اللاجئون والهوية
هناك مستويان في موضوع الحرب والهوية واللاجئين: الأول هو سبب اللجوء، والثاني هو التعامل مع اللاجئين الوافدين.
لم تقتصر الكارثة على ما حل باليهود خلال الحروب الأوروبية ـ العالمية من محرقة ولجوء على نحو فادح من القسوة الإنسانية، بل قام الاستعمار بالاستثمار في فئات من اللاجئين بالتعاون مع الحركة الصهيونية لإنتاج ظاهرة لجوء جديدة ضد شعب آخر عبر استعمار أرضه وانتهاج سياسة التطهير العرقي. إنها ظاهرة قديمة عمرها نحو خمسة قرون من التمييز ضد اليهود في أوروبا، والتي ترافقت بداياتها أيضاً مع تطهير المسلمين والعرب من أوروبا بعد الأندلس.
وفي دورة جديدة من معاداة السامية، تحول العرب والمسلمون في أوروبا إلى هدف لسياسات التمييز في دول الشمال الغني، فأوروبا لم تتمكن من التخلص من ظاهرة العنصرية التي يبدو أنها تأصلت على الرغم من النضالات المستمرة ضدها.
ثمة أساس وجودي يتعلق بفصل حاد بين الأنا والآخر طبع تشكل تجربة الحداثة الغربية، على ما يجادل الفيلسوف برونو لاتور. وهذا الطابع الوجودي للفصل الحديث بين الأنا والآخر سيطال الفصل بين مناحي العلوم بعدما كانت متداخلة، والعلاقة بين الإنسان والأرض، والعلاقة بين الهويات الإنسانية التي هي حكماً متداخلة ومتعددة. وستكون لهذا الفصل انعكاساته على تشكل الدول الوطنية وإنتاج اللاجئين، وإن كان ذلك لا ينفي أن تجارب قبل الحداثة حملت مجازر إثنية ودينية وطائفية، إلى جانب تجارب انفتاح وتعدد. كما أن الحداثة حملت مفارقاتها، فكان تحريم العقاب الجماعي والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
فقبيل الحرب العالمية الأولى، تكرس نظام الدولة الوطنية، وظهرت جوازات السفر في دول أوروبية، وبدأ التشدد في الحدود. وقد ترافق مع فترة الدول الوطنية المغلقة ظهور أكثر من 100 مليون لاجىء بين سنتَي 1912 و1969، إذ جرى التخلص من فئات غير مرغوب فيها من السكان.
تشكل الأحداث الطائفية لسنة 1860 في جبل لبنان، والتي تلت ثورة فلاحية ضد الإقطاع، أحد الأسس المكونة للمنطقة. فقد أنتجت هذه الأحداث موجة هجرة ولجوء واسعة بين لبنانيين وسوريين، ووضعت أول لبنة في البناء المؤسساتي الطائفي ـ الوطني الحديث، وإن كان سبقها تاريخياً مشروع حكم إسلامي سنّي في الدولة العثمانية، وشيعي في إيران. وتكللت بداية المشروع القومي ـ الوطني في المنطقة العربية والإسلامية بمجازر ضد الأرمن واليونان.
وإلى جانب ذلك، جرى تقسيم بلاد الشام التي كانت وحدة إدارية منذ أيام البيزنطيين إلى دول وطنية، واقتُطعت منها فلسطين من أجل تسهيل عمل المشروع القومي الصهيوني الذي طهّرها من نصف سكانها الذين أصبحوا لاجئين.
وبعد النكبة، جرى التلاعب بصورة الفلسطيني في لبنان في إثر أزمة سياسية طائفية، على ما أظهر بحث لجيهان صفير. وكان لتأسيس اللعبة السياسية اللبنانية على أساس هوياتي ضد هويات أُخرى، تأثيره الحاسم أيضاً في التلاعب بصورة اللاجىء الفلسطيني، في وقت لم يكن هناك سلاح وتنظيمات، وإنما كان هناك وجع النكبة الصافي.
وترافق قمع اللاجئين الفلسطينيين في بلاد مضيفة مع تصاعد فعلي في إشهار سياسات الهوية الوطنية والطائفية أو الإثنية، كما ترافق في حالة لبنان مع نزوح ولجوء طال لبنانيين عديدين في مناطق لبنانية مختلفة جرّاء الحرب اللبنانية التي بات القتل على الهوية أحد معالمها.
أعيد إنتاج الهويات ما تحت الوطنية وأُلبست ثوباً وطنياً في تجربة الانتداب التي لا يبدو أن الدول العربية استقلّت عنها في عدة نواح. وقد ذكّرنا إدوارد سعيد بأن الاستشراق تعامل مع المنطقة بعيون الفسيفساء، فشجع حكم أقليات طائفية وعشائرية وإثنية وعائلية لأكثريات، فحكمت الأقلية اليهودية فلسطين بعد النكبة، وحكمت المارونية السياسية لبنان، وأعَدّ الانتداب الفرنسي لسوريا مشروع أقليات طائفية وعشائرية، مع حكم أقلوي في الأردن والعراق.
وفصّل دارسون لاحقون إعادة إنتاج هذه الهويات في دول الاستقلال في المشرق العربي، فعلى سبيل المثال، أظهر بحث حنا بطاطو عن سوريا عودة حكم أقلوي في سوريا كان له بذوره خلال فترة الانتداب الفرنسي، جنباً إلى جنب مع عوامل عائلية وريفية وطبقية. لكن في حالات أُخرى، جرى استبدال حكم الأقلية السياسية بأقلية أُخرى، مثل لبنان، على ما يُظهر المؤرخ وعلم الاجتماع أحمد بيضون، وبذا تكرس النموذج الذي على الجميع الالتحاق به.
غير أن الميل القومي العربي الذي أراد تجاوز الدول الوطنية، لم ينجُ بدوره من هجرة وتهجير إثنيات غير عربية، كما حدث مع الأكراد في سوريا والعراق، أو مع اليونان في مصر.
ومع تزايد التصحر في جميع المجالات، كان سلاح العصبيات الهوياتية هو الأوسع استخداماً خلال الثورات العربية، ولم ينجُ منه حتى كثير من المعارضات.
توضح دراسة كريستينا بوسويل الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن عدد اللاجئين في العالم يتناسب مع مدى العنف المستخدم. وتوصي الدراسة كي تُعالج أسباب الهجرة القسرية بعلاج جذر الأسباب. فالعنف المنتج للاجئين، تضيف الدراسة، له مصدر أساسي يتمثل في نقص الشرعية نتيجة عدم تلبية الحقوق الاجتماعية ـ الاقتصادية، وفي حلقة ضيقة من الحكم تُجمَع فيها سلطات المنطقة، وإن كان بعضها غنياً قادراً على احتواء الفئات الاجتماعية إلى حين.
إذا نظرنا إلى بلاد الشام، فإن الاستعمار الاستيطاني في فلسطين قام على بناء هوية موجهة بالكامل ضد الآخر الفلسطيني عبر تحويله إلى لاجىء. أمّا في لبنان والأردن وسوريا ذات التاريخ المتداخل، فإنها لم تتمكن من الاستقلال عن بذرة تأسيسها الاستعمارية وإن بدرجات متفاوتة، فجرى الاستناد إلى إحالات هوياتية داخلية مع «الآخر» ـ اللاجىء الفلسطيني بداية، ثم السوري. وبينما لم يكن هذا الموضوع مطروحاً في سوريا في بدايات الاستقلال، إذ لم يكن موضوع الهوية الداخلية قاعدة متمأسسة في اللعبة السياسية، فإنه بدءاً من ستينيات القرن الماضي، قام الانقلاب العسكري بتشريد أكراد سوريين، قبل أن يتفاقم لاحقاً الاستناد إلى العصبيات الهوياتية، ويصل إلى الكارثة الحالية.
وبالمحصلة، فان هذه المنطقة العربية والعربية ـ الإسلامية كانت المنتجة الأكبر للاجئين قبل الموجة الراهنة. ففي سنة 1991، انحدر 11,2 مليون لاجىء بين 16,7 مليون لاجىء في العالم من منطقة تمتد من أفغانستان إلى المغرب، ومن تركيا إلى الصومال، على ما يشير الباحث مايكل همفري. وفسر الباحث هذا التدفق بأن سوق العمل العالمية باتت جزءاً من التنمية الوطنية لكل بلد، لكن ليس هناك اندماج داخلي، إذ إن النزاع الهوياتي ملتهب داخل كل دولة. ويضيف الباحث أن «هذا النزاع الإثني / الديني قادر على إنتاج لاجئين كثر، ذلك بأن المواطنية، أساس العضوية الاجتماعية في الدولة الوطنية الحديثة، قُزمت في الشرق الأوسط بسبب التعددية الثقافية والحدود المفروضة استعمارياً وسياسات النخب. كما أن أي دولة في المنطقة لم تغامر بمنح جميع سكانها صوتاً كاملاً ومتساوياً، لأن الأصل، لا مكان الولادة، هو الأساس الفاعل للجنسية، تاركة أولئك الذين لا يرتقون إلى هذا التصنيف لاجئين بلا دولة أو مقيمين مهمشين.»
لم يعد اللاجئون الفلسطينيون استثناء، وإنما باتوا القاعدة بين شعوب لاجئة ونازحة تفكر في هجر المنطقة. والوجه الآخر لهذه الكارثة هي أن إسرائيل لم تعد استثناء بتوحشها وتهجيرها وهدمها للمدن والبلدات، أو جرفها للأحياء.
أنظمة تفقر الناس وتذلها وتهجرها عن أرضها، وسط صحراء تتمدد، وعندما تعترض فئات واسعة من الناس مطالبة بالكرامة والحرية والعدالة، تشن السلطات حروب هوية ضدها، وتحوّلها إلى نازحين ولاجئين لا يعرفون أين يلجأون.
كلنا مشروع لاجئين بوجود مثل هذه السلطات، وما نراه اليوم في سوريا وفلسطين والعراق واليمن وليبيا والمغرب والصومال وإيران ليس إلاّ مقدمات للمنطقة ككل، والتسارع ملحوظ. ورفع شعار «كلنا لاجئون» هو الرد الملائم على السياسات التي تهجّر الناس، وضد السلطات التي تتعامل بفوقية وعنصرية لدى استقبالهم.
ومع ضمان حق عودة اللاجئين، يقترح علينا اللاجئون فكرة أن عبور الحدود حق إنساني، فيطرحون إعادة التفكير في الهوية الوطنية / القومية التي لا مكان فيها للاجىء، والفارغة من مكونها المشترك مع «الآخرين».
كثيراً ما كانت هذه المنطقة تحمل تعددية إثنية ودينية وطائفية. ولا بد لدولها من أن تنجز استقلالاً فعلياً عن نواة تشكلها على أساس هويات متحاربة وخائف بعضها من البعض الآخر، في وقت تغتنم أقليات حاكمة الأرض وسكانها وتهجرهم، كما لا بد من أن تكون موضوعات العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة ومواجهة التصحر هي الأولويات، بدلاً من إشهار العصبيات الهوياتية للتعمية عن الموضوعات الإنسانية الفعلية.
كتب محمود درويش ذات مرة عن رسام الكاريكاتير الذي ملأت رسومه خيم اللاجئين: «احذروا ‘ناجي’، فالكون عنده أصغر من فلسطين، وفلسطين عنده هي المخيم، إنه لا يأخذ المخيم إلى العالم، ولكنه يأسر العالم في مخيم فلسطين… وليس فلسطينيو «ناجي العلي» بالوراثة وحدها، كل الفقراء في عالم ناجي فلسطينيون، والمظلومون والمسحوقون والمحاصرون والمستقبل والثورة.. كلهم فلسطينيون..»

Social Links: