نتابع معا اليوم القسم الثاني من الدراسة القيمة لعالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار عن مفهوم النظام الشمولي (التوتاليتارية)
وتتداخل في تصور (جنتيلي) وتصور موسوليني للدولة ثلاثة عناصر: معاداة الليبيرالية، ومعاداة الماركسية (اي معاداة الجماعية النقابية)، ومعاداة الأمم الأخرى. فالليبرالية عندهما تنتج الدول الضعيفة، والجماعية الماركسية المتجذرة في الطبقة تقسم الأمة بصراعات طبقية، كما أن الأمم الأخرى تهدد او تنافس النزعة التوسعية الإيطالية أو كما أعرب هتلر عن ذلك بعبارة (المجال الحيوي- Lebensraum).
ونجد تعبيرأ جليأ عن هذه العناصر في كتاب موسوليني “ماهي الفاشية؟” حيث يقول: “الفاشية هي النقيض التام للاشتراكية الماركسية، والتصور المادي للتاربخ… كما أن وجود صراع طبقي غير متغير او غير قابل للتغيير مرفوض”.
“بعد الاشتراكية تقوم الفاشية بمحاربة النظام المركب اللايديولوجيا الديمقراطية ونبذه، سواء ني مقدماته الذظرية أو في تطبيقه العملي. الفاشية تنكر أن الأكثرية تستطع لمجرد كونها أكثرية أن توجّه المجتمع البشري؛ وهي تنكر أن الأعداد يمكن أن تحكم بوساطة الاستشارة المتكررة بانتظام، وهي تؤكد أن اللآمساواة الثابتة المستديمة، والمثمرة، والنافعة القائمة في الجنس البشري، لا يمكن أن ينظر اليها بصورة مستديمة عبر عملية ميكانكية كالانتخبات العامة”.
“يعتبر نمو الإمبراطورية، أي توسع الأمة، بالنسبة إلى الفاشية، مظهرآ من مظاهر الحيوية، ونقيض ذلك هو من علامات الانحطاط… (الفاشية) لا تؤمن بإمكانية السلام الدائم ولا بفائدته”.
“الدولة الفاشية تنظم الأمة، لكنها تترك هامشأ كافيأ من الحرية للفرد؛ وذلك مع حرمانه من جمع الحريات العديمة الفائدة والمؤذية أحياناً”.
وعلى الرغم من أن جنتيلي يدعر إلى الهيمنة التامة، فإننا نجد بعض آثار الشك في أعماله الفلسفية بالنسبة إلى إمكان تطبيق الهيمنة التامة. فهو ينصح بأنه من “الضروري أن يتم جلب جميع الشعب، ومنذ نعومة أظفاره، إلى الحزب الفاشي، والمؤسات التي أوجدها الحزب”. وهو يعترف بأن من شأن هذه العملية أن تكون بطيئة ولايمكن أن تحصل إلا عن طريق الإصلاح والتربية؛ لكنه يشكك في إمكان الهيمنة على الاستقلالية الاجتماعية بقدر ما يتضمنه لفظ ا(توتاليتاريو) فإذا كانت الاستقلالية “تذوي ببطء”، والتباين يظل قائما، فإن المثال التوتاليتاري الشامل ليس شاملا تمامأ إذن، وبالتالي فإن شعار موسوليني “الجميع داخل الدولة، ولا أحد خارج الدولة، ولا أحد ضد الدولة”، لا يتوافق مع وجود مؤسسات وقوى
مستقلة خادج الدولة. ولما كان تصور (جنتيلي) الخاص للدولة الفاشية يتنافر مع مثالها الأعلى الخاص، فكيف يمكن تعريفها إذآ؟ يصف (جنتيلي) الدولة الفاشية بانها “نظام حكم تعاوني نقابي”، نظام يشكل “بديلا عن الدولة الليبرالية”
لقد تطلع الفاشيون الإيطاليون إلى دولة “توتاليتارية” من شانها أن تكون مخلوقأ مركبآ من حكم الفرد، والدولانية، والتعاونية النقابية، والنزعة التوسعية. وئد تمكنوا من تقويض الفصل المؤسساتي بين السلطات، وهو اتجاه مشترك بين الأنظمة التسلطية والأوتوقراطية (حكم الفرد)، قديمها وحديثها، غير أنهم أخفقوا في محاولتهم تقويض حرية وحركة القوى الفاعلة السسقلة عن الدولة تقويضآ كليآ، أو السيطرة عليها من خلال التعبئة الجماهيرية.
ومن المفارقات التاربخية ان إيطاليا |خترعت نظرية التوتاليتارية، غير ان المانيا هي التي طبقتها إلى ابعد حد. فالنموذج النازي الألماني كان الحالة التي تطابقت تمامأ مع المثال الأعلى الذي |بتكره (جنتيلي) كان نظام الحزب الألماني الواحد، ونزعته القومية العنصرية والتوسعية، والإبادة الجماعية المستندة الى اللاسامية، وعداؤه للجماعية (الاشتراكية) والليبرالية، وتركيزه عى الدولة باعتبارها التجسيد الأسمى لروح الشعب ” Volksgeist ” كان ذلك كله مدينأ لموسوليني، لكن القادة الألمان كانوا غير مستعدين للاعتراف بذلك.
علماء السياسة الألمان والأيديولوجيون النازيون، لا الزعماء النازيين، هم من تدارسوا مفهوم التوتاليتارية وفهموا تداعياته فهمأ جيدأ. وا ستنادأ إلى (خوان ليتزو نويمان)، فقد استعمل مفهوم التوتاليتارية في الدراسات التاريخية، والقانونية، والسياسية ني فترة ما بين الحربين. كما كانت مصطلحات التوتاليتارية من مثل الحرب الشاملة (Total War) والتعبئة الشاملة، قيد التداول في عشرينيات القرن المنصرم. وقد بدأ بعض علماء الاجتماع الألمان يستعملون المفهوم سنة 1928، وفيما بعد 1934، من اجل وصف أنظمة الحزب الواحد الجديدة القائمة على التعبئة الجماهيرية سواء أكانت فاشية أم شيوعية، كما بدأ بعض العلماء يلاحظون “منذ العام 1928 التشابه بين الحزبين: البولشفي والفاشي” في مجال آليات التعبئة.
وفي موازاة هؤلاء فإن أولى محاولات التمييز بين مختلف أنماط الأنظمة السياسية في أوروبا المعاصرة قد تمت في أوائل وأواسط الثلاثينيات من القرن العشرين على يد منظرين غير ليبراليين “صاغوا التباينات بين الدولة التسلطية، والدولة التوتاليتارية، وما أسموه: الدولة الليبيرالية الديمقراطية المحايدة). غير أن هذا التمييز المثمر بين الأنماط المثالية السياسية الثلاثة المختلفة: الليبيرالي، والتسلطي، والتوتاليتاري (الشمولي)، قد ضاع لسوء الحظ في أوائل سنوات ما بعد الحرب. والاستثناء الوحيد هو (فرانز نيومان) الذي أنجز عام 1942 كتابآ محوريا هو “التنين- Behemoth ” الذي قدم تحليلأ بئيويأ نقديا للئظام التوتاليتاري الألماني يعد الأول من نوعه.
القسمة الثنائية بين النظامين التوتاليتاري (الشمولي) والديموتراطي في فترة ما بعد الحرب، لم تبين كامل فظاعة النظامين الشموليين (النازي والفاشي) إلى العلن إلا بعد انهيار الرايخ الألماني الثالث في العام 1945. عندها استفاقت النظرية السياسة على ضرورة تفحص أصل العلّة: لماذا نشأت أمثال هذه الأنظمة الدكتاتورية، العنصرية، التوسعية، الميالة إلى الإبادة الجماعية في قلب القارة القديمة موئل عصر التنوير، والعقلانية، والعقل والحريات؟ وقد شغلت هذه المسالة جمهرة من المفكرين كجورج لوكاش، إريك فروم، ثيودور ادورنو، هوركهايمر، يورغن هابرماس، هربرت ماركوزه، تشارلز بتلهابم، على سيل المثال لا الحصر. واعتمادا على مقاربات ماركسية أو ماركسية فرويدية، أو نقدية، تفحّص هؤلاء نشوء أمثال هذه الأنظمة المدمره اللاعقلانية. وقد تساءل المفكرون ٠كيف يمكن لبلدان ذات نضج فلسفي وعلمي عريق او ذات تراث انساني كايطاليا ان تطوّر نزعة معادية للقانون، او روح حيوانية معادية للانسانية كهذه. وقد ولد لجيل ما بعد الحرب جمهرة من مشاهير المفكرين النين تحدّد ذهنهم وحسّهم النقدي بتجربة ألمانيا، وإيطاليا، وروسيا الستالينية:
ومع أن هذه الأسئلة قد أثيرت عن الماضي في خمسينيات القرن العشرين؛ بحقبة جديدة؛ حقبة الحرب الباردة، المليئة بوعود جديدة ومخاوف جديدة.
لقد تجذّر تحركان في القارة القديمة والحديثة التقسيم: انطلق قسم نحو إعادة البناء وبسط الديمقراطية في الدول التوتاليتارية السابقة (إيطاليا، وجزء من ألمانيا والنمسا)؛ اما القسم الآخر فقد انطلق في تقليد النموذج الستاليني وهو “نموذج توتاليتاري” فريد. وهنا عاد مفهوم التوتاليتارية السابق للحرب الى البروز بقوه، لكن على يد أعداء هذه الظاهرة، لا على يد انصارها. فأوجه الشبه بين النماذج الستالينية، والنازية، والفاشية، التي كانت قد لوحظت في سنوات ما قبل الحرب أخضعت مجددأ للفحص. ولعل اسمي (حنّه أرندت، وكارل فريدريش) سيذكران دائمأ باعتبارما المساهمين الأغزر إئتاجأ والأكثر أهمية في هذا الانقلاب النظري. ولعل الاسم الثالث الاهم هو (فرانتز نويمان) الذي حرمتنا وفاته المبكرة ني أوائل الخمسينيات من القرن العشرين إسهامأ عميقأ أغنى من الخطوط لعريضة التي نشرت بعد وفاته. لكن كتابه: Behemoth ينبغي أن يحتل المكانة الأولى، فهو سابق لنظريتي (آرندت وفريدريك)، كما أنه سابق للحرب الباردة، وغير ملوث بادرانها. وسوف نرسم الآن بإيجاز الخطوط العريضة لمفاهيم هذه المدرسة الشمولية – التوتاليتارية والانتقادات الموجهة اليها.

Social Links: