.فالح عبد الجبار /1/

تنشر الرافد على حلقات دراسة مهمة للكاتب العراقي التقدمي فالح عبد الجبار وهو عالم اجتماع عراقي
عن مفهوم النظام (الشمولي) وفيما يلي القسم الأول منها:

التوتاليتارية أو الشمولية، مفهوم محوري في إدراك وتحليل نموذج سياسي فريد ظهر في عشرينيات القرن الماضي في أوروبا الغربية، ثم انتشر هذا النموذج في بلدان ومناطق أخرى. ويحتل مفهوم “التوتاليتارية” مكانه ضمن كوكبة أخرى مثل الأوتوقراطية، التسلطية، السلطانية، وهذا الفصل هو دراسة مقارنة في تأريخ المفهوم نظرياً وتطبيقياً.

 

التوتاليتارية، إجمالاً، مفهوم يستعمل لوصف ثلاثة أنظمة اجتماعية – سياسية مختلفة تتشابه من أوجه عدة: إيطاليا الفاشية، وألمانيا النازية، وروسيا الستالينية (1) . وتنتمي هذه الانظمة الثلاثة إلى حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى في أوروبا الصناعية.

 

كانت النازية والفاشية من النمط القومي اليميني الذي هلك جراء الحرب العالمية الثانية. أما الصيغة اليسارية الجماعية (الاشتراكية – collectivist)، أي النموذج الستاليني، فقد استمرت بضع سنوات بعد وفاة قائدها جوزف ستالين (1879 ٠ 1953)، ثم راحت تخضع للإصلاح والتحول ابتداء من العام 1956 (2).

 

استعمل مصطلح التوتاليتارية أيضا لوصف البلدان “الاشتراكية” في أوروبا الشرقية قبل الثورات المخملية في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، وقد طبق كذلك على بلدان غير صناعية وغير أوروبية، كالصين في عهد ماو تسي تونغ، او كوريا الشمالية في ظل كيم إيل سونغ وابنه وخلفه كيم يونغ ايل.

 

والتوتاليتارية، كمفهوم، تدل على تشكيلة من الأنظمة الاجتماعية السياسية التي اتسمت، أو لا تزال تتسم بخصائص فريدة، بالرغم من وجود سمات متباينة. والتوتاليتارية أيضا خطاب نخبوي راسخ في فلسفات مختلفة، و / أو حركات اجتماعية تنتمي إلى مجتمعات حضرية جماهيرية.

 

أصل اللفظ والمفهوم هو من بنات أفكار المفكر الإيطالي الفاشي جيوفاني جنتيلي (1875 – 1944) في مستهل عشرينيات القرن الماضي. قبل الحرب العالمية الثانية، لم يستدع هذا المفهوم اهتماماً نظرياً كبيراً بما يمثله من نمط جديد في الفلسفة والنظام السياسي، لكنه بعد الحرب، أعيد سبكه على أيدي طائفة من المفكرين الأوروبيين اليساريين والليبراليين المناوئين للنموذج الشمولي، ومن أبرزهم حنه أرندت، كارل فريدريش، فرانتز نويمان، وليونارد شابيرو، على سبيل المثال لا الحصر، توسع معسكر التوتاليتاريين بسرعة قياسية، وفي فترة قصيرة من الزمن.(3)

 

وفي عشرينيات القرن الماضي كانت صياغة (جنتيلي) لهذا المذهب تشكل نوعا من تعظيم الذات على يد فيلسوف إيطالي محافظ، قومي، ومعاد لليبيرالية. ففي نظره كان لفظ توتاليتاريو Totalitario مرادفاً لدولة أكثر تقدماً، ونقاء، وأخلاقية من الحكم الليبيرالي الضعيف أما في نظر أرندت، وفريدريش، ونويمان وسواهم فقد كان اللفظ مرادفا للشر، والديكتاتورية المدمرة، أو حكم الفرد. كان جنتيلي يفكر في إيطاليا، أما أرندت، وفريدريش، وسواهما فكانوا يوجهون انتقاداتهم إلى ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، ثم إلى روسيا السوفياتية أو الستالينية وحلفائها في أوروبا الشرقية. كان المفكرون اليساريون يقبلون تطبيقاً مشروطاً لمفهوم التوتاليتارية يقتصر على ألمانيا وإيطاليا، أو يرفضونه كلياً، بحيث انقسمت الأوساط الفكرية إلى معسكرين: توتاليتاري ولاتوتاليتاري. وعلى إثر ذلك أصبحت التوتاليتارية من أكثر الظواهر إثارة للسجال من بين تلك التي تعرضت للدرس والتحليل، وأكثر المفاهيم التي ابتكرها العلم الاجتماعي الحديث إثارة للجدل.

 

وقد قام بعض التوتاليتاريين، المنددين بالقسمة الثنائية بين الليبرالية والتوتاليتارية، بحصر استعمال اللفظ في ألمانيا وروسيا الستالينية، بينما أضاف سواهم إيطاليا وإسبانيا. وهكذا فإن الفرق لم يقتصر على مسألة الجوهر، بل تعداها إلى مجال تطبيق المفهوم. واستمر نقد هذا المفهوم والتجادل حوله في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، فذهب بعضهم إلى تضييق نطاق استعمال المفهوم و\ أو طالبوا بالمزيد من تدقيقه، بينما ذهب فريق آخر، ومعظمهم من اليسار الماركسي، إلى معارضته باعتباره صرخة أيديولوجية من الحرب الباردة لا تتسم بأي فعالية علمية. إنما علينا الآن تفحص تعريفات المفهوم حسبما تطورت عبر الزمن.

 

(جنتيلي) والهيمنة التامة

ظهر مفهوم التوتاليتارية الفلسفي للمرة الأولى في إيطاليا كمدح ذاتي للدولة. ابتكر المفكر الفاشي جيوفاني جنتيلي (1875 – وقتل سنة 1944) لفظ “توتاليتاريو” في مقالة حملت عنوان: “الأسس الفلسفية للفاشية (1924)” وهي مقالة فلسفية دفاعية حول التاريخ السياسي لإيطاليا، ترحب بصعود الفاشية وزعيمها بنيتو موسوليني، باعتباره الرمز الجديد لانبعاث القومية الإيطالية التي طرحها عصر” الريزورجيمنتو”(الانبعاث القومي). والموضوع المحوري في هذا العمل الفلسفي، والذي يمئل المؤلف (جنتيلي) أكثر من تمثيله معبوده موسوليني، ومن تمثيله النظام الفاشي الذي أوجده هذا الأخير، هو التوتاليتارية. وتقدم مقالة أخرى كتبها جنتيلي، ووقعها مرشده إيل دوتشى موسولينى لموسوعة المعارف الايطالية عام 1932، نصاً أكثر تركيزاً. إن جوهر الفلسفة الفاشية هو الدولة الشاملة من حيث هي غاية في ذاتها ولذاتها، الدولة التي فوق الأمة (أي الشعب أو المجتمع)، وهي تستوعب الأفراد وتسيطر على المجتمع وتتوسع إلى ما وراء الحدود، متجاوزة الضوابط والتوازنات الموضوعة من قبل النظام السياسي. وفي كلمات المؤلف، “فإن سياسة الفاشية تدور كلياً حول مفهوم الدولة القومية” وهذا طبعاً أمر مشترك بين جميع النظريات القومة.

 

وما يميز الصيغة الفاشية هي العلاقات بين الدولة والمجتمع والدولة والفرد. ” فالنقطة الأولى التي يجب إدراكها، في تعريف الفاشية، هي النطاق الشامل، أو التوتاليتاري لهذا المذهب، على ما يقول الفاشيون، والذي لا يهتم بالتنظيم السياسي والميول السياسية للأمة فحسب، بل بكامل إرادتها، وتفكيرها، وشعورها”.

 

 

هذا النزوع الشمولي المعبّر عنه هنا بلغة فلسفية، هو الاندفاع الى إزالة الخط التقليدي الفاصل ين المجتمع السيامي والمجتمع المدني، أي بين الدولة كنظام حكم والمجتمع كمجتمع، وبين الدولة والفرد. ف الدولانية statism الفاشية تكره مثل هذا الفصل الليبرالي، مثلما تكره فصل السلطات، وتسعى إلى نظام واحدي واتحاد كلي بين الدولة والمؤسسات الاجتماعية المستقلة والمجالات الخاصة. ففي تعريفه للدولة يبدو جنتيلي وكأنه هيغلي، لكن مطهراً من المعايير الهيغيلية الليبيرالية. فمصطلحه الكامل يتحدث عن الدولة باعتبارها كياناً روحياً، وغاية أخلاقية، وجامعاً وموحداً للتناقضات الجوهرية في المجتمع بين مصالح الأفراد المتنافرة بحيث يعكس صدى “كتاب فلسفة الحق” لهيغل أو يعيد صياغته، على وجه الدقة، حيث يعبر (هيغل) أوضح تعبير عن تصوره للدولة. فبينما نجد في كتاب “فلسفة الحق” لهيغل أن الخلاف بين مصالح الفرد والجماعة يميل إلى الخمود مع تلاقي الفريقين، أو تصالحهما في الدولة، نجد في تصور (جنتيلي) أن الدولة على خلاف مع المجتمع والأفراد، وتخضع هذين الفريقين تحت إرادتها التوحيدية. فالإكراه الذي تمارسه الدولة، في نظر جنتيلي، يصبح أولياً وجوهرياً، وإن وجدت درجة ما من الرضى، كتذكير خجول بالسمات الليبرالية القديمة. أما اختلاف جنتيلي عن هيغل فيتمثل في احتقاره الصريح لنظام الحكم الليبرالي كمؤسسات، ووظائف، ومعايير، أو إجراءات. فهو يميل إلى ربط “دولته الفاشية” بمنطق هيغل للاستلاب والوحدة، باستبعاد أي انفصام، أو انقسام اجتماعي أو فردي، باعتبار أن الانقسام هو مجال للاغتراب المؤلم، والدعوة إلى إزالة هذا الاستلاب، وخلق أو تخيل خلق مجال آحادي، كلي، يمتزج فيه الفرد والأمة في جسم الدولة وإرادتها. غير أن الاتحاد المرغوب ليس ميلا إرادياً منبثقاً من الأسفل، أي من الأفراد والمجتمع، صعوداً نحو الدولة، بل هو على العكس من ذلك، يمضي من الأعلى إلى الأسفل. وهو قسري في طبيعته. وينبع هذا المنطق من رفض (جنتيلي) للسياسة الليبيرالية، ومضمار البرلمانات الحزبية، والانتخابات العامة، والحريات الفردية والنقاشات السجالية.

المراجع :

1- نشوء الرايخ الثالث وسقوطه تاريخ ألمانيا النازية وليم شيرر The Rise and Fall of the Third Reich وهو رواية عملاقة مفصلة وموثقة عن تلك الفترة . حول الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين أنظر، من جملة مراجع أخرى Isaac Deutscher, Stalin, A Political Biography, 2nd edition, Oxford Press 1967 (1949) (ستالين سيرة سياسية)

2- في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي المنعقد سنة 1956، سدد الأمين العام للحزب ضربة قاصمة للميراث الستاليني. حيث ندد في خطابه الشهير بالمجازر الجماعية في حملة التحول الاشتراكي، وعبادة الشخص، وغيرها من “الانحرافات”، وقد كتب التاريخ الرسمي للحزب الشيوعي السوفياتي وأعيدت كتابته عقب “التطهير”، اللاحق لوفاة ستالين، والتطهير الحي ل (نيكيتا خروتشيف). واستمر السجال حول الستالينية حتى زمن متقدم في عهد (ميخائيل غورباتشوف) ودعوته إلى (البريسترويكا) في ثمانينيات القرن العشرين. (انظر Stalin: For and Against. Moscow 1990 – ستالين ما له وما عليه). وهو كراس يسلط الضوء على السجال المستمر حول مزايا الديكتاتور ومساوئه.

3- Gentile, Giovanni, Genesis and Structure of Society (نشأة المجتمع وبنيته). Translated by H.S. Harris Urbana, IL: University of Illinois Press, 1960.

Gentile, Origins and ,Gentile, Giovanni, Genesis and Structure of Society (أصول الفاشية ومذاهبها). Translated by H.S. Harris Urbana, IL: University of Illinois Press, 1960.

Gentile, Origins and Docine of Fascism (الأسس الفلسفية للفاشية(. Translated, 2002. also: gentile, The Philosophic Basis of Fascism, Foreign Affairs,VI, No.2, January 1928, pp. 290-304.

 

  • Social Links:

Leave a Reply